مصر علي مفترق طرق التغيير
د. ثائر دوريمصر علي مفترق طرق التغيير …….يراقب عامل واجهة المركز التجاري الذي صار رماداً بعد تفجيرات الصيف الماضي والذي عاد جديداً اليوم. كثير من زملائه قضوا في الانفجار. ومع ذلك يقول منتحباً: أتمني لو أن أحداً يفجره من جديد . لماذا؟ لأنني أعمل مثل العبيد مقابل راتب… الأوجه المحجوبة لسيناء ـ لو موند 25/4/1996 مبعوث خاص ـ ترجمة نشرة سورية الغد 1/5/2006.ما إن تطأ بقدميك أرض القاهرة وتحلق بناظريك في سمائها وشوارعها وساحاتها حتي تدرك أن هناك قاهرتين ومصرين. القاهرة الأولي ـ أو مصر الأولي ـ لا فرق فإن تحدثت عن القاهرة فكأنك تتحدث عن مصر وبالعكس، هي القاهرة الطافية علي السطح. فهي قاهرة الأغنياء والفنانين والشريحة العليا من الطبقة الوسطي من أطباء ومحامين مشهورين وسياسيين وصحافيين يكتبون في صحافة الخليج ومن بعض العاملين في الشركات الأجنبية…….الخ، وهم رواد شرم الشيخ والغردقة والساحل الشمالي. وهذه القاهرة هي التي تظهر في وسائل الاعلام، وهي التي تنتخب، وهي التي تمارس الحياة العامة، وهي التي تتمثل في جهاز الدولة. فهي صاحبة الحياة الحزبية، سلطة ومعارضة، وهي من تملك الصحف أيضاً سلطة ومعارضة. فكل الحياة السياسية وكل الحراك الاجتماعي يدور ضمن هذه الطبقة التي يقدرها بعضهم بخمسة عشر مليوناً. وحتي الإخوان المسلمون تدور حركتهم وتعبيراتهم السياسية ضمن هذا الطبقة . وهنا استغرب أحد الأصدقاء عجز هذه الحركة، رغم تاريخها الطويل في العمل السياسي، عن إفراز تيار اجتماعي يعبر عن مصالح المهمشين ويؤسس لتجربة شبيهة بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية. أما مصر الأخري، الغارقة مقابل الأخري الطافية، التي تشكل ثلاثة أرباع المصريين أو ربما أكثر فهي في حالة اختفاء وكأنها لابسة طاقية الإخفاء. إذ لا وجود رسمياً لها سوي في أخبار الكوارث، مثل قطار الصعيد أو عبارة الموت، أو الجرائم…….عالمان منفصلان لا صلة بينهما سوي عبر السائق والبواب والشغالة.سألت محدثي أستاذ العلوم السياسية سؤالاً مباغتاً:ـ هل تعتقد أنه مر في التاريخ،منذ حروب الفرنجة وحتي اليوم، زمن بلغت فيه مصر مثل هذا التراجع من الخراب الداخلي وانحسار الدور الإقليمي؟و فهم محدثي غاية سؤالي فقد كنا نتحدث عن انحسار دور مصر في القرن الافريقي وفي السودان والمشرق العربي والخليج. فلم يفكر إلا قليلاً ليجيبني بثقة بالغة: ـ لا اعتقد.و أكد إجابته مرتين أما السؤال عن المخرج من هذه الأوضاع المزرية داخلياً فقد كان في مكان آخر. أحد قادة العمل الطلابي في انتفاضة الطلاب أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات يري أنه لا يوجد حل من داخل المؤسسات القائمة ولا من خارجها في المدي المنظور. بل ان الأوضاع تتجه نحو انفجار شامل شبيه بانتفاضة كانون الثاني (يناير) 77، حيث سيحتل المهمشون الشوارع فيحرقون وينهبون ويكسرون لمدة ثمان وأربعين ساعة أو لاثنتين وسبعين ساعة، وبعدها ينزل الجيش إلي الشوارع ليضبط الأمن.نمحص قليلاً في احتمالات التغيير من داخل المؤسسة، الجيش، الشرطة، رجال الأعمال، الطبقة الوسطي. لكن محدثي يستبعدها واحدة إثر الأخري لأسباب مختلفة. ثم فجأة يتوقف ويصمت قليلاً، وكأنه اكتشف للتو احتمالاً لم يخطر علي باله من قبل ويمكن أن يكون بداية للتغيير. قال: ـ هناك احتمال وحيد حالياً من داخل المؤسسة هو تحرك القضاة المصريين. والسلطــــة تدرك ذلك لذا تراها متوترة منه. راجعت كلامه يوم الاثنين وأنا أشاهد العنف البالغ الذي تتعامل به السلطات المصرية مع اعتصام القضاة، وقبلها ما فعلته من إحالة اثنين من كبار القضاة إلي مجلس التأديب لأنهما فضحا البلطجة والتزوير في الانتخابات. لكن هل هذا هو الاحتمال الوحيد للتغيير في مصر؟ أبداً فقد طرح يوم الاثنين، الذي بدأ بضرب القضاة، احتمالاً آخر هو: تفجيرات سيناء، أي التغيير العنيف من خارج المؤسسات القائمة. مصر الآن في سباق بين هذين الاحتمالين تغيير من داخل المؤسسات القائمة ويؤشر له حراك القضاة. وتغيير من خارج المؤسسات وتؤشر له تفجيرات سيناء. فبأي الطريقين ستسير مصر؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة. لكن الأمر الأكيد أن المرحلة قد وصلت إلي نهايتها في مصر. ہ كاتب من سورية8