حسنين كرومهل هذا معقول؟ الذين قاموا بثورة شعبية هدمت نظاما ديكتاتوريا ليقيموا ديمقراطية حقيقية يطالبون بتطبيق أساليب غير ديمقراطية ضد خصومهم، بحرمانهم من حق العمل السياسي ويطالبون بإحياء قانون الغدر الذي أصدرته ثورة 23 يوليو، لتطبيقه في محاكمات ضد أعضاء الحزب الوطني؟
ولمن لا يتذكر، فقد كانت أهداف القانون هي:’محاكمة كل موظف عام، أو أحد أعضاء المجالس النيابية أو المحلية، أو موظف مكلف بالخدمة العامة إذا ارتكب ما من شأنه إفساد الحكم أو الحياة السياسية أو الإضرار بمصلحة البلاد أو خالف القوانين واستغل نفوذه للحصول على فائدة أو ميزة لنفسه، أو لغيره ويعاقب كل من يرتكب احدى هذه المخالفات، أو الجرائم بالعزل من الوظيفة وسقوط عضويته من المجالس النيابية أو المحلية، مع حرمانه من حق الترشح لهذه المجالس وحق الانتخاب لمدة لا تقل عن خمس سنوات من تولي الوظائف العامة، أو الانتماء إلى أحزاب سياسية’. والذين يطالبون بذلك، إلى أن وصل الأمر الى حد أن الحكومة بدأت تدرس احياء هذه المحكمة، يتناسون حقائق هامة.
أولا: أن ثورة يوليو أرادت إقصاء شخصيات معينة من السياسيين في الأحزاب السياسية عن العمل السياسي والعمل العام، ولكنها في نفس الوقت استعانت بالكثير منهم، وعلى سبيل المثال، فقد تم تعيين علي ماهر باشا رئيسا للوزراء وهو اكثر السياسيين التصاقا بالملك فؤاد وابنه فاروق، كما ابقت على رئيس مجلس الدولة الدكتور السنهوري لأنه كان من حزب الهيئة السعدية، والاثنان علي ماهر والسنهوري معاديان للوفد.
وكانت العملية سياسية بالدرجة الأولى وموجهة ضد الوفد وعدد من قادته وليس كلهم، لأنها لم تشمل زعيمه خالد الذكر مصطفى النحاس باشا.
شملت سكرتيره العام فؤاد سراج الدين وإبراهيم فرج وعبدالفتاح حسن، وغيرهم، وكان خالد الذكر جمال عبدالناصر قد أرسل قائد البوليس الحربي أحمد أنور، وصديقا مقرب من فؤاد سراج الدين لينقل إليه رسالة بأنها محاكمات سياسية وفؤاد باشا سوف يتفهمها، وسيتم الإفراج عنهم بعد مدة، ثم ألغيت بعد ذلك إجراءات العزل، لكن الرئيس الراحل أنور السادات، أعاد قانون الغدر، في ايار/مايو عام 1978 في صورة أخرى، هي القانون رقم 33 الخاص بحماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، ونص على الآتي في مادته الرابعة.’لا يجوز الانتماء إلى الأحزاب السياسية أو مباشرة الحقوق، أو الأنشطة السياسية لكل من يتسبب في إفساد الحياة السياسية قبل ثورة 23 يوليو سنة 1952، سواء كان ذلك بالاشتراك في تقلد المناصب الوزارية منتميا إلى الأحزاب السياسية التي تولت الحكم قبل ثورة 23 يوليو سنة 1952، أو بالاشتراك في قيادة الأحزاب، أو إدارتها وذلك كله، فيما عدا الحزب الوطني، والحزب الاشتراكي حزب مصر الفتاة ويعتبر اشتراكا في قيادة الحزب وإدارته تولي مناصب الرئيس، أو نواب الرئيس أو وكلائه أو السكرتير العام، أو السكرتير العام المساعد أو أمين الصندوق، أو عضوية الهيئة العليا للحزب’. ونص القانون ايضا على تطبيق ذلك على من قامت ضدهم ثورة 15 مايو سنة 1971 التي قام بها السادات وهو رئيس جمهورية، ضد عدد من وزرائه وقادة الاتحاد الاشتراكي الذي كان يرأسه، ومنع كل هؤلاء من تولى مناصب في الإعلام والجامعات او الاشتغال بكل ما يتعلق بالرأي العام وحرمانهم من الترشح لانتخابات المجالس النيابية والمحلية والنقابات، وكان المقصود أساسا بالقانون حزب الوفد الجديد الذي عاد في الرابع من شباط/ فبراير عام 1978، ولذلك سارع أول حزيران/يونيو أي بعد حوالي أربعة أشهر من قيامه بحل نفسه لحرمان السادات من تطبيق القانون عليه.
وبعد اغتيال السادات، جرت أحداث غريبة جدا، فعندما عاد الوفد عام 1982، اعترضت لجنة الأحزاب عليه على أساس أنه حل نفسه ولا بد أن يقدم طلبا جديدا، ورد الحزب بأنه لم يحل نفسه، إنما قرر تجميد نشاطه، مثل حزب التجمع، وتحدي لجنة الأحزاب ان تقدم قرار الحل فلم تجد، فعاد الوفد، وكان المرحوم الدكتور مصطفى خليل رئيس اللجنة قد طلب من سراج الدين ارسال قرار الحل، بعد ان اتخذه الحزب، إلا أنه أخذ يسوف، ولم يطلبه خليل.
ولم تطبق الدولة على الوفد المادة الرابعة بينما قامت لجنة الأحزاب برفض طلب تأسيس حزب الجبهة الوطنية الذي قدمه عام 1982 كل من ممتاز نصار ومحمود القاضي وكمال الدين وأحمد ناصر، لأنهم من الذين عارضوا اتفاقية كامب ديفيد وهو ما أضافه السادات الى الشروط المانعة للعمل السياسي، كما تم الاعتراض على قيام ضياء الدين داود، عندما أراد تقديم أوراق ترشيحه لانتخابات مجلس الشعب، فرفع دعوى أمام المحكمة الدستورية، ألغت العزل السياسي عام 1987. أي أن العودة للأخذ بقانون الغدر سيتعرض لعدم الدستورية، ولذلك اقترح صرف النظر عن ذلك، واللجوء إلى طريقين.
الأول: تحويل كل من شارك في تزوير الانتخابات بأي شكل من الأشكال سواء كان مرشحا أو مسؤولا في الحزب الوطني، أو من المشرفين عليها أو أعضاء اللجان، تحويلهم الى المحاكم لأنها جنايات لها نصوص واضحة في القانون وبالتالي، سنضمن تفويت الفرصة على الكثيرين من ترشيح أنفسهم في الانتخابات القادمة، أي أن العزل لخمس سنوات سوف يتحقق قانونيا، لأنها مدة المجلس مع ملاحظة أن هناك آلاف الأحكام القضائية بالبطلان.
والثاني: عقد جلسات استماع، لكل من شارك في فترة حكم الرئيس السادات ومبارك، وتسجيلها تاريخيا، على غرار ما تم من تسجيل شهادات المسؤولين عن ثورة يوليو، وإذا فعلنا ذلك، سيتم الكشف عن التاريخ الأسود والسري لهذه الفترة، بل وسيتم اكتشاف ما هو أخطر من عمليات أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وكيف كان يتم تفكيك مصر كدولة.’ كاتب من اسرة ‘القدس العربي’