محمد عبد الحكم دياب
لم يمر الاستفتاء على تعديل عدد من مواد الدستور المصري المجمد كما كان متوقعا له أن يمر؛ على الأقل من وجهة نظر دعاة الدولة المدنية والمطالبين بها. وحسب هؤلاء فإنها دعوة حظيت باتفاق القوى الوطنية، وشاركتها فصائل وقوى وجماعات ما يعرف بالإسلام السياسي. وكان قد تأكد لهم ولغيرهم أن قيم الإسلام وثقافته وتشريعاته مع قيام تلك الدولة في صيغتها الديمقراطية الحديثة. وتركت نتيجة الاستفتاء انطباعا معاكسا، وباعثا على القلق. وبدأت أطرح على نفسي سؤالا عن جدوى مؤتمرات ومنابر عروبية وإسلامية؛ ضمت قوى وجماعات سياسية وفكرية من مصر بجانب أقرانهم من الأشقاء العرب؛ كانت وما زالت مؤتمرات ومنابر جامعة، وهو ما سآتي ذكره في الجزء الأخير من هذه السطور.
في البداية تم الاستفتاء وسط خلط واضح في معاني الحقوق الديمقراطية بين الأطراف المعنية بالاستفتاء. فقد ظهر أن التغيير في ميزان القوى السياسية والاجتماعية ما زال كما هو، وإقبال عموم المصريين واجتيازهم امتحان المشاركة لم يكن ترجمة لاعتدال الميزان السياسي والاجتماعي لصالح ثورة 25 يناير. واستمر بتناقض مواقف قوى سياسية ودينية لها وزن من الثورة، وهذا ليس جديدا فقد بدأ قبلها وهو مستمر بعدها. وإذا ما تأملنا عددا من المشاهد السابقة على الثورة فقد تساعد في تفسير الأوضاع الراهنة، وفي التعرف على العلاقات الداخلية لقوى الثورة.
المشهد الأول.. هو مشهد الإخوان؛ بدا معبرا عن التجربة التاريخية؛ من العمل المنفرد، وإغراء الحجم، وزهو الإمكانيات، ويأتي عملها المشترك مع القوى الوطنية فيتم في أضيق الحدود، وترسخ لدى الغير انطباع بأنهم طلاب حكم، وهذا عمل مشروع إذا ما تحولت الطريقة الدينية إلى أداة حزبية وسياسية، وكثيرا ما شاركوا الأحزاب الحاكمة وترددوا في التعاون مع الأخرى المعارضة، حتى لو كانت إسلامية مثلها. وقد دفعوا ثمنا غاليا بسبب طريقتهم هذه، وإذا كانت الأحزاب الحاكمة تتوجس منهم خيفة فما زالت جسور الثقة غير موصولة مع المعارضة. وبينما كان حسني مبارك يوظفهم فزاعة ضد الغرب، فإنه وضعهم على قوائم الاعتقال المتجددة والتصفية السياسية والاقتصادية المستمرة، ومع ذلك بدوا مراهنين على مشاركته، وكان شعارهم ‘المشاركة لا المغالبة’، تجنبا للصدام معه وتركوه هو يصطدم بهم.
ما يهمنا هنا هو علاقتهم بثورة 25 يناير. فقبل اندلاعها بأيام قطع الناطق الإعلامي للجماعة الشك باليقين، حسب ما هو منشور في أجهزة الإعلام والصحافة في التاسع عشر من كانون الثاني/يناير حين أكد أن الإخوان لن يشاركوا في مظاهرة 25 يناير التي دعت إليها حركة 6 ابريل واستجاب لها الشباب وقوى وطنية وسياسية ومستقلة عدة، وفي تصريحاته لموقع صحيفة ‘الدستور’ (الأصلي) أكد ‘عدم المشاركة، على اعتبار أن الدعوة لتلك المظاهرة دعوة عامة؛ خارجة من الفضاء الألكتروني – على حد قوله – وبالتالي فهي موجهة لكل مواطن في هذا المجتمع’، وذكر ‘أن أفراد الإخوان جزء من الشارع المصري ولهم حق المشاركة من عدمه، وفق ما يتراءى لهم لكن في الوقت ذاته لن تشارك الجماعة كقوة سياسية أو هيئة’. وكان بذلك يعلن الموقف الرسمي برفض المشاركة، وإن تُرك الباب مفتوحا أمام المشاركة الفردية لا الرسمية لمن يريد من الشباب، ولم يتغير ذلك الموقف إلا مساء السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير؛ بعد موافقة مكتب الإرشاد. وترتب على ذلك مشاركة حقيقية بدءا بجمعة الغضب؛ أي بعد ثلاثة أيام من بداية الثورة، والمشاركة المتأخرة أفضل من عدمها. وبدأوا على الهامش، ومع ذلك تمكنت لجانهم وكتائبهم الأمنية المدربة من لعب دور كبير في التصدي لغزوة ما عرف بموقعة الجمل ضد المعتصمين بميدان التحرير.
وهي نفس اللجان والكتائب التي لعبت دورا مؤثرا في يوم الاستفتاء، على الأقل فيما شاهدته بعيني في أحياء وقرى محافظة السادس من اكتوبر؛ حلت محل قوات الأمن والشرطة، وتولت ضبط وتنظيم دخول وخروج الناخبين، وكانت تجربة ميدانية وعملية مفيدة لهم، وملأت فراغا لم تملأه الأحزاب والجماعات الأخرى، التي لم أر لها وجودا يذكر وكأن الأمر لا يعنيها.
هكذا احتلت جماعة الإخوان المسلمين حيزا ضخما من المشهد السياسي، وفي ركابها تحرك السلفيون، وبدا موقفهم ملفتا للنظر؛ ليس بسبب المشاركة، فهذا حقهم، إنما بسبب خطابهم الموجه للناخبين، وسبق لمشايخهم تحريم وتجريم الثورة. وإذا ما علمنا أن الثقل السلفي في مصر مركزه الإسكندرية، فإن تأثير فتوى كالتي صدرت عن شيخهم ياسر برهامي فاقت بكثير تأثير فتاوى سلفية أخرى. قالت فتوى الشيخ برهامي: ‘انطلاقا من تمسكنا بديننا وشعورنا بالمسؤولية تجاه بلادنا وحرصا على مصلحتها، تقديما وتغليبا لأمن العباد والبلاد في هذه الفترة العصيبة وتفويتا لمقاصد الأعداء التي تهدف إلى نشر الفتن؛ نرى عدم المشاركة في مظاهرات الخامس والعشرين من يناير’. بجانب مجاهرة أتباعه دوما برفض الديمقراطية. وبين التردد والرفض اندفع سلفيون بحماس شديد؛ مشاركين في الاستفتاء وداعين للتصويت بنعم. وبدا ذلك خارج سياق تفكيرهم ومنطقهم، وهذا التحول المفاجئ دون تمهيد أصبح مصدرا للتساؤل.
يبدو أن التأثير السعودي والخليجي كان مغريا لدرجة كسر منظومة القيم التي بنيت عليها الدعوة السلفية في مصر، وانتقالها من عدم اهتمام مطلق بالسياسة والعمل العام إلى اهتمام بالغ. وأعرف أن تأثير المساعدات السعودية والخليجية على الجماعات والجمعيات السلفية دفع ببعضها إلى الافتاء بجواز الاغتصاب المنظم لأراضي الحكومة واقتطاع أجزاء من الطرق العامة وأرصفة المشاة والمساحات الناشئة عن ردم الترع والمجاري المائية وجسور النيل والرياحات، وأراضي حرم السكك الحديدية. ووضع اليد على هذه المساحات المغتصبة وبناء المساجد ومقرات الجمعيات السلفية عليها، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض أمام سيف التكفير المشهور في وجه من ينبه لمثل هذه التجاوزات.
والتساؤل هنا لم يكن حول التصويت أيا كانت وجهته؛ نعم أو لا. إنما حول وحدة خطاب جماعات الإسلام السياسي والديني؛ لتختفي الفروق بين الاعتدال والتشدد، وكان خطابا موجها ضد الدولة المدنية.. واتفاق لغة الإخوان المسلمين مع لغة حزب العمل الإسلامي، وحزب الوسط الإسلامي، والجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وجماعة التبليغ، والجمعية الشرعية، وجماعة أنصار السنة المحمدية.
كانت المادة الثانية من الدستور هي محور ذلك الخطاب، ولم تكن بين المواد المستفتى عليها. وجاء ذلك مصحوبا بشحن طائفي مبالغ فيه عن الحكم المسيحي القادم إلى مصر، إذا لم يتم التصويت بنعم؛ وكأن ‘المواطنة’ التي توافق عليها الناس صارت سبة وجريمة، لأنها دعت للمساواة بين المواطنين المختلفين في أصولهم ومعتقداتهم وألوانهم. وهي نفس ما تدعو إليه المثل العليا للأديان، وترجمته توجهات ثورة 25 يناير.
جاء الشحن الطائفي ضمن حزمة من عناصر التعبئة؛ ربط الاستقرار بالتصويت بنعم، وكات فرصة مكنت فلول الحزب الوطني من التأثير على سير الاستفتاء؛ وسط تعبئة غير مبررة ضد القوات المسلحة. وهي نفس القوات التي أيدت الثورة وتولت حمايتها، ولولا ذلك ما كان ممكنا للثورة أن تنجح، وترك المفكر الإسلامي محمد سليم العوا لدى من استمع إليه وهو يدعو للتصويت بنعم بأن القوات المسلحة عازمة على البقاء في حكم مصر، وعلى من انتصروا للجنرال الباكستاني الراحل ضياء الحق أن يتأنوا في الحكم على المؤسسة العسكرية المصرية، التي تنال احتراما كبيرا من الشعب، والراغبة في العودة سريعا إلى ثكناتها. ورغبتها هذه سببت الاستعجال الراهن من جانبها في ترتيب الأوضاع، وهو استعجال قوبل باستعجال معاكس من جماعات الإسلام السياسي والديني، ورغبتها في استغلال الفراغ الراهن للوصول إلى حكم مصر، ورجحت تطورات يوم الاستفتاء ذلك الانطباع. وقد يفسر هذا لغة الإنكار والتشدد والحدة غير المتوقعة من قبل الناطق الإعلامي للإخوان ضد من يخالفونه الرأي والتوجه، وأترك تصريحات المرشد العام وأقواله جانبا، فلا أريد أن ننكأ جراحا نريد لها أن تندمل!. قد يحاسبني التاريخ على ما دعوت إليه؛ ضمن قلة لا تعد على أصابع اليد الواحدة.. دعونا إلى مصالحة تاريخية بين التيارين العروبي والإسلامي، وتشهد مجلة ‘الموقف العربي’ المصرية على ذلك منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، وكانت تلك الدعوة يومها من الكبائر، إلى أن أقيمت منابر ومؤتمرات ترعى ذلك؛ أهمها المؤتمر القومي العربي، الذي تأسس من أكثر من عشرين عاما، والمؤتمر القومي الإسلامي، ومؤتمر الأحزاب العربية، وهدفها إقامة الجسور وشق قنوات حوار صحية تنمي الفهم المتبادل، وتزيد من مساحة الأرض المشتركة، وتخلق حركة تنوير عربية وإسلامية حديثة. وينتمي لهذه المنابر والمؤتمرات عدد من المفكرين وقادة الرأي والسياسيين المصريين؛ قوميين عرب وناصريين وإسلاميين ويساريين. منهم من كان في صدارة مشهد ثورة 25 يناير مع شبابها. وجاء الاستفتاء وبدا الأمر وكأن هذه المنابر والمؤتمرات حرثا في البحر، وهي التي أخذت من الدولة المدنية الديمقراطية لمشروعها النهضوي العربي؛ بأبعاده الاستقلالية والوطنية والديمقراطية والحضارية والتنموية والوحدوية. وكانت المفاجأة أن إسلاميين من بين أعضائها في مصر بدو متنكرون للدولة المدنية. وها هو شيخ من شيوخ السلفية اسمه محمد حسين يعقوب يعلن انتصار الدين فيما أسماه ‘غزوة الصناديق’، ومن لا يقبل بغزوته عليه أن يرحل ويترك بلاده إلى غير رجعة. وقوله هذا يعني أن مصر تحولت لديه إلى دار حرب وكفر تستوجب الجهاد وإهدار دم مواطنيها، وهو ما ينبئ بإمكانية إراقة الدماء في ‘غزوة الصناديق’ القادمة أثناء الانتخابات التشريعية القادمة.
وهذا يدعوني لاعتزال المنابر والمؤتمرات التي جمعت العروبيين والإسلاميين، مع تقديم اعتذار عن أي جهد تطوعت به خدمة للمصالحة والحوار مع تيارات بدت تظهر غير ما تبطن.’ كاتب من مصر يقيم في لندن