مذكرات التوقيف السورية تهزّ فريق الحريري وتهدد بتأزيم علاقته بدمشقبيروت – ‘القدس العربي’ ـ من سعد الياس: في خطوة قضائية مفاجئة ستترك انعكاساتها السلبية على العلاقة اللبنانية السورية وخصوصا على علاقة رئيس الحكومة سعد الحريري بالقيادة السورية، أصدر قاضي التحقيق في سورية مذكرات توقيف غيابية في حق 33 شخصية سياسية وقضائية وعسكرية واعلامية لبنانية وعربية واجنبية، وقد فرضت هذه الخطوة نفسها على مجلس الوزراء الذي انعقد عصر امس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ومشاركة الرئيس الحريري والوزراء الذين طلب بعضهم رفض هذه المذكرات واتخاذ موقف لبناني من هذا التصرف ضد الدولة اللبنانية.
والمشمولون بمذكرات التوقيف هم: عضو ‘اللقاء الديمقراطي’ النائب مروان حمادة، وزير العدل السابق شارل رزق، النائبان السابقان باسم السبع والياس عطاالله، النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، القاضي الياس عيد، مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، رئيس جهاز فرع المعلومات العقيد وسام الحسن، المستشار الاعلامي لرئيس الحكومة هاني حمود، العقيد حسام التنوخي، المقدم سمير شحادة، السفير جوني عبدو، نائب الرئيس السوري سابقاً عبد الحليم خدام، العميد المتقاعد محمد فرشوخ، عدنان البابا، خالد حمود، الإعلاميون: حسن صبرا، فارس خشان، نهاد الغادري (سوري)، عبد السلام موسى، أيمن شروف، عمر حرقوص، أحمد جارالله (كويتي)، زهرا بدران، المشرف العام على تلفزيون ‘المستقبل’ نديم المنلا، حميد الغريافي، الرئيس الأسبق للجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس ومساعده غيرهارد ليمان، والشهود: ابراهيم ميشال جرجورة، أكرم شكيب مراد، محمد زهير الصديق وعبد الباسط بني عودة.
وقد كثرت التحليلات في بيروت حول أبعاد هذه الخطوة السورية وتوقيتها خصوصاً أنها جاءت غداة لقاء الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد مع نظيره السوري بشار الاسد واجتماع وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم والذي ابلغت اليه رسالة واضحة بأن بلادها ستمنع المس باستقرار لبنان وامنه.
اما السؤال الابرز فهو عن تأثير هذه المذكرات على ‘معادلة السين السين’ وهل ستبقى مظلة التفاهم السعودي السوري قائمة أم أن فترة السماح السورية لسعد الحريري انتهت مع نهاية ايلول (سبتمبر) كما أوضح نائب في حزب الله لـ’القدس العربي’. ورداً على الخطوة السورية التي طالت فريق الرئيس سعد الحريري أكدت مصادر قريبة من رئيس الحكومة ‘ان خطوة مذكرات التوقيف السورية تُعتبر رسالة سياسية موجهة اليه’، وشدّدت على أن الحريري ‘لن يتخلى عن أي شخص من فريق عمله أو من المقربين منه’. وقالت: ‘المذكرات لن تجعل الحريري يغيّر في سلوكه أو تعاطيه في المرحلة المقبلة’. ولفتت الى ‘ان الامر سيطرح على جلسة مجلس الوزراء والموضوع قضائي بحت والقضاء سيهتم به كما اهتم بالاستنابات سابقاً’. وسألت مصادر في قوى 14 آذار التي زار وفد منها النائب المطلوب مروان حمادة ‘كيف يحق للواء جميل السيد اللجوء الى قضاء غير لبناني ولا يحق لسواه اللجوء الى المحكمة الدولية؟ ولماذا تكون الاخيرة مسيّسة ولا يكون القضاء السوري مسيساً؟’. في المقابل، دعت مصادر في المعارضة ‘الى الفصل بين العلاقة السياسية والشأن القضائي الذي سيأخذ مداه في طبيعة الحال’، وذكّرت بتصريح الوزير وليد المعلم ‘ان سورية ضد الاتهام السياسي الذي سيصدر عن المحكمة الدولية’. وفي غضون ذلك، تباينت الآراء حول تطبيق هذه المذكرات فرأى قانونيون ‘ان لبنان ملزم تطبيق هذه المذكرات لأن هناك اتفاقاً قضائياً سورياً – لبنانياً يعود الى العام 1951 وهو ملزم باعتباره معاهدة دولية بين دولتين مستقلتين يلتزم كل طرف منهما بالموجبات التي اخذها على عاتقه، فيما رأى آخرون ‘ان الاجراءات القضائية السورية لن تكون لها اية مفاعيل خارج النقاط الحدودية البرية والبحرية والجوية السورية’. سياسياً، اعتبر السفير السوري علي عبد الكريم علي بعد زيارته النائب وليد جنبلاط ‘ان المذكرات هي جانب قضائي صرف، وبالتالي فان هذا الامر ليس مرتبطاً بالعلاقة الثنائية بين دولة الرئيس الحريري وسورية’، وقال ‘اظن ان الرئيس الحريري يدرك ذلك، والعلاقة مستمرة وايضاً الحوار مستمر. وان شاء الله يصل لبنان الى تفاهم على القضايا الاساسية في ما بين الاخوة والقيادات في هذا البلد العزيز’. وعن المطلوب من رئيس الحكومة سعد الحريري للتواصل مع سورية؟ أجاب السفير ‘هذا لا يجاب عنه في الاعلام الآن، اظن ان دولة الرئيس الحريري يدرك واجبه، وهو يقوم بواجبه في الحوار الداخلي والاتصال، وهو ما يعني سورية التي تتمنى للبنان وفاقاً وحواراً منتجاً وفاعلاً وتهدئة ودرءاً لاي فتنة تسعى اليها اسرائيل والقوى المتربصة بلبنان وسورية طبعاً. ان شاء الله يصل المعنيون في هذا البلد الشقيق العزيز الى النتائج الطيبة التي تحصن البلد وتجعل اسرائيل تستشعر الخيبة في انها لم تستطع تحقيق الفتنة’. من جهته، قال النائب جنبلاط ‘لمسنا حرص سورية على الاستقرار والتهدئة في لبنان وعلى الحوار الداخلي من اجل درء الفتنة والخروج من بعض المآزق الصغيرة’. وعن شمول مذكرات التوقيف احد الاعضاء ‘اللقاء الديموقراطي’ أجاب ‘لا مشكلة لا مشكلة، سبق وذكرنا، والرئيس الحريري ذكر وأكد، انه لا بد من الخروج من قضية الشهود الزور. اخيراً يتولى القضاء قضية الشهود الزور. المذنب، فلينل قصاصه والبريء فليبرأ. الامر الذي حدث جيد جداً’. في غضون ذلك، أدلى النائب مروان حماده بتصريح قبل ظهر امس في مجلس النواب أكد فيه أنه ‘لم يتبلّغ بمذكرات غيابية لأننا لم نتبلغ أصلاً مذكرات الجلب أو ما سمي الاستنابات’. وقال ‘بالنسبة إلي على الصعيد القضائي والقانوني، هذه المذكرات تساوي صفراً، وسنعمل جميعاً لمحاولة الحفاظ على الصفاء الذي كانت قد توصلت اليه العلاقات الرسمية بين سورية ولبنان، وبالتالي لن ندخل في سجالات حول هذه المذكرات، ولا أريد أن أزيد وقوداً على نار سياسية، والحمد لله أنها سياسية حتى الآن، مشتعلة بين الأفرقاء اللبنانيين حول أمور كثيرة تبدأ بالمحكمة ولا تنتهي بغيرها من المواضيع’. وأضاف ‘المؤسسات الدستورية هي المخولة معالجة هذه الأمور، وكان وزير العدل قد بدأ يلامس ما سمي ملف شهود الزور الذي يعرف من يحرّكه، وهو يعرف أن لا علاقة لي بهم ولا بهذه الأسماء من قريب ولا من بعيد. وعلى كل حال، فإن الموقف من المحكمة بالنسبة إلي محسوم منذ عام 2006 عندما كنت في جلسات الحوار مساعداً لأحد أقطاب هذه الجلسات، ونلنا بالإجماع موافقة على المحكمة الدولية’. وتابع: ‘لم يتهم أحد من فريقنا يوما حزب الله بالجرائم، وبالتالي أستغرب هذه الحملات الاستباقية على قرار ظني لا نعرف حرفاً منه، وكل ما بني بني على بعض مقالات في الصحف. يجب أن نتساءل ما كانت الغاية من هذه المقالات، أكانت اتهام فريق لتبرئة آخر أم غير ذلك، في ما هو تضليل للتحقيق الدولي’. وتمنى حمادة ‘أن تكون اسرائيل وراء الاغتيالات، فإذا كانت فعلاً إسرائيل فنحن نعتز بذلك، ونتمنى أن تكون هي، وأعرف ان آل الحريري وكل واحد منا يتمنى أن يثبت ان اسرائيل هي التي اغتالت، ولكن لا نريد أن نأسف لاحقاً، وأن يتبيّن ان زميلاً أو شقيقاً أو أي شخص من بيننا قد شارك في الاغتيال’. من ناحيته، أوضح اللواء أشرف ريفي ‘أن الانتربول لن يأخذ بهذه المذكرات ولن يقبل بتعميمها، استناداً إلى طابعها السياسي’. وتحدث نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري عن رأيه بمذكرات التوقيف فقال ‘هناك لائحتا شرف كنت اتمنى انا ان اكون في عداد الموجودين فيهما، لائحة الشرف للنواب الذين لم يوافقوا على التمديد للرئيس اميل لحود، ولائحة الشرف التي صدرت امس بالقرارات القضائية السورية. وعلى كل حال، بمعرفتي بآل الحريري وبدولة الرئيس سعد الحريري وبدولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ان هذه الاسماء اللبنانية الموجودة على هذه اللائحة سيعزز موقعهم في دارة آل الحريري وبعلاقاتهم مع الرئيس الحريري’. الى ذلك نفت مصر امس الاثنين تقارير عن قيام القاهرة بتدريب اعضاء في مليشيات لبنانية قريبة من تيار المستقبل الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي سعد الحريري.
وكانت تقارير صحافية قد نقلت ان مصر والاردن قاما بتدريب مليشيات سنية قريبة من تيار المستقبل.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي ان ‘هذا الأمر لا أساس له من الصحة، والهدف منه بالنسبة لنا معروف وهو محاولة إبعاد مصر عن دورها الذي يسعى للاستقرار في لبنان، وهذا أمر لن يتحقق لأن مصر متمسكة بأن تلعب دورا داعما للدولة اللبنانية والمؤسسات اللبنانية’. واضاف زكي في تصريح للصحافيين ‘نحن اعتدنا على وجود البعض الذي لا يهمه على الإطلاق استقرار الوضع في لبنان ويهمه أيضا إبعاد مصر عن لبنان، ونحن نعرف من يقف وراء هذه الأصوات ونعرف من يحركها، ولكن لا نتعامل معها حتى مع المستوى الإعلامي، لأننا نثق بأن الجميع يعلم الأسلوب الذي تدير به مصر سياستها الخارجية، وتحديدا في الملف اللبناني وأسلوبنا في التعامل مع لبنان’. وكان مدير الامن اللبناني الأسبق جميل السيد قد اتهم الشهر الماضي مصر بمحاولة زعزعة الاستقرار في لبنان عن طريق اشاعة القلاقل الطائفية بين سنة البلاد وشيعتها.
كما اعلن زكي ان مصر والسعودية ‘تدعمان’ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، واعتبرتا ان محاولات تعطيلها ‘لن تحقق هدفها’. وقال زكي الذي وافق وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط في زيارته الى جدة الاثنين، ان الاخير استعرض مع نظيره السعودي الامير سعود الفيصل ‘عددا من الموضوعات وعلى رأسها الوضع فى لبنان وتطورات الأوضاع فى العراق وجهود تحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل إضافة إلى الملف النووي الإيراني وتطوراته’. وسئل زكي عما اتفق عليه وزيرا خارجية مصر والسعودية تجاه الوضع فى لبنان، فقال ‘إن الوضع فى لبنان دقيق في ضوء التوترات الحالية وكان الرأي السائد فى اللقاء هو ضرورة إلتزام كل الأطراف باستقرار لبنان ودعم حكومته إضافة إلى دعم عمل المحكمة الدولية الخاصة’. وتابع المتحدث باسم الخارجية المصرية ان ‘كلا من مصر والسعودية لهما موقف واضح والمحاولات المبذولة لتعطيل عمل المحكمة هي محاولات لن تحقق الهدف منها’.