مصر: قراءة في دلالات يوم الاثنين الدامي من الأسبوع الماضي

حجم الخط
0

مصر: قراءة في دلالات يوم الاثنين الدامي من الأسبوع الماضي

محمد عبدالحكم ديابمصر: قراءة في دلالات يوم الاثنين الدامي من الأسبوع الماضيكان يوم الاثنين الماضي واحدا من أسود أيام مصر، ويؤكد أن نهايات المراحل هي أصعبها وأشدها عسرا، ومصر تعيش، علي مدي سنتين ماضيتين نهاية حكم حسني مبارك.. وما تبقي منه لا يجد من هو قادر علي مواراة سوءاته ودفنه، ومشهد الاثنين الدامي يدلل بأن النهاية طالت أكثر من اللازم.. بدأ صباح ذلك اليوم بعدوان وحشي علي القاضي محمود عبد اللطيف حمزة.. أسيلت دماؤه وأصيب في أكثر من موضع من جسده، وأهدرت كرامته، وجريمته أنه واحد ممن طالبوا باستقلال القضاء، وكشفوا وأدانوا تزوير الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، وممن رفضوا أن يكونوا شهود زور علي ما جري فيها، وعلي صور البلطجة وانتهاك الأعراض وشراء الأصوات. فما بدأ صباح ذلك اليوم تم استكماله في المساء بتوجيه ضربة موجعة لكل احتياطات ووجود الأمن المكثف، في أكثر المناطق تأمينا وكثافة أمنية، وأكثرها جذبا للسياحة الصهيونية، وهي مدينة دهب في جنوب سيناء.دهب تبعد حوالي ستين ميلا عن شرم الشيخ، مدينة حسني مبارك وعائلته المفضلة، وعاصمته السياسية والإدارية الخاصة، يعقد فيها اجتماعاته ويلتقي فيها بالزعماء العرب والأوروبيين والأمريكيين والصهاينة والمقربين إلي قلبه وقلب عائلته.. فيها يتجنبون رؤية فقراء العاصمة وكادحيها وساكني مقابرها وعشوائياتها، وتحول بينهم وبين أصوات المطالبين برحيلهم وتنحيتهم.. وفيها يضع خططه لإجهاض العمل الجماعي العربي، وداخل قاعتها يتولي صهينة المنطقة العربية. ويطلق أجهزة أمنه لمواجهة الحراك السياسي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد. وإن بدا الحدثان متناقضين، إلا أنهما وجهان لعملة واحدة، ضحاياهما من المدنيين الأبرياء، ورمزية الاعتداء علي القاضي تعني العدوان علي جموع القضاة، ويعني الاستئساد عليهم رسالة واضحة تقول أن ما جري هو مصير كل من يرفض الاندماج في منظومة الاستبداد والفساد والتبعية، وهي الرد الطبيعي من هكذا حكم علي مطالب عادلة ومشروعة.. مؤيدة من فئات وطوائف أخري عديدة.والفارق بين موقعتي الصباح والمساء، هو أن الأولي هدفت إسكات العدالة، والثانية حطت من قدر الاستئساد الأمني. في واحد من أهم مناطق التطبيع، وأماكن العلاقة الخاصة بين الصهاينة المصريين واليهود.. منطقة هامشية تبعد كثيرا عن تأثير القوي المعادية والرافضة للتطبيع. وبعد أن كانت المشروعات القديمة في مثل هذه المناطق لها طابع عسكري واستراتيجي.. وكانت مواقع دفاع وحماية، إلي حزيران (يونيو) 1967، وكانت علي المستوي الصناعي بيئة مناسبة للصناعات التحويلية والتعدينية والاستخراجية، وأضحت المشروعات المقامة عليها الآن وفق استراتيجية أخري.. تخدم التطبيع وتقيم مشروعات مشتركة مع الدولة الصهيونية. وهذا النشاط الاستراتيجي الجديد جاء علي حساب أبناء المنطقة، وقد غدوا محل شك، لعلاقتهم التاريخية بفلسطين، وانخراطهم في منظمة سيناء العربية وبلائهم فيها بلاء حسنا في مقاومة الاحتلال الصهيوني، وبرز دورها أثناء حرب الاستنزاف المنسية.في الصباح إرهاب دولة بوليسية بأجهزتها وبلطجيتها. وفي المساء إرهاب متطرفين متشددين، كل بطريقته.. أمن يستخدم القوة المفرطة لمواجهة مواطنين عزل من أي سلاح، وهو نفسه عاجز، في موقع آخر، أمام جماعات وعناصر محدودة للغاية ترد علي عنفه واستئساده بعنف مضاد، ترجمة لقانون معروف يقول بأن العنف يولد العنف.. ويضيع الأبرياء، بين عنف الحكم العائلي وعنف التطرف الديني. والمسؤول أو الحاكم، الذي يلجأ إلي العنف والبطش ويضعه فوق القانون يهيئ بيئة ملائمة وظرفا مناسبا لرد فعل من العنف، علي نفس المستوي، ومثل هذا المسؤول أو الحاكم غير جدير بتقلد منصب أو تحمل مسؤولية، إلا أن دلالة هذا الحادث، وما سبقه من حوادث، في طابا وشرم الشيخ تبين أن الطعنات متواترة في الأماكن الأكثر تأمينا وتحصينا، وتشير إلي أن مهمة حماية حسني مبارك وعائلته ومواليه أصبحت صعبة للغاية، علي الرغم مما يحشد لها من قوة ومال، ويثبت أن الأمن لا يوفره الاستخدام المفرط للقوة، ولا بالملاحقة المستمرة للمعارضين، وأحداث دهب.. الثالثة في سلسلة بدأت بطابا في تشرين أول (اكتوبر) 2004، ومرت علي شرم الشيخ في تموز (يوليو) العام المضي، وتتكرر مرة أخري في موقع من نفس المنطقة، تأتي كلها في مناسبات، ترتفع فيها درجة الاستعداد الأمني إلي أعلي معدلاتها القصوي!!.ونحن من أتباع مدرسة لا تفصل بين ما حدث وما يجري علي جبهات أخري، فما تم علي الجبهة الاقتصادية، وبمقتضاه تمت تصفية المنشآت الصناعية والانتاجية الكبري، أو التنازل عنها مجانا، ونقل ملكيتها إلي محتكرين وأجانب، صهاينة وغير صهاينة. وكلها منشآت بنيت بعرق وأموال الشعب، وخاض من أجلها معارك لا تقل عن معارك التحرير والمقاومة، وسقط من أجلها ضحايا في أكثر من موقع، وصحبها أكبر عمليات النهب المنظم، في التاريخ المصري، وبطالة متفاقمة، وهذا وضع البلد علي شفير الإفلاس، وعلي الجبهة الأمنية جاء توفير الأمن لـ عائلة مبارك مشفوعا بالترخيص للأجهزة المعنية بازهاق الأرواح والقتل شبه العمد للمصريين، تحت التعذيب في أقسام الشرطة والمعتقلات والسجون، أو تحت وطأة الإهمال والجشع.. كان آخرها حادث غرق عبارة البحر الأحمر، وما سبقه من حوادث، لقطار الصعيد، أو لمسرح بني سويف أو غيره. ويزيد الأمر تعقيدا بالمعالجات الأمنية لمشاكل ومصاعب أكبر من حجم الأمن وطاقته ودوره، مثل إمساك وزارة الداخلية بملف الجماعات الدينية، بما فيها ملف الأقباط.. وكلما ارتفعت وتيرة الخراب والدمار والنهب والفساد زاد معها التوتر الاجتماعي، وأدت المعالجات الأمنية لجعل الفتنة الطائفية تعبيرا شيطانيا عن هذا التوتر، ومن رحم كل فتنة تولد أخري. فلا هذه المعالجات أوصلت مصر إلي بر الأمان، ولم يخفف تدخل أجهزة الأمن من وطأة المشكلة.. وكان علي حسني مبارك أن يتعلم مما يراه ويعيشه.. أجهزة أمن، بهذا الحجم الضخم وميزانياتها مفتوحة بلا حساب، وتفشل في تنظيم وضبط المرور في القاهرة، لا يمكن لها أن تكون قادرة علي معالجة مشاكل بهذا التعقيد وتحمل قدرا كبيرا من الحساسية؟!!.المعالجات البوليسية سبب حقيقي في انتشار التسيب، وقد يؤدي هذا التسيب إلي اندلاع فوضي غير خلاقة في المستقبل القريب، إذا لم يتمخض الحراك الجاري عن شيء يضبط التطورات ويحكم الأحداث. وهنا علينا أن ندرس بعناية حالة اليأس التي بدأت تدب في نفوس عائلة مبارك . فقصورها، حتي الآن، عن فرض مخططها في الاستمرار والتوريث، وهو أمر كانت تتصوره سهلا يدفعها إلي اللجوء إلي ما يعرف في العلم العسكري الغربي بنظرية الأرض المحروقة .. فالمقاومة العنيدة للمخطط أشاعت بينها اليأس، وفقدان الأمل، ولأنها تأبي أن تريح وتستريح، بترك الحكم والرحيل بهدوء، ومع عقلية حسني مبارك، المؤمن بأن النعمة تخص والنقمة تعم ، وبعد أن حصل لعائلته علي كل النعمة .. من نفوذ ومناصب وثروة، فيجب أن يكون نصيب من لا يرضي بهذه القسمة النقمة الكاملة، ويتصور أن هذا الفهم يمنح انتقامه شرعية، يبرر بها تصرفه. ومن المعروف أن نظرية الأرض المحروقة تأخذ بها القوات المعادية بعدما تغزو بلدا أو تحتل أرضا، وفور أن تشعر بعدم قدرتها علي الاستمرار والاستقرار، بفعل وطأة ضربات المقاومة العنيدة من أهل البلاد وأصحاب الأرض. وفور سيطرة هذا الشعور تضطر للانسحاب فتقضي علي كل شيء، حدث هذا في الجزائر مع الانسحاب الفرنسي، وفي فيتنام قبيل الانسحاب الأمريكي، وهو المتوقع أن يحدث في العراق مع انسحاب قوات الغزو الصهيو أنكلو أمريكي، ويبدو أن مقدمات تطبيق هذه النظرية بيننا دون أن نتنبه، فالمبيدات المسرطنة ونشر الأوبئة، والإهمال المتعمد والتلوث، وتدني الخدمات الصحية بتوجيهات رسمية من رأس الدولة يمكن تفسيرها وفق هذه النظرية!!.وهناك مؤشرات جديدة تقول بأن حسني مبارك وهو يطبق هذه النظرية، يعكس رؤيته المعتادة عند معالجة أمر من الأمور. فهو مولع بتطبيق العقاب الجماعي، وعليه لن يبقي مصنعا قائما، ولا مزرعة صالحة، ولا دولة قادرة، ولا سلطة لغيره أو لمن يأتي بعده، ولا خزانة عامرة، ولا مجتمع متماسكا، ولا حياة مستقرة، ولا جيش قادرا. وكل ذلك لكسر الشعب والتمكن منه، وفرض الهزيمة النفسية عليه أمام جحافل الأمن والبلطجة.وإذا ما فلحت هذه النظرية فسوف ينجز ما يسعي إليه أعداء المنطقة فتتفتت وتتفكك، لتصاغ من جديد علي قواعد التقسيم العرقي والطائفي والعشائري، وتصبح منطقة أقليات قابلة للتشظي، علي غرار منطقة البلقان ويوغوسلافيا السابقة. ونظرية الأرض المحروقة تنجح إذا ما اشتعلت الفتن من كل نوع.. سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا، فعلي المستوي السياسي أشتعلت الفتنة بين القضاة.. بمكافأة من زور وزيف، ومعاقبة كل شريف وملتزم، قانونا وخلقا، وعلي مستوي الأحزاب أبقاها ديكورية هزيلة.. صارت جزءا من المشكلة بعدما كان المفترض أن تكون جزءا من الحل، وعلي المستوي الاجتماعي فجر حسني مبارك صداما بين المصالح.. مصالحه ومصالح عائلته ومن يرتبط بها من موالي ورجال أعمال، تأتي في المقدمة، وعلي حساب مصالح القوي والطبقات الأخري.. أفقر المصريين، وسرق البسمة من شفاه أطفالهم، وزاد من أعباء الديون عليهم، ومشكلته أنه وهو يغلب الإرهاب والعنف في تعامل الدولة مع المواطن يتصور أن ميزان القوي لن يميل، أبدا، لغير صالح أجهزة الدولة والأمن. إلا أن الفراغ السياسي والمؤسسي، المترتب علي هذا التصور يمثل خطرا حقيقيا علي الجميع، فمن عاش أحداث الاثنين الدامي صباحا ضد القضاة وفي المساء ضد جهاز الدولة والأمن، من المتوقع أن يكون شاهدا علي مقدمات فوضي أمنية وحكومية، تبدو مقدمة لفوضي أخري أكثر اتساعا. وأخطر أنواع الفوضي تلك التي ينتقل فيها القانون من يد القضاء إلي يد الأمن والبلطجة، يصبح القانون الواحد، في هذه الحالة عدة قوانين، وتتوزع إرادة الدولة إلي إرادات. وتنقسم الجماعة الوطنية المتآلفة إلي جماعات متناحرة، فتتراجع ثقافة التآخي والحياة المشتركة والمواطنة لتحل محلها ثقافات الفتنة ، وهي من أهم أسلحة الأرض المحروقة ، وهذا أخطر ما يواجه مصر، إذا ما استمر حكم حسني مبارك وعائلته أكثر من ذلك.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية