مصر .. مطلوب رئيس

حجم الخط
0

حسني رجب محمودفجأة وبدون اي مقدمات تناقل الاعلام خبرا مفاده إن الإخوان والمجلس العسكري وأحزاباً ليبرالية اتفقوا على ترشيح الدكتور نبيل العربي، أمين عام جامعة الدول العربية رئيسا توافقيا فى اول انتخابات رئاسية لمصر بعد ثورة 25 يناير كما كشفت صحيفة ‘المصري اليوم’ أن دولاً عربية خليجية طلبت من قيادات بارزة في الأحزاب الإسلامية دعم (العربي)، وأنها أرجأت مساعداتها المالية لمصر لحين اختيار ‘العربي’ رئيساً للدولة، وأن دولاً أخرى، بينها أجنبية، تعترض على تولي رئيس ينتمي للتيار الإسلامي. ولاشك ان رد الفعل الطبيعي الذى احدثه الخبر لأي مواطن هو الشعور بالصدمة ويثير في نفسه سؤلا مليئا بالاحباط لماذا نبيل العربي ولمصلحة من هذا الاختيار؟ لانه يتوقع ان الاجابة على هذا السؤال سوف تشير في افضل الاحتمالات الى ان الاختيار والتوافق جاء لتحقيق مصلحة من توافقوا واختاروا فقط وليس هناك اي احتمال لتحقيق مصلحة للوطن او الثورة او المرشح نفسه. ومع احترامنا الكامل لشخص الدكتور نبيل العربي وتأكيدنا لنزاهته ووطنيته وخبرته الدولية المرموقة في القانون والقضاء الدولي فاننا نعتقد ان من توافقوا عليه لم يكن بسبب ماعنده من قدرات ومؤهلات تعطي المبرر لإختيارهم وصالحة تماما لاتخاذها مادة دعائية يصخب لها الاعلام المستأنس وتدبج بها مقالات المنتفعين وانما التوافق والاختيار كان بسبب (ماليس عنده) حيث يبدو ان الرجل (ليس عنده) الطموح الذى يدفعه الى ان يكون واحدا من اخذتهم سكرة الأمل بحيازة منصب رئيس جمهورية مصر بما يحققه من مستويات شاهقة من الفخامة والابهة لانظير لها في كافة الانظمة السياسية في العالم شرقا وغربا تأخذ بلب صاحبه وتجعله محلقا في افاق بعيدة عن الارض فى حالة حلم جميل ويعيش في المنطقة التي بين الصحوة والغفوة وتسيطر عليه مشاعر هذه الحالة بان يكون رافضا لليقظة ولايريد ان يرى ويسمع كما يفعل بني البشر على الارض فلم يزاحم الآملين والحالمين بالمنصب ويطلق مثلهم الوعود بتحقيق المعجزات داخليا وخارجيا قبل وضع الدستور الذي سيحدد شكل نظام الحكم وبالتالي صلاحيات واختصاصات رئيس الدولة وتكون برامجهم الانتخابية ووعودهم مبنية على هذه الصلاحيات ذات مصداقية وان لم ينفذوها وليس ضربا من التنجيم وهذه القدرة على (عدم) اتخاذ مواقف انفعالية والجري وراء بريق المناصب وماتحققه من فخامة وابهة رصدته عيون المتوافقين عليه كما انه اطال الله في عمره تجاوز 77 عاما وهو سن الزاهد الذي (ليس عنده) الرغبة في اضافة امجاد جديدة الى تاريخه فقد استطاع خلال عمره المديد ان يسجل لنفسه كدبلوماسي مصري وقاضي ومستشار وخبير قانوني على المستوى الدولى مايكفيه فخرا ولايحتاج الى خوض صراعات جديدة سواء كانت حقيقية او وهمية ليقال عنه الزعيم والقائد التاريخي وهذا ماتريده بالضبط جماعة الاخوان المسلمين بعد ان اظهرت الانتخابات البرلمانية مدى تغلغلهم في كافة اوساط المجتمع المصري ومهارتهم في الحشد والتنظيم وقدرتهم السحرية على صنع (توافق) بين شعارتهم واحلام المواطن المصري وكسب ثقته قبل تحقيق اى انجاز على ارض الواقع وادى كل هذا الى فوزهم بنسبة خيالية من مقاعد البرلمان فاقت حتى توقعاتهم وتجاوزت 46 ‘ من خلال انتخابات لاشك في نزاهتها وتعمل الجماعة بذكاء سياسي مشروع على استمرار هذا التفوق البرلماني والتواجد على قمة الساحة السياسية المصرية لاطول مدى زمني ممكن يتيح لها تطبيق سياسات اقتصادية واجتماعية وعلاقات اقليمية ودولية تعبر عن توجهاتها وافكارها وان تنسب لها مباشرة المكاسب والانجازات بدون تشويش من شريك قد تكون له طموحات او افكار او توجهات معاكسة وتدرك الجماعة ان النظام الرئاسي المصري الحالي الذى يشبه مومياء فرعونية عادت لها الحياة يجعل السلطة التشريعية في مرتبة اقل من حيث القوة من السلطة التنفيذية التى يمثلها رئيس الجمهورية وهو مايهدد التفوق البرلماني الاخواني فاذا كان اختصاص البرلمان قاصر على الرقابة والتشريع فإن منصب رئيس الدولة الذي قد يكون الشريك المخالف فى الحكم له صلاحيات واختصاصات واسعة في كافة المجالات التنفيذية والامنية والقضائية بالاضافة الى اهم صلاحية لرئيس الجمهورية تبث الرعب في اي برلمان منتخب من الشعب هي صلاحية حل البرلمان ولكن يبدو ان الحظ الذى عاند الجماعة على مدى اكثر من ثمانين عاما وجعلهم في صراع مستمر مع كافة حكام مصر منذ انشائها قد ابتسم لهم اخيرا وهو يهديها نص المادة 60 من الاعلان الدستوري الذي تعطي الجماعة بدون قيد او شرط باعتبارها صاحبة الاغلبية العالية في مجلسى الشعب والشورى اختصاص تشكيل الجمعية التأسيسية ووضع دستور جديد للبلاد وبالفعل صدرت تصريحات اخوانية تفهم جيدا الفرصة التاريخية التي اتاحتها المادة واشارت الى ان النظام الرئاسي لايصلح لحكم مصر ويجب ان تشكل الحكومة من قبل الاغلبية البرلمانية ولن يتأخر الاخوان عن ولوج ابواب التغيير والتعديل الدستوري المفتوحة لهم على مصراعيها لاختيار الجمعية التأسيسية ووضع الدستور بالكيفية التي تجعل اغلبيتهم البرلمانية مرتكزا لتطويع السلطة التنفيذية في ايديهم ورسم السياسة العامة للدولة ووضع خطط التنمية التي تلائم توجهاتهم وتهميش صلاحيات منصب رئيس الجمهورية لابعاد شبح تحوله الى الشريك المخالف ومن هنا كان الاختيار التوافقي اشبه برحلة صيد ناجحة ومحققة لأهدافها بامتياز.

ولكن هناك سؤال يتحتم طرحه و هو ماهو موقف الدكتور العربي القاضي المحنك وهو يفحص ملف الاختيار والتوافق المحلي والثمن الذي ستدفعه دول الخليج لقاء انجاز مشروع الرئاسة التوافقية؟

اننا اقرب الى التأكد بان الدكتور العربي سيرفض ممارسة دور رئيس الجمهورية التوافقي لسببين الاول يتعلق بالتدخل الخارجي والخليجي خاصة والربط بين الغاء ارادة الشعب وبين دفع البترودولارات في عقاب ثورة دفع ثمنها زهرة شباب البلد من دمائهم وارواحهم ليكون لشعبهم الكلمة الاولى والاخيرة في تقرير مصيرهم وان اموال الدنيا لاتساوي قطرة دم واحدة من الدماء الذكية التي بذلت. والسبب الثاني داخلي وهو ان الدكتور العربي يعلم ان الثورة المصرية العظيمة صممها وخطط لها ونفذها شباب مصر وكانت عظمة وتجرد هذا الشباب سبب متاعبهم حتى الآن لأن تخطيطهم لم يتجاوز انجاح الثورة واسقاط النظام وتحقيق مطالبها الانسانية العميقة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية ولم يفكروا فى تكوين قيادة تحكم البلد وتنفذ مطالب الثورة بعد اسقاط النظام الفاسد ونعلم من الذي تولى قيادة البلد وكيف تم تحويل مسار الثورة عن تنفيذ باقي مطالبها وما يتم البحث عنه الآن رئيس ليس لتصحيح المسار وتحقيق المطالب وانما ليكون الماتادور الذي يوجه للثورة بعد ارهاقها واستنزافها الطعنة القاتلة الاخيرة.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية