د. مصطفي عبد العال
من اقسي ما يمكن ان يصادف اي مهموم او محلل للشأن العام في مصر، الشعور بان الكثير من الاحاديث او التحليلات المتعلقة بالشأن المصري لا تتعدي ان تكون مجرد نوع من الفضفضة التي لا تؤدي الي شيء اكثر من محاولات اثبات موقف او ابراء ذمة، اما ان يؤدي ذلك الي فهم عام او بلورة تصور جماعي يساهم في احداث تغيير، فذلك ليس الامجرد اوهام، ولعل هذا ما يجعل من حالة هامش حرية التعبير التي تعيشها مصر مجرد مساحه يتبختر فيها حملة السيوف الكلاميه سواء كانوا ناقمين علي ما يحدث للوطن او كانوا مستفيدين ومطبلين للنظام الحاكم دون ان يؤدي كل هذا التبختر والارتجاج الي احداث نقلة حقيقية لتغيير او تطوير ما تعانيه مصر من تردي.
واذا ما حاولنا تفادي السقوط في اي من الحالتين فان ذلك يستلزم درجة من الجهد والامانة لنتمكن من البحث عن مخرج.
وايا كان المخرج الذي يمكن تصوره فان بداية البحث عنه تحتاج الي النظر الفعلي للواقع المعاش ولامكانيات التأثير فيه.
وبدون اي تجن علي الواقع السياسي المصري او علي اللاعبين السياسيين في مصر فان اهم ما يستلفت النظر هو حالة التراجع الخطير في استخدام العقل فمصر كانت ولفترات غير قصيرة من تاريخها ساحة للنشاط العقلي سواء كان هذا النشاط انعكاسا للحظات تحد تاريخي كتلك التي حدثت بعد مجيء بونابرت وحملته علي مصر او كانت اعمالا للعقل فيما يخص السعي لنيل الاستقلال الوطني، هذان النموذجان سمحا للعديد من المصريين بطرح تصورات وبرامج يسعي كل بطريقته لاخراج مصر مما تعانيه من تخلف وبغض النظر عن نجاح او فشل تلك التصورات والبرامج الا ان الاكيد انها نشطت مبدأ اعمال العقل والتفكير فيما يعانيه الوطن والمواطنون.
فاذا ما نظرنا للوضع الحالي في مصر المحروسة لرأينا حجم التراجع والتدني في القدرة علي اعمال العقل تفاعلا مع ما يحدث من مشاكل بل وانهيارات، وما نعنيه هنا بالتفاعل ليس فقط البحث عن حلول بل ايضا القدرة علي اعمال العقل عند تبرير الفشل والاخفاق اذ ان هذا ايضا يحتاج الي قدرات عقلية يوضح حجمها وفاعليتها مدي ما تمتلكه النخب الحاكمة من قدرات علي تمرير فشلها والسعي للتقليل من مخاطره، ونظرة سريعة علي هذه القدرات يوضح حجم التردي فبعد حدوث ازمة مياه الشرب في ربوع مصر المحروسة وخروج الناس للطريق العام من اجل الاحتجاج وهو فعل غريب علي المزاج المصري المهادن قليل الاحتجاج، هذا الاحتجاج قوبل بتصريحات من المسؤولين شبيهة بتلك التي قالها احمد المغربي وزيرالاسكان امام مجلس الشعب عندما قال (لاتوجد دولة في العالم تضمن وصول المياه النقية الي كل سكانها بنسبة مائة في المائة) هذه القدرة المتدنية في تبرير الفشل ليست مجرد حالة منفصلة سببها قدرات وزير بعينه اصابه الصمم فلم يسمع عن شح المياه وتلوثها لايام وشهور بل وفي بعض الحالات لسنوات في مدن لا تبعد عن العاصمة باكثر من بضعة كيلومترات، بل ان التدني والتردي اصبحا مناخا عاما ناتجا عن تراجع القدرة علي اعمال العقل فيصبح تبرير التقاعس عن مواجهة الفساد المستشري مرتكز علي مقولة ان الفساد موجود في العالم كله كما لو ان القضية هي بحث فلسفي حول فكرة هل الانسان كائن كامل شديد النقاء ام هو انسان له ما له وعليه ما عليه، هذه التبريرات تسعي ببلادة شديدة لاسقاط اي حديث عن اهمية وجود قوانين ورقابة علي المسؤولين والمحيطين بمراكز القرار والذين يشكلون فيما بينهم جماعات نهب منظم، هذا التدني في اعمال العقل حتي من اجل تبرير الفشل وتمريره يؤدي الي حالة من استسهال الكلام العبيط الذي لا يمكن ان يقال لبشر لا يعانون من التخلف العقلي المتأخر كتلك المقولة التي اعلنها احد رؤساء التحرير لاحدي الصحف الحكومية والذي قيل الكثير عن مشاركته في النهب المنظم، هذا الرجل تمايل وتغنج وهو يشيد بالرئيس فقال حرفيا (ان اهتمام الرئيس بمحدودي الدخل يرجع لكونه هو شخصيا) الرئيس (محدود الدخل) هل اتضح حجم الجهد المبذول في الدفاع عن السياسات الفاشله وتبريرها؟
علي الجانب الاخر وبنفس المنطق يمكننا ان نري حالة المثابرة علي استبعاد اي محاولات لمصريين مخلصين يسعون للبحث عن مخرج فيتم سجن ايمن نور اول مصري يحصل علي نصف مليون صوت في انتخابات تنافسيه يواجهها الرئيس القابض علي السلطة من اكثر من ربع قرن، بينما لايتم التحقيق امام اي هيئة قضائيه مع صاحب عبارات تسبب في مقتل اكثر من الف مواطن، نفس الشيء يمكن رؤيته في محاولات افراغ جهود الدكتور زويل لطرح مشروع تنموي يتم تسفيهه عبر مقولات رئيس الوزراء التي يتبجح فيها قائلا ان خطة حكومته التنموية والعلمية تتخطي بمراحل ما يعرضه احمد زويل في مشروعه المستمد من التجربة الماليزية.
هذا الوضع الشديد الخطورة يجعل من فكرة البحث عن مخرج لما تعانيه مصر عبر مشاريع سياسية او تصورات ايديولوجية محض خيال اذ ان ما تعيشه مصر يحتاج اولا لتعبئة سريعة وحقيقية لكل اصحاب العقول والقادرين علي الفهم ايا كانت تصوراتهم السياسية والايديولوجية من اجل استعادة القدرة علي اعمال العقل وايقاف التردي المتسارع الذي يدفع بنا جميعا الي حالة من النهيق لن تجدي معها كل ايديولوجيات الدنيا لاخراج ام الدنيا من مأزقها.