مصر: غياب الدولة حول الوطن الى فندق

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

الأنبا بيشوي ليس من عامة الناس، إنه الرجل الثاني في الكنيسة المصرية، ومن المرشحين لخلافة البابا شنودة، هذا الزعيم الكنسي اختزل الوطن وتدنى به إلى مستوى دار للضيافة أو نزل يرتاده العابرون والغرباء. ولأنه رجل لاهوت فاختزال الأوطان إلى هذا المستوى ليس من اللاهوت في شيء. إنما هو فهم خاص به وبأنصار ومعتنقي الأفكار والمعتقدات الانعزالية الطائفية. وأولئك صارت لهم الغلبة على عقل الكنيسة واليد الطولى في توجيه الرأي العام المسيحي المصري وغير المصري، وانتهى بهم الأمر إلى انتزاع الكنيسة من فضاء الوطن الواسع وحشرها داخل غيتو طائفي خانق. أزمة حقيقية تواجه الكنيسة المصرية أبعدتها عما كانت عليه؛ في قلب الوطن ووجدانه. وما كان لهذه الأزمة أن تتفاقم لولا غياب الدولة، التي كانت بحضورها وثقلها ودورها سندا لأبنائها ومصدر عز لمواطنيها، ومحل احترام الجميع، ومنذ أن حل رجال الأعمال والسماسرة وشركاء جمال مبارك وعائلته مكان النظام السياسي، أضحى المجتمع بلا حماية والوطن دون سِتر. تغيرت الدولة الراسخة إلى شركة قابضة. وانتقل النظام السياسي الرئاسي إلى إدارة عائلية تجارية ومالية؛ وكم من مرة أدنا وجرّمنا الخطاب العائلي الحاكم. ولم ننتقد الخطاب الكنسي بما يجب. فنحن في حاجة للتعرف على كل أو بعض مسببات رفضه للوطن ومن يعيشون فيه.

بداية جاء وصف الأنبا بيشوي لأغلب المصريين بأنهم ضيوف لدى ما سماهم ‘الأقباط’. وهم بهذا المعنى ليسوا إخوة وطن ولا شركاء مصير. ويبدو أن الرجل غير قادر على التسليم بأن مصر تعربت وغالبيتها أسلمت. وما يسميهم الأقباط ليسوا كذلك، ومن أسلم وتعرب في منطقه غاز ومحتل. وجوده ‘غير شرعي’، ومقاومته واجبة وتحرير أرض ‘القبط’ منه فرض. لم يأت هذا خارج السياق الكنسي في العقود الأخيرة. إنه سياق متصل ما تصورناه واصلا إلى مصر. وكانت المفاجأة في سيطرة حملة تلك الأفكار والمعتقدات على العقل الكنسي الأرثوذكسي المصري. وبدأ ذلك مبكرا نسبيا مع دعوات المسيحيين الأمريكيين؛ من ذوي الأصول المصرية المعروفين إعلاميا وطائفيا بـ’أقباط المهجر’. وقد عبر ذلك الخط عن نفسه بوضوح، وتَأكد بما أعلنه الأنبا توماس أسقف القوصية في صعيد مصر، والمقرب من البابا شنودة، في محاضرة له بمعهد هادسون بواشنطن 18 تموز/يوليو 2008؛ وجاء في ثنايا شرحه لمعنى كلمة ‘ قِبْط’. ذكر أن ‘الكل يعلم أن مصر هي ايجيبت، في القرن السابع حدث تحول في الاسم وكذلك في الدولة. وربطه بمجيء العرب إلى مصر واحتلوها، وإلى عدم استطاعتهم نطق كلمة ‘ايجيبتوس’ فقد نطقوها ‘قبط’ فقد حذفت الألف و’توس’، على حد قوله، فأصبحت ‘ايجيبتوس’ ‘قبط’ بعد كتابتها، فالدولة كلها أصبح أسمها ‘قبط’، لكن تدريجياً تحول بعض الأشخاص لأسباب معينة؛ بسبب فرض الضرائب أو الضغط أو اية أسباب أخرى سواء بسبب طموحهم الشخصي أو للتعامل مع القادة والحكام العرب. فقد تحولوا (إلى الإسلام)، هؤلاء الذين تحولوا لم يعودوا أقباطاً على الإطلاق فقد أصبحوا شيئاً أخر. أما الذين ظلوا مسيحيين فهم الذين أطلق عليهم أقباط’. واستطرد متسائلا: ‘ما الذي يجعل شخصا ما يغير هويته وهوية أمته كلها؟ فقد غير هؤلاء هويتهم من كونهم مصريين إلى أن يصبحوا عرباً، مع أن هذا الشخص عرقياً هو نفس الشخص وهؤلاء هم نفس الناس لكنهم لم يعودوا أقباطاً، هذا هو السؤال الهام والسبب الأهم لما يحدث الآن’ وأضاف ‘لكن عندما تحول بعض المصريين للإسلام فبدلاً من اتجاههم إلى ذاتهم كمصريين اتجهوا إلى العربية فأصبحت جل اهتمامهم. وبدلاً من البحث عن ذواتهم فقد نظروا إلى شيء آخر، فقد تغير اهتمامهم ولم يصبحوا يطلق عليهم أقباط ومن هنا كان التحول الخطير. وهو ما يفسر ما يحدث بمصر الآن’. لم يقل لنا الأب توماس متى كانت الدولة تسمى ‘قبط’، وفي أي عصر تأسست الدولة القبطية؟

، حين ذكر ‘لكن بعض الأشخاص تحولوا’ ويقصد من تعربوا ومن اعتنقوا الإسلام. لم يذكر حجم ذلك البعض، والتاريخ يقول انهم كونوا الأغلبية بعد عقود قليلة! كنت قد تناولت هذا الموضوع من قبل؛ بحثا عن تفسير للتناقض المتعلق بشق عصا الطاعة على التاريخ والإفتئات على الحقيقة، ولَي عنق الوقائع، وتجاهل التحولات النوعية، التي جرت للجماعات البشرية على مر التاريخ. وهو لا يجهل أن الفاشية خرجت من رحم الدعوة لإحياء الرومانية، والنازية من بعث الآرية، والصهيونية خلاصة دمج العرق بالدين؛ في صيغتها العنصرية الاستيطانية الراهنة. لم يقل ان الكلمة التي اشتق منها العرب اسم ‘قبط’ يونانية، والجماعة التي وصفت بها تاريخيا كانت جالية أجنبية استقرت في مصر إبان الحكم اليوناني واستمرت تحت الحكم الروماني بعد هزيمة اليونانيين المقدونيين، وسقوط آخر ملوكهم؛ كليوباترا، التي وصفت بالملكة المصرية، ووضعت في مقام الملكة حتشبسوت. لم يكن في عروق كليوباترا نقطة دم مصري أو عربي واحدة، وحين عشقت أحبت مارك أنطونيو. المحارب الروماني الشهير. وقد اضطر الأب توماس إلى الاعتراف بأن ‘القبط’ تعربوا حين قال: ‘فقد غير هؤلاء هويتهم من كونهم مصريين إلى أن يصبحوا عرباً’. وكانت نقلة نوعية كبرى من وجهة نظرنا؛ أعادت لمصر دورها الفاعل؛ بعد قطيعة مع ذلك الدور دامت حوالي عشرين قرنا. أحدثتها الاحتلالات المتتالية للفرس واليونانيين والرومان. ومع ذلك فإن ذلك التحول النوعي في اتجاه العروبة والإسلام من جانب الغالبية العظمى من المصريين جعل منهم غرباء ومحتلين وفق قناعة الأب توماس. لم يسمع أحد عن غاز أو محتل، لم يزد جنوده، الذين استقروا في مصر بعد خروج باقي قوات الفتح إلى الشمال الإفريقي، لم يزد هؤلاء عن خمسة آلاف عنصر؛ تضاعفوا إلى عشرات الملايين، في وقت كانت الجالية القبطية مليونية منذ ما يقرب من ألفي عام. ولم تنم بذلك المعدل الخارق وغير المتصور. ويبدو أن الأب توماس لم يطلع على الشواهد والأدلة التاريخية المؤكدة للزيادات المتسارعة لأعداد من أسلم وتعرب، ولو اطلع عليها لوجد أنهم جميعا كانوا من المصريين؛ بغض النظر عن أصولهم وأعراقهم وطوائفهم ومعتقداتهم وألوانهم. والتفسير الانعزالي الطائفي للتاريخ كان وراء ذلك الزعم بالتناسل الوهمي الخارق لجنود الفتح العربي على قلتهم. إذن نحن في غير حاجة إلى تفسير من هذا النوع للتاريخ.

يقول الأب توماس: ‘الذين ظلوا مسيحيين فهم الذين أطلق عليهم أقباط’، وإن كان اصطناع التطابق بين القبطية والمسيحية في صالح القبطية كما أوردها في نصه فهو ليس في صالح المسيحية. فالمسيحية كعقيدة كانت دعوة للسلام والمحبة قبل اختطافها من قبل أباطرة الرومان واستغلالهم لها في غير طبيعتها؛ المتناقضة مع حصرها في نطاق جماعة بشرية محدودة أو من سلالة واحدة. وذلك أدى به إلى عدم التعرف على البعدين العروبي والمشرقي التاريخي للمسيحية. كان ظهورها وانطلاقها من فلسطين، وهي أرض عربية، وكان حامل رسالتها السيد المسيح عليه السلام؛ حفيد إبراهيم عليه السلام، ومعروف أن إبراهيم جد العرب. ودمج المسيحية بالقبطية فيه تقليد لأباطرة الرومان قديما والعمل الصهيوني حديثا. لقد جعل هيرتزل من الصهيونية عملة ذات وجهين؛ أحدهما يدعي نقاء العرق اليهودي، والآخر يدمج العرق بالدين. زعم هو واتباعه أن فلسطين أرض بلا شعب، والصهاينة شعب بلا أرض تبريرا لحق تاريخي وديني مزور في أراضي العرب المقدسة. والظاهر أن الأنبا بيشوي سار على نفس خطى الأب توماس. وكان ذلك جليا في حديثه إلى ‘المصري اليوم’ مؤخرا (الأربعاء 15/9/10) وقد جاء مؤكدا لذلك بوضوح. ومع أن الحديث لم يكن خاصا بالهوية أو الدين، وكان عن أزمة الزواج الثاني للمسيحيين والقيود الشديدة عليه، وطلب البعض برفع يد البابا والأساقفة عن الكنيسة، ووضع الأديرة تحت رقابة الدولة، وكان السؤال له كيف يرى هذه الدعوة؟ وبدأ هجومه. ‘ألا يكفي أن الجزية فرضت علينا وقت الفتح العربي؟ تريدون أن تُصَلّوا لنا وتقولوا أبانا الذي.. ولنشكر صانع الخيرات..’. وكان من الواضح أن ذلك لم يكن مقصد الصحافي، الذي وجد نفسه في قفص الاتهام ووضع المعتدى عليه. وحين أوضح له أن المقصود هو ممارسة الكنيسة لواجباتها الدينية؛ زاد الانفعال: ‘هذا شيء عجيب، ومن يطالبون بذلك نسوا أن الأقباط أصل البلد، ونحن نتعامل بمحبة مع ضيوف حلوا علينا ونزلوا في بلدنا واعتبرناهم إخواننا، كمان عايزين يحكموا كنايسنا’ واسترسل قائلا: ‘ونحن كمسيحيين نصل إلى حد الاستشهاد إذا أراد أحد أن يمس رسالتنا المسيحية، وإذا قالوا ان المسلمين سيرعون شعبي بالكنيسة، فسأقول اقتلوني أو ضعوني في السجن حتى تصلوا إلى هذا الهدف’. يبدو أن الصحافي أخطأ العنوان، كانت وجهته لقاء رجل دين يستوضح من خلاله ما غمض من مواقف كنسية تركت ظلالها على المواطنين مسلمين ومسيحيين، فوجد نفسه أمام مسؤول عن بيت ضيافة وموظف في نُزل اسمه مصر كان يوما بحجم الوطن. ذكّره الصحافي بأن أحدا لم يتحدث عن إشراف المسلمين على الكنائس.. الحديث يدور عن الدولة وبعض ما أسماهم بالعلمانيين الأقباط وواصل الأنبا هجومه، لكن هذه المرة على المسيحيين أنفسهم المخالفين والمعارضين لنهج الكهنة. ولم يفته الإعراب عن حبه لحسني وتأييده لولده جمال؛ في مجال نفيه الاستقواء بالخارج، واصفا المتظاهرين من أتباع الكنيسة: ‘إنهم حين يحتجون ويصرخون فهم يصرخون لمبارك، لكن ناشطي المهجر يكتبون على الانترنت دون أن يصرخ أحد أو يتظاهر هنا، وينشرون أخبارا قبل أن أعلمها أنا، نحن نعرف أخبارنا من عندهم، وتصل إلينا عن طريق أهلهم وأقاربهم في مصر’. أردنا بهذا تلمس بعض مسببات الموقف الكنسي، الذي أبعد الكنيسة عن الوطن، وأضعف العلاقة بينها وبين المواطنين، فقد كانوا إخوة متحابين ومتساويين وأندادا. ومشكلتنا مع كلام رجال الكنيسة خصوصا، ورجال الدين عموما، هي في عدم خضوعه لمعايير الصواب والخطأ فيسهل تناوله ومناقشته. ولو كان غير ذلك لكان الحوار مجديا ومفيدا. وأستطيع القول أن ما صرح به الأنبا بيشوي، وقبله أقباط المهجر، والأنبا توماس لا علاقة له بالكتاب المقدس، وليس تطبيقا لأي نص انجيلي. وخطورته أنه يحمل شبهة موقف رسمي اختارته الكنيسة المصرية لنفسها؛ خاصة أنه صادر عن الشخص الثاني فيها. والسؤال هو أين البابا شنودة الثالث من ذلك؟ سؤال معلق سنسعى للرد عليه إن شاء الله.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية