أحمد عبد الرازق وكأن قبائل النخب المصرية المتحالفة مع الفلول تعبر عن صدمة عميقة ماتزال تلازمها في طريقة الخطاب وهي تخرج من عهد حاكم فرد متسلط كانت تضعه في مرتبة إله أو نصف إله إلى عهد رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويخاطب الجميع بالحسنى يعرض عليهم حلولا ويطالبهم بأن يشاركوه هذه الحلول وأن يرتفعوا لمستوى المسؤولية وأن يرضوا كما يرضى العالم المتحضر بما تفرزه الديمقراطية. هؤلاء الذين يقودون حملات التشويه عبر كافة وسائل الإعلام الكترونية وغير ألكترونية في حق رئيس مصرالمنتخب الجديد لم يكن أحدهم ليفكر حتى في أكثر أحلامه جرأة على أن ينادي المخلوع باسمه المجرد ولعل كثيرا من المصريين يتذكــــرون كيف كان هؤلاء المنافقون وحين يتناولون مصائب مصر ومشاكلها إبان العهد البائد يأتون بالنقد الشديد على كل من يعمل تحت إمرة مبارك محملين إياهم المسؤولية عما وصلت إليه البلاد من تردي لكنهم كانوا وحينما يصل الأمر إلى المخلوع نفسه يرددون العبارة الشهيرة التي تنضح نفاقا وازدواجية .. ‘لكننا ندرك أن سيادة الرئيس لا يرضى بذلك’ وذلك رغم أدراكهم العميق بأن الرجل كان السبب الرئيس وراء مصائب مصر كلها وأن من حوله كانوا مجرد أدوات . لم تكن هذه العبارة الشهيرة لتحرج الرئيس الذي ربما وصل ساعتها إلى مرحلة ‘تطنيش’ كامل لكل مايكتبه مثقفو مصر سواء كانوا من جوقته أو من معارضيه لكنها بالتأكيد كانت تزيده صلفا على صلف وتعزز موقعه كدكتاتور فوق الجميع فقد عرف الرجل كثيرا على أنه يكره المثقفين الواعين بقضايا مصر كراهية شديدة .. والآن وبعد أن صار لمصر رئيس مدني يحاور ولايأمر ويظهر انفتاحا على الجميع يبدو التحول في خطاب هؤلاء غير مفهوم حتى لأكثر المحللين موضوعية .. ترى هل هي مشكلة التحول الذي فاجأ الجميع بعد خروج مصر من عهد الدكتاتور الفرد بأجهزته القمعية؟ أم أنها مشكلة عميقة متجذرة في نفسية وعقلية المثقف المصري الذي إعتاد على أن يدور في فلك سلطة يمجدها ويخشاها في نفس الوقت أوهو يخشاها فيمجدها بترتيب أكثر منطقية؟ أم أن الحالة الجديدة في مصر ساهمت في رفع الغطاء عن مجموعات المثقفين المرتزقة الذين كانوا لسنوات طويلة رديفا لنظام دكتاتوري وكشفت حقيقتهم كمجموعات هي أقرب إلى مصالحها الخاصة من مصالح الوطن الذي ظلت تتشدق بها لسنوات طويلة؟ ليس هناك من شك في أن صورة مصر الآن ليست كما كانت أيام مبارك ففي مصر الآن حالة حراك مختلفة لا ينكرها أحد وبعيدا عن الانتماءات السياسية فإن الحالة الجديدة هي أقرب للديمقراطية منها إلى الحالة في عهد مبارك وبصرف النظر عن إنتماء الرئيس الجديد فإنه من المفترض أن يكون مثقفو مصر ونخبها منحازين للديمقراطية وليس العكس، غير أن المشهد الحالي ينم عن غير ذلك إذ يبدو هؤلاء المثقفون والإعلاميون وجلهم من التيار الليبرالي المتحالف مع الفلول وقد فاجأتهم حالة التحول فباتوا غير قادرين على التعامل مع وضع هو أقرب للديمقراطية التي يفترض أنهم أكثر من يؤمن بها .. فبينما يحتاج الوضع الديمقراطي إلى مقاربات مناسبة من قبل المعارضين للحكم كأن يطرحوا مثلا برامج واضحة من أجل مصر أو أن تعكس لغة خطابهم حرصا على المصلحة الوطنية وليس على المصلحة الخاصة يبدو الحاصل غير ذلك تماما ذلك أن هذه النخب تبدو مهمومة بتشويه الآخر أكثر من كونها مهمومة بإيجاد البديل الذي يلامس مصالح الناس وهمومهم، والمتابع لحالة هذه المجموعات وحملاتها لايمكنه أن يخطئ تكريسها الواضح لاسلوب السباب والتشويه وتصيد الأخطاء للآخر وهي لاتدري أنها وفي غمرة هذه المعارك التي ليس لها من هدف معلن سوى إسقاط النظام تفقد تأييد واحترام الغالبية من أبناء الشعب المصري التي باتت تدرك يوما بعد يوم مدى اتساع الهوة بينها وبين هذه المجموعات كما بدأ يترسخ لديها اعتقاد قوي بأنها فصائل تعمل لمصالح خاصة وليس من أجل مصلحة وطنية، وفي تصوري أن مجموعات كبيرة من هذه النخب باغتتها عملية التحول من حكم الدكتاتور إلى حكم الرئيس المدني الذي يتقبل النقد ويؤمن بالحوار فإذ بها تبدو غير مدركة لطريقة التعامل مع مرحلة جديدة تحتاج إلى استخدام لغة جديدة وإظهار حرص على إحترام رئيس وصل لمنصبه عبر صناديق الإقتراع على اعتبار ان احترامه هو من احترام ارادة الشعب والوطن بكامله كما يحدث في كل ديمقراطيات العالم. في جانب آخر لايمكن لأحد أن ينكر أن جانبا كبيرا مما يعج به المشهد المصري حاليا من معارك التشويه والشتائم للنظام الجديد التي تقودها بعض النخب بمنابرها الإعلامية تعكس فكرة إنتفاء شعور الرهبة والخوف من الرئيس الدكتاتور والذي تجذر في عقلية العديد من المثقفين والإعلاميين المصرييين وهنا لايمكن إنكار حقيقة أن هناك بعضا من المثقفين اتسموا بالشجاعة أيام مبارك ودفعوا ثمن أرائهم الواضحة لكن بعيدا عن هؤلاء الذين يمثلون قلة فإن قطاعا كبيرا من المثقفين في مصر إعتاد على أن يدور لسنوات طويلة في فلك السلطة وأن يكون أداة من أدواتها بينما كان آخرون من نخب المعارضة الشكلية والوهمية ينتقدون كل مسؤول في عهد مبارك لكنهم كانوا يتوقفون عند السيد الرئيس رهبة وخوفا حتى روج البعض لنظرية المؤامرة التي كانت تقول إن بعضا من النخب المعارضة هم جزء من النظام وأنهم يمارسون مهمتهم بتكليف من أجهزة أمنية في مايشبه المسرحية.ويبقى القول أنه وضمن تحليل موقف النخب المصرية الليبرالية الفلولية والذي يبدو مدعاة للإلتباس فإنه يجب الإشارة إلى حقيقة أن مجموعات كبيرة من هذه النخب ظلت طوال فترة مبارك صاحبة إمتيازات كبيرة ساعدها النظام على تنميتها لسنوات وقد عاودت بعد الثورة وبعد وصول نظام منتخب للحكم في مصر للتكتل من جديد وهي في حملاتها المنسقة لتشويه النظام الجديد تنطلق أولا وقبل كل شئ من منطق المصلحة الخاصة أولا يفضحها في ذلك خطابها المشغول بالترصد والتصيد اكثر من انشغاله بالمشاركة في بناء الوطن والسعي المحموم من أجل الإبقاء على مصالحها وحصصها القديمة والبقاء في مرتبة أعلى من مرتبة مصلحة الشعب المصري .. لكن ربما تدرك هذه المجموعات في قرارة نفسها رغم ماتحدثه من ضجة حجمها الحقيقي في الشارع المصري فالواضح جدا لكل متابع ان المواطن المصري بات الآن واعيا بتفاصيل مايجري على ساحته السياسية وهو يعرف بفطرته من الذي ينحاز إلى همومه ومشكلاته ومن الذي يتاجربهذه المشكلات والهموم. ‘ كاتب مصري