يجب ان تكون الهجمات الارهابية المتوالية التي تعرضت لها مصر خلال الاسبوع الماضي، سببا مباشرا في طرح اسئلة صعبة لكن مشروعة، على كافة الاطراف، في ظل قراءة موضوعية تستحضر التاريخ وتستند الى حقائق القوة على الارض، وليس اوهام الهوى، لا تصدر احكاما حادة وربما متسرعة، سواء في هذا الاتجاه او ذاك، الا اذا كان الترويج لمواقف معينة اصبح هدفا في حد ذاته لدى البعض، دونما ادنى اهتمام بالمصداقية او المهنية.
وربما توجز النقاط التالية محاولة لقراءة ابرز المعالم الرئيسية في مشهد ملتبس لم تعد تصلحه حلول تقليدية، ويحتاج الى قيادة وطنية مفتقدة، وخيال سياسي.
اولا ـ لقد اصبحت مصر في مرمى ارهاب تكفيري له ابعاد اقليمية وربما دولية، وهو واقع مرجح ان يستمر بعض الوقت لاسباب عديدة، وبالتأكيد سيكون له اثره السلبي على الحالة الاقتصادية والمعيشية. الا ان قراءة متأنية للتاريخ القريب تظهر ان مصر تعرضت لحملة ارهابية طوال عقدين، بلغت ذروتها خلال التسعينيات من القرن الماضي، وشملت اغتيال رئيس الدولة نفسه في العام 1981، الا انها فشلت في تحقيق اي مكاسب سياسية، بل انها كانت سببا في اندثار الجماعات التي وقفت وراءها، قبل ان تصدر تلك الجماعات مراجعاتها وتتحول الى اداة في ايدي نظام مبارك ضد معارضيه، بل ان ارهاب التسعينيات، وهو يفوق كثيرا ما يحدث في مصر اليوم، كان من اسباب بقاء نظام مبارك وتأجيل الثورة ضده، حيث ان الشعب المصري صاحب اقدم دولة مركزية في التاريخ، انحاز فطريا ضد الفوضى مفضلا بقاء نظام الدولة مع كل مساوئه الى حين.
وهكذا يتضح ان بعض من يدعمون الموجة الارهابية الجديدة، سواء بالمال او السلاح او بالغطاء السياسي او الاعلامي، او حتى بالصمت معتقدين ان الارهاب في مصر يمكن ان يسقط نظاما او يعيد الزمن الى الوراء، او يحدث اي تغيير سياسي في مصلحتهم، يحتاجون الى مراجعة انفسهم قبل فوات الاوان.
ثانيا- تتصاعد حالة من الغضب الشعبي ضد الحكومة المؤقتة بسبب شعور عام آخذ في التكرس بانها شديدة التقصير في التعامل مع هموم المواطن، وعلى رأسها الامن والاقتصاد. ولعل الاجتماع الاخير للحكومة اظهر انها بدأت تقلق على مصيرها، اذ اتخذت فيه قرارات تتعلق بالمظاهرات ودخول الشرطة للجامعات بهدف تهدئة ذلك الغضب، الا ان كثيرين اعتبروا ان القرارات جاءت قليلة ومتأخرة.
ومن حق المواطن ان يسأل الحكومة بكافة رموزها ماذا فعلت بقانون الطوارئ الذي اعلنته لثلاثة شهور، ولم تطبق منه الا حظر التجوال، سوى انها اساءت الى سمعة النظام نفسه. ومن حق المواطن ان يسأل الفريق اول عبد الفتاح السيسي شخصيا ماذا فعل بالتفويض الشعبي الذي حصل عليه في السادس والعشرين من تموز (يوليو) الماضي لمواجهة الارهاب؟ ومن حقه ان يعرف بشفافية المعلومات الموثقة بشأن هذه المواجهة بدلا من ترك المجال مفتوحا امام طوفان من الشائعات والتكهنات والاتهامات الجزافية والفبركات الاعلامية في قضية حيوية كهذه، تمس حياة الناس مباشرة.
ثالثا- من يقوم بالعمليات الارهابية؟ ومن يجب ان يدفع فاتورة الارهاب؟ وهل من الحكمة الصاق التهمة بالتيار الاسلامي بشكل عام في دعوة صريحة للانتقام؟ أم يجب قصر الاتهام على من تدينه الادلة الجنائية في محاكمة عادلة؟ وهل هناك تحالف واقعي حقا بين جماعة الاخوان والقاعدة وحماس وراء الاحداث الاخيرة، كما تزعم بعض التحليلات؟
الواقع ان جماعة رئيسية تدعى ‘انصار بيت المقدس’ عرضت بالفيديو دليل قيامها ببعض هذه العمليات. وهي جماعة ليس لها من اسمها شيء، فهي لم تطلق رصاصة واحدة ضد من يحتلون بيت المقدس، بل ان نتائج عملياتها تجعلها عند كثيرين (اعداء بيت المقدس بل والقضية الفلسطينية). واللافت ان عملياتها في سيناء تنحصر في شريط حدودي ضيق مجاور لقطاع غزة، ما يوفر ذخيرة للبعض لاتهام حماس، خاصة في ظل مزاعم اعلامية حول اعتقال عناصر فلسطينية متهمة بالتورط في تلك العمليات، والعلاقة العضوية بين الاخوان وحماس.
والسؤال البديهي والمشروع لماذ لا تقدم تلك العناصر الى محاكمة علنية عادلة لتتضح الحقيقة بدلا من هذه الاجواء الملبدة بطبول الحرب ولا يستفيد منها اي من الجانبين؟ والواقع ايضا يشير الى ان هذه الجماعة عمدت الى اغتيال ضابطين شاركا في اعتقال احد كبار قيادات الاخوان، ما يغري بالربط بين الاحداث، الا ان هذا يحتاج الى ادلة دامغة في اطار قانوني، وليس اعلاميا او سياسيا.
رابعا- اقليميا ودوليا يمنح تصاعد الهجمات الارهابية النظام شرعية مستقلة بغض النظر عن موقفه من الصراع السياسي، حيث ان هزيمة الارهاب في مصر ستكون مفتاحا لاندحاره اقليميا، والعكس صحيح، ما سيجعله مستحقا لمزيد من المساعدات من اطراف عربية ودولية عديدة.
ويبدو ان النظام عازم على استثمار هذه الورقة خارجيا، خاصة بعد التطورات الدراماتيكية الاخيرة في علاقاته مع موسكو وواشنطن، ولانهم يدركون ان القاهرة لا تسعى الى التزود بانظمة دفاع جوي او طائرات ميغ 29 الروسية لقمع المظاهرات التي تراجعت بشكل كبير في الاونة الاخيرة على اي حال، بل تعبيرا عن تحول استراتيجي واضح شرقا (بالطبع من دون خسارة الولايات المتحدة)، فقد صرح وزير الخارجية الامريكي جون كيري اخيرا في ما يشبه الاعتذار بان (الاخوان سطوا على الثورة، وان الجيش اعاد الديمقراطية في مصر).
خامسا – ان التطورات الاخيرة ستؤدي الى نتائج قد تبدو للوهلة الاولى متناقضة بالنسبة للنظام، فهي تزيد الغضب والضغوط عليه ليتخلص من حكومة ينظر اليها على انها من بقايا الدكتور محمد البرادعي، لكنها في الحقيقة تجعل كثيرين يفضلون ان يكون الرئيس المقبل ذا خلفية عسكرية، وهذا يمكن ان يصب في مصلحة الفريق السيسي، الذي كان مفترضا ان تضعفه او تطيحه تلك العمليات الارهابية، حسب ظنون من يقومون بها.
ولا يعني هذا ان المعارضة لوزير الدفاع لن تتصاعد في الوقت نفسه من صفوف مؤيدي الثورة انفسهم، دفاعا عن مدنية الدولة، الا ان الامور نسبية وربما يرى كثيرون ان الاوضاع وصلت الى درجة يتحتم معها الحفاظ على الدولة قبل الدفاع عن مدنيتها.
وبكلام اخر فان الاستقرار، وليس التدهور الامني، هو الارضية الوحيدة التي يمكن على اساسها بناء حالة من الصراع السياسي السلمي الذي يمكن ان يسمح لكافة التيارات بان تأخذ فرصتها ونصيبها من الوجود والمشاركة، بما في ذلك السلام السياسي غير المتورط في الارهاب. اما اجواء العنف فستكون طاردة لهذا التيار بشكل خاص من منطلق ان (السيئة تعم).
واخيرا فان المصريين لم يتركوا عبر تاريخهم السحيق كارثة الا وعرفوا كيف يتعايشون معها، وهم قادرون على التعايش مع هو اسوأ كثيرا من الوضع الحالي رغم تعقيداته، بل ومأساويته، الا ان السؤال هو لمصلحة من هذه الدماء التي تسال؟ ولماذا يصر البعض على تجاهل الواقع وتحدي دروس التاريخ؟
‘ كاتب مصري