مصر: فلول الحكم وهي تمارس أحط صور الإرهاب والترويع

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

الشيء الثابت نسبيا أن الثورة المصرية حققت الانتصار على النفس وعلى روح اليأس التي عمت الأوساط كافة، فاسودت الحياة في وجه الغالبية العظمى من المواطنين؛ والثابت أيضا أن هذه الثورة ليست تقليدية، وهي تُدخل منطقة من أهم مناطق العالم إلى عصر جديد؛ تحركه أجيال شابة تمردت على كل الأنماط التقليدية، فجاءت ثورتها عابرة للأيديولوجيات والأحزاب والخلافات الدينية، وفتحت آفاق المشاركة واسعة أمام كل ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي والثقافي، بالمعنى الوطني الجامع. لذا لا نملك إلا الوقوف إجلالا وتقديرا لها ونقدر ذلك الإصرار العنيد، والتصميم البالغ والتضحيات الكبرى، ودفع الثمن الذي يحتاجه التحرر من الطغيان والقهر والإذلال، وقطع شوطا كبيرا للتخلص من أحط أنواع الحكم. وكان لا يقل سوءا وتوحشا وفسادا عن حكم الخمير الحمر في كمبوديا، وحكمهم كان مضرب الأمثال في ممارسة أبشع وسائل القتل والإبادة والترويع. وما كان يحدث للمصريين لم يكن أقل مما جرى في كمبوديا؛ من تحطيم للدولة، وتفكيك للمجتمع، وتقتيل للشعب؛ وحكم حسني مبارك قام بنفس الدور مستخدما وسائل الدمار الشامل ضد شعبه؛ والخمير الحمر مارسوا يشاعاتهم بالوسائل المباشرة، أما حسني مبارك قام بنفس الدور واستخدم المراوغة غطاء له. واقترف كل أنواع الجرائم والتجاوزات؛ بالتصفية والتخريب والقمع والإذلال، وبالتآمر والكتمان والعمل بنهج وسبل الجماعات السرية والجماعات الخارجة على القانون. وتحت الحصانة والحماية السياسية تم استيراد الأغذية الملوثة فاقدة الصلاحية، والمبيدات المسرطنة، ونشر الأوبئة الفتاكة ووطنها في أجساد وشرايين المصريين، وهو الذي قنن ووضع قواعد إذلال المواطنين؛ بقوانين الطوارئ والجوع والإهمال والحرمان من حق العمل والتعليم والعلاج والرعاية الصحية والاجتماعية، وهو الذي جعل من التعذيب عملا ممنهجا ودائما طال كل المصريين دون استثناء، وأعداد من ماتوا تحت التعذيب لا تحصى، وحكم مبارك نشر الفوضى، ووصل الإهمال والتسيب إلى أعلى المعدلات، وجعل من مصر الدولة الأولى في عدد ضحايا الطرق وحوادث الغرق والموت دهسا تحت عجلات القطارات وعلى الطرق السريعة، والحرق داخل القطارات والمسارح؛ وحُوصر المصريون بكل أنواع الموت من كل جانب؛ مرضا أو حرقا أو غرقا أو تعذيبا أو صدفة، فضلا عن معتقلات مفتوحة لا تشبع.. تتسع ولا تنكمش، وتستنزف موارد المجتمع. وكانت السرقات وعمليات النهب من أهم مجالات عمل الوزراء وكبار المسؤولين، فضلا عن العمل لحساب المشروع الصهيوني، وأخطرها التنازل عن سيادة مصر على أرضها، والتفريط في مواردها الاستراتيجية ومنحها بالمجان للدولة الصهيونية، وكانت صفقة الغاز مثلا فاضحا على ذلك. ولم تتوفر في الحكم فضيلة واحدة تحسب له. وفي ظله تولى قطاع طرق ورجال عصابات وقتلة وإرهابيون من كل نوع المسؤوليات السياسية والتنفيذية الكبرى. حكم تجاوز كل الحدود، كل همه الانتقام من مواطنين عزل، خاصة الضعفاء وقليلي الحيلة والفقراء ومتوسطي الحال؛ لم يرحم أحدا، لم يترك كهلا أو شابا، ولا رجلا أو إمرأة، ودفع كثير منهم أثمانا باهظة لجرائم لم يقترفوها، وذلك إفراز لحكم؛ صاغه الجهل، وتحكمت فيه الحماقة، واستولى عليه العناد، وحركه الاستعلاء، ومثل هذه التوليفة لا بد أن تنتهي إلى جنون نيروني (نسبة إلى نيرون حارق روما)؛ يحرق كل شيء، والملفت للنظر أن حسني مبارك يدفع الأمور دفعا نحو ما يمكن تسميته الخيار الروماني (نسبة إلى رومانيا شاوشيسكو). وعلينا أن نتذكر أن مطالب الثوار الأولى بدأت عادية، وفي قدرة أي حكم يملك ذرة من عقل على تنفيذها، وكانت حول عزل وزير الداخلية حبيب العادلي وإلغاء قانون الطوارئ وإلغاء الانتخابات المزورة، وتعديل مواد الدستور المقيدة لحق الترشيح للرئاسة والأخرى التي ألغت مدة شغل مقعد الرئيس. ورفض تلك المطالب حوّل الاحتجاجات إلى ثورة. وباندلاع الثورات يعلو سقف المطالب إلى حده الأعلى، وعندها تصل علاقة الحكم بالشعب إلى طريق مسدود وإلى مرحلة اللاعودة ولا يبقى إلا الرحيل حلا. وأضحى ذلك هو مفتاح الحل المقبول من قبل الشعب الثائر ولا شيء سواه، وبعده يصبح التفاوض ممكنا على باقي القضايا، وإذا كان حسني مبارك لم يستوعب رسالة الثورة كعادته وقدراته المحدودة، فإن الأحزاب التقليدية لم تستوعب هذه الرسالة هي الأخرى، وبادرت بطلب التفاوض مع هذا المسؤول أو ذاك؛ طمعا في مغنم، أو إرضاء لطرف إقليمي أو دولي. وكان الأولى بها أن تسلم زمامها للثوار وتضع نفسها رهن إشارة الثورة ومساعدتها في الوصول إلى غايتها. واجه حسني مبارك سقف المطالب العالي باللعب على عامل الوقت والإنهاك المستمر والاستنزاف لشق صفوف الثوار، ولم يكتف بذلك إنما أدخل المجتمع في دوامة من الإرهاب الدموي غير مسبوقة؛ حين واجه التظاهر السلمي المتحضر بالدفع بجيوش جرارة من البلطجية وأرباب السوابق وأصحاب المواخير والقوادين وجلادي الشرطة ورجال الأمن الجنائي والسياسي، ومليشيات رجال أعمال بأموالهم الطائلة، التي تدفقت بكثافة تشتري ولاء ضعاف النفوس وعصابات الإجرام والبلطجة. ووصل الإرهاب الحكومي إلى ذروته يوم الأربعاء الماضي؛ بعملية غزو مباغت لميدان التحرير استخدمت فيه كل أنواع الأسلحة البيضاء وغير البيضاء. اعتمادا على بلطجية الخدمات السياحية بمنطقة الهرم ونزلة السمان والمناطق المحيطة بأهرامات الجيزة؛ اخترقوا بهم صفوف المتظاهرين بالأحصنة والإبل والدراجات النارية، وذلك مقابل استرجاع رخص العمل التي سحبت منهم، ومن الواضح أنها صفقة من صفقات فلول الحزب الحاكم مع هؤلاء المجرمين؛ يعاونهم فلول من الأمن بالجيزة، ومن الصعب أن يكون وزير الداخلية الجديد محمود وجدي غائبا عن هذه الصفقة، ولأن وزارة الداخلية من الوزارات السيادية، بمعنى أنها تتبع حسني مبارك مباشرة، وأنه استمر ممسكا بخيوط الأمن حتى يوم الأربعاء الماضي على الأقل. وهناك معلومات تشير إلى أن غزو ميدان التحرير تم دون علم أحمد شفيق رئيس الوزراء الجديد، وقد فسر البعض ذلك بانقسام وارتباك على مستوى القرار السياسي، حيث ينفرد حسني مبارك بخط الأمن مع عمر سليمان ووزير الداخلية. وهذه حيثيات دخول نفق رومانيا شاوشيسكو، والتي انتهت بالقبض عليه ومحاكمته وإعدامه، وهو شيء لا يتمناه أحد ولا يسعى إليه!

وتاريخ التغيير السياسي في مصر يغلب عليه الطابع السلمي، فقد خرج الملك فاروق بعد تنازله عن العرش لطفله الرضيع في ذلك الوقت أحمد فؤاد بشكل سلمي، وتم توديعه بشكل لائق، وأطلقت له المدفعية العسكرية 21 طلقة، ورافقته البوارج الحربية حتى خروجه من المياه الإقليمية. وكان المخرج الآمن ممكنا مع حسني مبارك لولا العناد والحماقة والجهل ووصول الأوضاع إلى طريق مسدود، ودفع البلاد إلى دوامة إرهاب وعنف ليست في مصلحة أحد. ولا أعلم إذا ما كانت هذه السطور ستخرج إلى النور وهو ما زال متشبثا بكرسيه أم لا، وإذا ما كان باقيا عليه أن يعقل ويفتح طريق التغيير حقنا لمزيد من الدماء. وهذا غير متوقع؛ فخطاب حسني مبارك مساء الثلاثاء الماضي جاء مؤكدا ذلك. ولم يكن إلا ترجمة شبه حرفية باللغة العربية لكلام السيناتور الديمقراطي الأمريكي جون كيري، وبعد يوم من اجتماعه بالمبعوث الأمريكي الخاص إلى القاهرة فرانك ويزنر، وتضمن عدم ترشيح نفسه للرئاسة مرة أخرى في أيلول/سبتمبر القادم، والعمل في المدة الباقية من رئاسته من أجل انتقال السلطة إلى إدارة جديدة، معطيا نفسه حق ترتيب الأوضاع القادمة وفرض وصايته عليها. إذن كان الخطاب استجابة للإدارة الأمريكية ولم يكن تلبية لمطالب الشعب. ورغبات السادة مجابة ولا ترد، أما مطالب المواطنين لم يلبها يوما على مدى الثلاثين عاما، وكان هذا أحد أهم عوامل انفجار الثورة.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية