مصر: عامان ونيف من التيه الثوري!

حجم الخط
0

لم يكن التيه وقفا على بني اسرائيل لما عصوا أمر موسى وربه بدخول الارض المقدسة؛ بل ان أمما اخرى ظل تاريخها مليئ بفترات طويلة من التيه فرضتها مديونيات تاريخية لم تدفع وظلت مؤجلة. واصبحت حياتها مجرد جري فى المكان ان لم يكن للوراء!
الامة العربية ليست استثناء منذ ان فقدت بوصلة الاتجاهات واصبح تاريخها ينمو دائريا وبعد عدة عقود من التيه السياسي والاجتماعي والثقافي الذي عاصره المجتمع العربي وعجزه عن دخول ارضه المقدسة (التاريخ) لم يجد العربي ضالته الا فى الحركات الشبابية التى ارهقها التيه وقررت التخلص من عبء سيزيف الملقى عليها مجانا. ومع الثورات استخلص العربي بوصلته او على الاقل نقطة البداية او البعث الجديد. لكن سرعان ما احس الشباب والجمهور بان البوصلة التي صنعها بدمه فى طريقها للهاوية وكأن التيه قدر محتوم عليه.
عامان ونيف و الثورة المصرية متعثرة الخطى نحو التاريخ ؛ قوى غيبية ظلامية امتطتها كوسيلة للهروب من الحاضر والمستقبل نحو الماضي بمباركة الرأسمالية الامبريالية الغربية وكجزء من الميكانزم التحالفي الاستبدادي بين اللحية والكاب اللذين شكلا ثنائي الاستبداد والتخلف عبر عقود.
لسنا فى حاجة للتحدث عن مأساة السلطة الغيبية الكهنوتية التي هبت على مجتمع يلقى بذرتي الاستحقاق والمستقبل ؛حيث انها سقطت قبل ان تدخل الاختبار اصلا.
لكن ما يزعجني هو القوى والنخب والمثقفون المبشرون بالمدنية والحداثة في مواجهة الرجعية. فمواقفها واساليبها بعد الثورة ليست ثورية بالمرة بل شبه ثورية والشبيه هو نقيض للاصل لانه ببساطة يعني غياب الاصل.
الثورة المصرية جاءتها عرقلة مزدوجة واحدة من الامام جاءت من جانب القوى الدينية التي ارادت وقف حركتها مبكرا وتدجينها حسب المصحلة؛ وعرقلة خلفية من النخب والمعارضة التي لم تستطع مجاراة سرعة الثورة فقررت عرقلتها خلفيا
وجودة النخب والمعارضة وجماعات المثقفين المدنيين فى الساحة لم يكن استدعاء شعبي بقدر ما هو وجود الضرورة نتيجة الفراغ وعدم تبلور نخبة ثورية وشبابية جديدة تقود زمام المبادرة. فكان الالتفاف الشبابي والجماهيري حولها كونها النقيض الموضوعي لقوى الاستبداد والتخلف والظلامية .
مع دعوات التمرد ضد حكم الاخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي التي قادتها طلائع الشباب الذين تعرضوا لعمليات سطو وسرقة للثورة بل سرقة للوعي والذاكرة والاستحقاق ؛ كالعادة تظهر النخب والمعارضة فيما بعد لتسويق نفسها ووضع تصورها السياسي للدولة. وهنا أود مراجعة بعض الارضيات التي تنطلق منها المعارضة والنخب ومناقشتها جديا واختبار جدواها من السياق الثوري:
الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة تحملنا على التذكر والتذكير؛ فموقف القوى العلمانية من استفتاء 19 مارس 2011 هو الرفض وبالتبعية رفضهم لحرق المراحل وكان الرأي هو الدخول في فترة انتقالية للمكاشفة ثم بدء الاجراء السياسي؛وعليه فالمطالبة الان بانتخاب رئيس جمهورية جديد ليس حلا بل نوع من الهروب عن مكاشفة الحقائق ونقل الصندوق الاسود الكبير (مصر) دون فتحه وإرجاء اخر لتسديد المديونيات وتحميل الادارة الجديدة ما لا طاقة لها به.
كذلك الانتخابات المبكرة هي نسف لروح الديمقراطية لان هذا يعنى ان الديمقراطية تساوي صندوق الانتخاب وبالامس كنا نقول للاسلاميين ان الديمقراطية ليست الصندوق ..!
فضلا على ذلك فالدعوة لانتخاب رئيس جديد هي دعوة ضمنية لدولة الفرد والرهان على الرئيس الفرد الشخص، ألم نشك مرارا من دولة وزعامة الفرد؟!!…. اين الدستور والمؤسسة والقانون؛ هل الثورات قامت لاجل زعماء واشخاص. ولماذا نفترض ان الرئيس الجديد القائم رئيس حكيم وديمقراطي؟
ان ذلك يقودنا الى نسف حلبة الصراع والوقوع فى فخ سيزيف العبثي طالما ثوابت اللعبة نسفت لصالح الحشد والجمهرة.
من دواعي الازعاج ان البديهيات والثوابت بدأت تضيع فى غيابات التضاد المنفعل ؛ فاصبح الجوار الفلسطينى والعربي يتعرض لتشويه وتزييف لمجرد تقارب النظام الحكام معهم مثل التعامل مع المقاومة الفلسطينية وايران بل وصل الامر لاقرار الرواية الكارثية حول الصراع السني الشيعي .ثوابت ثقافية واستراتيجية منها ما هو واضح ومنها ما هو بحاجة للتوضيح اصبحت ضحية التضاد الكيدي وليس الضد الجدلي على غرار ديالكتيك هيغل وإستيلاد البعد الثالث من الرواية. بل هناك سكون وسكوت ثقافي ونخبوي حول الجراثيم الثقافية والسياسية التي عششت لعقود وقرون بين ضلوع اللاوعي الجمعي للجماهير…فأي ثورة نتحدث وجراثيم التخلف هاجعة بالدم ،اي ثورة نتحدث ونحن نستدعي الجلاد القديم نكاية فى المستبد الحالي لانه نقيضه السياسي والايديولوجي!
عندما نتابع الاعلام الحالd المضاد لقوى التخلف الظلامd؛ تجد ان التخوم بين الثورة واللاثورة قلا انصهرت وتشابهت علينا الاقوال والمواقف حتى اصبح الغراب هو حمامة السلام مرتديا ريش السهرة الاسود. بل ما يدعو للأسى دعوات بعض النخب والمثقفين واعلامهم لقيادات الجيش بالقيام بانقلاب عسكري ضد الحكم الحالd بل الانكى أن تجد أحاديث تتحدث عن ضرورة حماية مؤسسة الجيش من غرور الاخوان وأن الشعب لن يسمح بانقلاب الاخوان ضد الجيش وقياداته. الكوميدي هنا ان العسكر هم من سمحوا ومهدوا الارض لحكم الاخوان وفق دستور التحالف التاريخي بين اللحية والكاب مع رعاية غربية محكمة، هذا الدستور الذي يقر بتبادل الادوار بينهما دون تحريك او زيادة او نقصان على الارض. ومع ذلك كل مرة تخرج علينا قيادات الجيش تقول لنا انها مع الشرعية المنتخبة…ما هذا الخبل والشيزوفرينيا الذي يصنع اعداءه واصدقاءه من وحي الكيْد وأشرعة دون كيشوت؟
مجمل الحديث ان الثورة لازالت تبحث عن يومها الـتاسع عشر؛ وكل ما حدث ويحدث بعد تنحي مبارك هو نوع من التيه الثوري والسياسي والاكتفاء بأشباه سلوكيات ثورية كنوع من الفيتيشيا السياسية التي تكتفي بقرائن ديمقراطية دون ممارسة الاصل الديمقراطي والمساومات التي تفرض على الثورة كتعديل بعض مواد الدستور او انتخابات او حكومة ائتلافية ….الخ ما هي الا ترقيع في ثوب رث ورديء كلما دخل المخرز فيه لترقيعه صنع فيه عوار جديد. الثورات تجعل الممكن المنشود واجب الحدوث وليس جائز القبول ، واى نوع من المساومة فهو لا ثورة بل مضاد للثورة !
لازالت الثورة متجاوزة قدرات وإمكانيات الكثير من النخب والمثقفين الذين يحاولون الرقص على موسيقى الثورة رغم ان ايقاع موسيقاها مضادة لخلايا أدمغتهم!

‘ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية