وسط عدد من الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية لعب صندوق النقد الدولي دورا محوريا في محاولة ضمان استمرار النمو، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار المالي. لكن النتيجة كانت زيادة حدة تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية في الدول النامية والصناعية المتقدمة على السواء، باستثناء عدد قليل جدا من الدول التي نجحت في حصار التضخم داخل مستويات تاريخية معتدلة نسبيا مثل الصين وفيتنام. كما أدت سياسة الصندوق وسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى إرباك أسواق المال العالمية بسبب ارتفاع أسعار الفائدة على الدولار. في تقريره الجديد عن آفاق النمو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي سينشر في 3 أيار/مايو يقدم صندوق النقد الدولي لصناعة السياسة الاقتصادية في المنطقة جديدين مهمين، لضمان تحقيق قدر من الاستقرار وسط ظروف شديدة التوتر والاضطراب. الجديد الأول والمهم الذي يقدمه الصندوق هو ضرورة التنسيق بين السياستين النقدية والمالية. خصوصا في الدول التي تعتمد أكثر على سلاح أسعار الفائدة. وفي هذا الجديد يرى خبراء الصندوق أن سريان مفعول السياسة النقدية يكون أفضل وأكثر تأثيرا مع استخدام سياسة مالية نشطة تتكامل مع السياسة النقدية. ولا شك في أن وجود توافق بين أهداف السياسة النقدية، التي تمثل أحد أهم مفاتيح إدارة الطلب العام والخاص، والسياسة المالية التي تمثل أحد أهم مفاتيح إدارة جانب العرض، سواء من خلال الإنفاق الاستثماري والحوافز الضريبية أو من حيث إتاحة حوافز متنوعة ومتعددة للمنتجين، يساعد على تحقيق الأهداف المرجوة، والوقاية من المخاطر التي يمكن أن تترتب على سياسة التشدد النقدي.
أما الجديد الثاني الذي يقدمه صندوق النقد الدولي في حزمة السياسات المقترحة لإدارة الطلب، خصوصا في الـ 24 شهرا المقبلة، فإنه يتمثل في إعادة التأكيد على أن مرونة سعر الصرف هي القناة الطبيعية التي تساعد على جودة سريان آثار السياسات الإصلاحية في عروق الاقتصاد، وبدون ذلك فإن سياسة أسعار الفائدة تفقد الكثير من مفعولها. ويشير الصندوق إلى الأهمية الشديدة لتعويم العملات المحلية، خصوصا بعد أن لاحظ الخبراء في السنوات الأخيرة أن بعض البلدان التي اتبعت سياسة نقدية متشددة فشلت في جني النتائج التي استطاعت الدول ذات العملات الحرة جنيها من رفع أسعار الفائدة. وحذر الصندوق من خطورة ربط أسعار العملات المحلية بسعر ثابت مع الدولار، أو تجميد سعر العملة المحلية إداريا. هذا التحذير موجه أساسا للدول التي تعاني من اضطراب أو نقص تدفقات النقد الأجنبي. ومن المظاهر التي اتخذت أبعادا خطيرة بسبب تحديد سعر الدولار إداريا، أو ربط العملة المحلية بالدولار أو اليورو بسعر ثابت، انفجار معدلات التضخم في دول مثل مصر وتونس ولبنان، وهي ثلاث دول عربية تعاني من مشكلات عميقة في علاقتها بالصندوق.
لكن موضوع تحرير سعر الصرف، في دول الشرق الأوسط النامية غير المصدرة للنفط يحتاج إلى مناقشة مسؤولة، حتى لا يقع الصندوق في الخطأ ذاته الذي يحاول تداركه، ذلك أن تعويم سعر الصرف يترك تداعيات قاسية على جانب العرض، بتقليص الواردات، بما فيها السلع الوسيطة والاستثمارية اللازمة لتشغيل وتوسيع طاقات الجهاز الإنتاجي، خصوصا الجهاز الإنتاجي السلعي المرتبط بالسوقين المحلي والخارجي. وتقدم مصر تجربة مهمة يتعين على الصندوق أن يدرسها جيدا، نظرا لتشابكها الشديد مع الجديدين في سياسة صندوق النقد الدولي، حيث تتبنى مصر سياسة مالية توسعية، تسهم في تغذية جانب الطلب وتقويته، خصوصا الطلب الاستهلاكي الخاص والعام، وهو ما يقوض أثر السياسة النقدية المتشددة التي تسعى إلى تقليص الطلب، والحد من التضخم. كما أن الدعوة إلى مرونة التحويل بين الدولار والجنيه المصري، تؤثر سلبا على قدرة الاقتصاد الخاص على توليد إيرادات بالعملات الأجنبية لتمويل احتياجات استيراد المواد الخام والوسيطة والآلات والمعدات الرأسمالية. وتظهر بيانات مؤشر مشتريات المديرين تراجعا مستمرا في أداء الاقتصاد غير المملوك للدولة، لمدة تزيد عن سنتين، دون أن تلوح في الأفق علامات قوية ومستدامة على أن هذا التراجع سيتوقف وأن القطاع الخاص سيستأنف النمو.
ونظرا لأن توقعات المؤسسات الدولية، ومنها البنك الدولي وصندوق النقد تقيس حركة المتغيرات الاقتصادية ارتفاعا أو انخفاضا اعتمادا على نماذج رياضية مغلقة، فإن هذه التوقعات قد تحمل في طياتها عيوبا هيكلية خطيرة، وهو ما تحاول مؤسسات التقييم الائتماني مثل موديز وستاندارد اند بورز تجنبها، وذلك بمحاولة ترجيح نتائج النماذج الرياضية بمتغيرات حقيقية مؤثرة على الأرض، منها مدى استجابة الدول ومؤسسات التمويل المتعددة الأطراف للاحتياجات التمويلية لدول ما تزال تعتمد على تدفقات التمويل الأجنبي أكثر من اعتمادها على الموارد المحلية. وهناك عوامل أخرى يجب أخذها في الاعتبار مثل تأثير تداعيات الصراع العسكري في السودان على الاقتصاد المصري، وكذلك تأثير مدى كفاءة السياسة الاقتصادية في مكافحة التضخم وتحقيق الاستقرار المالي.
ومع ذلك فإن استخدام النماذج الرياضية في بناء خريطة توقعات حركة المتغيرات الاقتصادية الكلية في الدول العربية، التي تخوض صراعا قاسيا من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي لا تظهر نتائج مشجعة للعام الحالي 2023 نظرا لهشاشة القدرة على تحمل الصدمات الداخلية، بسبب ضعف سلاسل الإمدادات أو الخارجية، وتداعيات التغيرات الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة، وآخرها الصراع في السودان. وطبقا لتقرير آفاق النمو الذي سيصدره صندوق النقد الدولي بعد أيام، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستحقق نموا بنسبة 3.1 في المئة في العام الحالي. هذا المعدل مع إنه أقل من معدل النمو في العام الماضي الذي كان 5.3 في المئة، فإنه أفضل من متوسط النمو العالمي المتوقع بنسبة 2.8 في المئة. لكن معدل النمو في الشرق الأوسط يخفي تباينا شديدا بين الدول النفطية الغنية والدول المستوردة للنفط. ويتوقع التقرير أن يظل متوسط معدل التضخم الإقليمي عند معدل 15 في المئة، وهو المعدل الذي كان عليه في العام الماضي. ويؤكد صندوق النقد الدولي على أن النجاح في مكافحة التضخم يتوقف على طبيعة السياسة النقدية، المتشددة أو المحايدة، وضرورة التنسيق بين السياستين النقدية والمالية.
هشاشة وضيق حلقات الإمدادات
وتقدم مصر مثالا مهما لاختبار توقعات صندوق النقد الدولي، خصوصا بعد أن قام الصندوق نفسه بمراجعة هذه التوقعات بالتخفيض أكثر من مرة، في سياق تخفيض معدلات النمو المتوقعة إقليميا وعالميا. وتخوض مصر معركتها من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي بأسلحة مستوردة من الخارج، أهمها اتفاقات التمويل مع صندوق النقد الدولي، والمساعدات المالية الثنائية من الدول النفطية الخليجية الغنية، والتمويل المرتبط بمشروعات محددة، تقوم بها شركات من دول مثل الصين وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا. ونظرا لهشاشة القدرة على التحمل، فإن عدم تدفق المساعدات المالية الخارجية بالقدر الكافي يهدد بإعادة تخفيض التصنيف الائتماني لمصر سلبيا مرة أخرى في الـ 12 شهرا المقبلة، وهو ما حذرت منه مؤسسة ستاندرد آند بورز. هذا الأمر يعني أن رقبة الاقتصاد المصري تقع تحت طائلة سكين المساعدات الخارجية، والتغيرات الجيوستراتيجية الإقليمية والعالمية، بدون قدرة داخلية كافية على التحمل والمقاومة. ومن الصعب جدا أن نتصور استدامة هذا النموذج من النمو الذي يرعاه صندوق النقد الدولي، وهو النموذج الذي تتجلى أزمته في الأرجنتين منذ عقود حتى الآن، ويقوم على أساس علاج فشل برامج الإصلاح التي يصممها، بتقديم مزيد من القروض لتعويض فشل القروض السابقة في تحقيق النتائج المرجوة.
مرة أخرى تقدم مصر حالة دراسية مهمة في اختبار مدى كفاءة برامج الإصلاح التي يتبناها ويروجها صندوق النقد الدولي. مصر في حقيقة الأمر باتت تعتمد على مزيد من القروض والمساعدات الخارجية منذ حصلت على قرض الـ12 مليار دولار من الصندوق منذ نحو 7 سنوات. وتظهر النماذج الرياضية لتوقعات نمو المتغيرات الاقتصادية الكلية أن حصيلة الإيرادات الحكومية العامة الضريبية وغير الضريبية كانت تعادل 23.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي عام 2014 أي قبل قرض الصندوق الأول الذي حصلت عليه مصر بعد ثورة يناير، ثم انخفضت مع سياسات برنامج الإصلاح إلى 18.2 في المئة عام 2020. ويتوقع الصندوق أن تبلغ في نهاية السنة المالية الحالية 18.7 في المئة. وتعتبر الإيرادات الحكومية مقياسا لقوة النشاط الاقتصادي، حيث أن 80 في المئة منها يأتي من الضرائب. كما انها تعتبر المصدر الأول الصحي لتمويل الموازنة العامة للدولة. ومن ثم فإن أي برنامج للإصلاح الاقتصادي لا يترتب عليه زيادة نسبة الإيرادات الضريبية من إجمالي الناتج المحلي، يكون برنامجا محدود الكفاءة، بشرط أن تكون زيادة الحصيلة الضريبية ناتجة عن زيادة النشاط الاقتصادي وليس عن طريق التعسف الجبائي، لأن التعسف الجبائي يؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي. ويتوقع صندوق النقد أن تصل نسبة الإيرادات العامة الضريبية وغير الضريبية من الناتج المحلي في مصر عام 2028 إلى 20.9 في المئة. هذا يمثل الفشل الأول في البرامج التي يتبناها ويروجها ويمولها صندوق النقد الدولي في مصر، وتدفع ثمنها الأجيال المقبلة. وطبقا للصندوق نفسه فإن نسبة ديون الحكومة العامة من الناتج المحلي الإجمالي زادت من 80.9 في المئة عام 2014 قبل حصول مصر على قرض عام 2016 إلى 92.9 في المئة في العام الحالي.
الفشل الثاني الخطير لبرامج صندوق النقد الدولي في مصر هو المبالغة الشديدة جدا في أهمية توازن القوائم المالية للحكومة العامة، وقياس النجاح بمؤشرات محاسبية تافهة مثل تحقيق فائض أولي في الموازنة العامة، حتى لو كان ذلك على حساب القدرة على الإنتاج والقدرة على التحمل ومقاومة الصدمات. ويتجلى الفشل هنا في تراجع معدل نمو الاستثمار الإجمالي بما في ذلك الأجنبي، وانخفاض نصيبه من الناتج المحلي الإجمالي من 15.3 في المئة عام 2018 إلى 12.3 في المئة في السنة المالية الماضية. كما زادت حدة انخفاض نصيب الاستثمار الأجنبي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 3.4 في المئة في عام 2018 إلى 1.2 فقط في السنة المالية الأخيرة. وهذا ما يفسر هبوط نسبة النمو في قطاع الإنتاج السلعي إلى 2.7 في المئة فقط، في الربع الأول من السنة المالية الحالية، حسب تقرير صادر عن وزارة المالية، وهبوط معدل نمو قطاع الصناعة التحويلية إلى 1.3 في المئة، وهي نسبة هزيلة تقل عن معدل النمو الطبيعي للسكان، ولا يمكن أبدا أن تسهم في المساعدة على تحقيق توازن اقتصادي أو استقرار مالي. لذلك فإن إحدى خطايا سياسة صندوق النقد الدولي، التي يجب الانتباه لها هي تجاهل أهمية إقامة الترابط بين أهداف التوازن المالي وأهداف التوازن في جانب العرض الإنتاجي، لأن إدارة جانب الطلب الحكومي والخاص يظل جانبا واحدا فقط من جوانب الاقتصاد وليس كل الاقتصاد. وإذا كان صندوق النقد الدولي يسعى فعلا إلى تدارك أخطائه في الشرق الأوسط وفي سياسته تجاه الدول النامية بشكل عام، فإن عليه أن يربط أهداف تحقيق الاستقرار الاقتصادي ليس بالجانب المالي وإدارة جانب الطلب فقط، ولكن أيضا بالجانب الاقتصادي العيني، وبناء دالة العرض، وسلاسل الإمدادات القوية محليا، المترابطة عمليا.