مصر مفلسة وباني أهرام مصر الحديثة يتكفف أمام العواصم والمنظمات الدولية والمصريون يستفيقون على سراب سنواته

إبراهيم درويش
حجم الخط
4

لم يعد أحد يتذكر الربيع العربي ولا ثوراته، إما لأن القادة الجدد الذين أطاحوا بالديمقراطية أعادوا كتابة التاريخ وأكدوا أن تلك المناسبات لم تحدث أبدا، أو لأن الدول التي شهدت الانتفاضات تركها الديكتاتوريون حطاما، أو أسهمت الإرادات المحلية والإقليمية بتحويلها لدول فاشلة، والأمثلة حاضرة ولا حاجة لذكرها، لكننا لا نقاوم الرغبة عندما تمر الذكرى وهذه هي السنة الـ 12 عليها من التساؤل والتفكير في مآلات عالم عربي انتصرت فيه إرادات المال والثورات المضادة على طموحات وآمال الشعوب التي لم ترغب بداية في تغيير شكل الأنظمة بقدر ما أرادت الحرية والكرامة ولقمة العيش الهنية، فلم تحصل على أي منها، فقط الوعد بعد كل الوعد. بل وصارت مقدرات الدول وثرواتها مفتوحة للمزاد العام والبيع بأسعار رخيصة.
وتقدم قصة مصر التي كانت أهم دولة في الربيع العربي، صورة عن كل الحكاية، فقد استطاع المصريون التخلص من نظام حسني مبارك في مدى 18 يوما، وصدقوا أسطورة أن الجيش معهم قبل أن ينقلب على الثورة ويعيد تمسكه بمقاليدها وهو الذي يمسك بالبلاد منذ انهيار الملكية في خمسينيات القرن الماضي فيما عرفت بثورة الضباط الأحرار. في عام 2013 كان هناك انقلاب على رئيس منتخب ثم في 2014 انتخابات مثل كل الانتخابات التي جاءت بعدها مهزلة دفعت بعبد الفتاح السيسي الذي وعد ثم وعد ووعد بأن الأمور ستكون أفضل. صدقه الكثيرون المحبطون من مرحلة ما بعد الثورة، واستمعوا إلى محاضرات المناصرين له وأنه الرجل المنقذ لمصر والحامي لها من كل أعدائها. رفعوا أولا شعار مكافحة الإرهاب، وعنوا به الإخوان المسلمين الذين سجنهم وصادر أموالهم وفكك مقدراتهم وشردهم ولاحقهم في منافيهم، ثم أصبح من الصعب على أي معارض له قول أي كلمة ولو عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ممنوع الشكوى

وأقام السيسي بدعم من الجيش نظاما من أشد الأنظمة القمعية في تاريخ مصر الحديث ومنع على المصريين حتى الشكوى، وطالبهم بالتحمل وسخر منهم ومن بدانتهم وباعهم الأحلام بمشاريع بنية تحتية بعضها مهم وبعضها لإرضاء طموحاته. وانتهى عقد السيسي ليس بنهضة بل بإفلاس الدولة وبحثها عن حزمة إنقاذ تلو الأخرى من المؤسسات الدولية المانحة في وقت قل فيه سخاء من دعموا انقلابه وباتوا يقولون إن زمن المنح والمساعدات المجانية قد انتهى وعليهم الحصول على مقابل. في الماضي اتهم مناصرو النظام الإخوان بأنهم يريدون بيع سيناء وقناة السويس، واليوم تبيع مصر السيسي مقدرات البلد من أجل البقاء في الحكم. وفجأة استفاق الجميع على ما فعله السيسي، مع أنهم ظلوا يقولون إن مصر كبيرة بقدر لا يمكن السماح لها بالإنهيار، وصار المستحيل اليوم ممكنا. ونشرت الكثير من التعليقات بعد اتفاق الحكومة المصرية في كانون الأول/ديسمبر مع صندوق النقد الدولي على حزمة إنقاذ صغيرة بقيمة 3 مليارات دولارات، وهي الحزمة الرابعة منذ عام 2016 بشكل جعل مصر ثاني أكبر مدينة للمنظمة المالية الدولية بعد الأرجنتين، وفي كل مرة يجبر المصريون العاديون على تحمل نتائج الدعم الدولي الخارجي.

فقراء لا حيلة لهم

وكما قالت مجلة «إيكونوميست» (26/1/2023) فإن ثلثي الشعب المصري بات فقيرا ويعيش على دولارين في اليوم، وهناك ثلث يحضر لكي ينضم إليهم. وألقت بالأزمة على المسؤولين الذين خذلوا شعبهم وقدموا مصالحهم الخاصة على مصلحة المواطنين. وقدمت المجلة قائمة باتت لازمة في أي تقرير صحافي عن مصر اليوم بالصحافة الأجنبية، من أن الجنيه المصري فقد نصف قيمته خلال العام الماضي وكان أسوأ العملات أداء في عام 2022. وفي 5 كانون الثاني/يناير خفضت الحكومة قيمته للمرة الثالثة في أقل من عام. وأضافت أن نصف إيرادات الدولة تذهب لخدمة ديونها والتي تصل نسبة 90 في المئة من الناتج المحلي العام. وبلغ حجم التضخم رسميا 21 في المئة، وهي هنا تلاحظ أن الأرقام المصرية عن التضخم لم تواكب التدهور الاقتصادي ومن «المؤكد أن الواقع سيء جدا».
وتواجه مصر اليوم «أزمة ثقة» كما تقول المجلة في تقرير بعددها الأخير، فبعد عقد من العجز في الميزانية الحكومية تقف مصر أمام باب مغلق وبدون خيارات. مضيفة أن الوضع السيء لم يعد سرا وأصبح محل اهتمام ونقاش الجميع، وتحول المشي اليومي للسوق إلى رحلة عذاب بالنسبة للمصري العادي، فأكياس التسوق عند العودة منه لا تبدو كما في الماضي ثقيلة ويشعر الشخص بالتعب لحملها، بل وخفيفة ويدخل المواطن البيت وفي الحلق غصة، لأنه لم يجد ما يمكنه شراؤه. وأصبح المصريون اليوم بين خيارات النجاة وإنفاق كل رواتبهم على طعام لا يوفر لهم الرضا بسبب الكلفة العالية، أو دفع الفواتير وهي كثيرة بالنسبة للطبقة المتوسطة: رسوم المدارس، أقساط السيارة والبيوت والأدوية. ويواجه أصحاب المتاجر مشكلة حجز البضائع في الموانئ بسبب عدم توفر العملة الصعبة في السوق لتخليصها، فقد سارع المستثمرون الأجانب بسحب أموالهم.
وتعلق أن أزمة مصر هي في طور التكوين لعبت فيها جزئيا العوامل الخارجية مثل الحرب في أوكرانيا، فمصر هي أكبر مستورد للحبوب في العالم إلى جانب كوفيد الذي أوقف السياحة ومعظمها من روسيا وكانت تسهم بالدخل القومي بنسبة 5 في المئة، لكن الأزمة هي صناعة داخلية سببها نفقات الدولة على مشاريع البنى التحتية، بعضها غير مهم أو لم تكن مجدية مثل تفريعة قناة السويس وأخرى نرجسي بهدف إرضاء غرور وغطرسة السيسي بأن مصر وجيشها قادرين على عمل الأعاجيب، وليس غريبا أن كل الأخبار التي كانت تنتشر عن مصر في الصحف هي عن الماضي الفرعوني واكتشاف أقدم مومياء وغير ذلك، فباني أهرام مصر الحديثة لم يعد لديه المال الكافي لإتمام أهرامه وبات يتكفف أمام أبواب العواصم الخليجية أو المنظمات المالية الدولية، والكل لديه شروطه.

لم يستمع للنصائح

ومشكلة السيسي أنه لم يستمع للنصيحة، ففي كل أزمة كانت تحل بقرض أو تعهد من رعاته في الخليج، ثم يمضي في طريقه دون الالتفات لإصلاح طريقة إدارة الاقتصاد ولم يستمع لنصائح الحريصين على مستقبل مصر. فاعتماد نظامه على الأموال الساخنة واستمراره بالإنفاق وتعويم العملة التي حاولت الدولة دعمها قبل أن يسمح لها بفقد قيمتها تعني أن منظور مصر في الأيام المقبلة سيكون أسوأ من الماضي. ما يعني أن الفقراء في مصر سيعانون المزيد. وحسب تقرير في صحيفة «نيويورك تايمز» بات البيض من الكماليات واللحم خارج قائمة الطعام ويتم تناوله في المناسبات إن كانت هناك مناسبات. فصندوق البيض المكون من 30 بيضة أصبح بمئة جنيه مصري وزاد سعر الجبنة بنسبة 80 في المئة وكيلو من صدور الدجاج بات يباع اليوم بـ 200 جنيه، بعدما كان 90 جنيها في العام الماضي. وحسب الأرقام الرسمية فنسبة الفقر هي 30 في المئة لكنها لم ترافق التقلبات في السوق وقيمة الجنيه، مع أن البنك الدولي يقدر النسبة بحوالي 60 في المئة. ففي عام 2016 كان خط الفقر مساو لـ 55 دولارا في اليوم أما اليوم فهو 29 دولارا وتزحف الطبقة المتوسطة نحو الفقر. وأشار تقرير «نيويورك تايمز»(23/1/2023) إلى وضع بات فيه مصريون يعملون في عدة وظائف مختلفة للنجاة في وضع لم يعد يطاق. ونقلت الصحيفة عن محلل بمعهد في واشنطن قوله إن النظام عالق بسبب أدائه المتهور للاقتصاد معلقا أن صفقة صندوق النقد الدولي تمنع اقتصاد النظام من الانهيار لكن شروطها ثقيلة وغير معهودة. وفي السياق نفسه بات المصريون غير قادرين على تناول طبقهم الشعبي المعروف «الكشري» ولا حتى الفول، ولم تجد محاولة صاحب محل تصغير حجم صحن الكشري للحفاظ على زبائنه، أما الجزارون فيخشى بعضهم على مصلحته ويخافون من إغلاقها. ونقلت «واشنطن بوست» (26/12/2022) عن صاحب أشهر مطعم كشري في القاهرة قوله إن الزبون الذي كان يشتري صحنا كبيرا بات يشتري صحنا أصغر و «بدلا من تناول ثلاث وجبات يتناول الناس وجبة أو وجبتين». وهو ما يؤشر عن تخلي الناس عن العادات اليومية من تناول الطعام خارج البيت، وأجلوا الاحتفالات بالزواج على أمل أن يتغير الوضع.

سطوة الجيش

طالما رمى السيسي مشاكل البلاد على الآخرين، مسؤولين، وزراء بل والشعب، وفي الأزمة الأخيرة استخدم حرب أوكرانيا التي حملها مسؤولية الوضع بل وحاول التقليل من الوضع عندما قال للمصريين إنهم عانوا في الماضي من أوضاع وعليهم التحمل، وهذا هو شعار رئاسته إلى جانب التركيز على مشاريع لا تهم المصريين أو تجدي اقتصاديا، ولكنها تصب في مصلحة «إمبراطورية» الجيش، وليس غريبا تركيز اتفاقية صندوق النقد الدولي التي وقعت رسميا في 10 كانون الثاني/يناير على دور الجيش في الاقتصاد وضرورة تحريك القطاع الخاص الساكن الذي تأثر بسبب عدم قدرته على منافسة الجيش أو مزاحمة الأخير له في مجالاته، وقصة مصنع الإسمنت الجديد الذي أصاب السوق بتخمة أدت لإغلاق المصنع القديم. ومن الصعب التنافس مع مؤسسات الجيش التي تصنع كل شيء من المعكرونة إلى تعليب المياه المعدنية وتدير مزارع الأسماك ومنحها السيسي كل مشروع يتعلق بالبنى التحتية من تفريعة السويس إلى بناء الجسور والطرق السريعة، وهي من تدير المدينة الإدارية التي ستكون بعيدة عن مدى المواطن العادي وربما وفرت ملجأ للسيسي وحمته من ثورة جديدة.
وهناك مشكلة في القطاع الخاص الذي طالما تذمر من غياب المنافسة أو خوفه منها، وقصة مؤسسة شركة جهينة للألبان حاضرة، فقد سجن وابنه لمدة عامين بدون تهم، ولأنه رفض مزاحمة الجيش له، وأفرج عنه الأسبوع الماضي بدون معرفة ما جرى. وقد وعد النظام في اتفاقه مع صندوق النقد الدولي بتخفيف سيطرة الجيش على القطاعات غير الإستراتيجية، ولكن الكثير من المحللين يشككون في مدى استجابة النظام ويقولون إنه قد يتحايل كما في الماضي. ولكن الشروط الموضوعة حاليا تجعل من الصعوبة أمام النظام إلا الاستجابة.

هل يتجرأ؟

والسؤال هنا ليس عن مدى استجابة السيسي للمطالب ولكن عن قدرته مواجهة الجيش الذي وضعه على رأس السلطة، مقابل منحه حصانة وحماية وإعفاءات ضريبية وعدم تعريضه للحسابات العامة، فهل سيرضى الجيش ببيع جزء من ممتلكاته أو إلغاء امتيازاته؟
يرى الباحث المتخصص في شؤون الجيش المصري يزيد صايغ بمقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» (23/1/2023) أن اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي طموح وواسع ويمكن أن يترك أثرا لو طبق مثل أثر «الميثاق الاشتراكي» عام 1961 وقاد لعملية تأميم للاقتصاد المصري.
وأشار إلى أن سياسة الصندوق تستلهم من سياسة ملكية الدولة الجديدة التي أعدتها الحكومة العام الماضي. وتعد الوثيقة بأن تخرج الدولة من 79 في المئة من القطاعات الاقتصادية، والخروج بشكل جزئي من 45 في المئة من قطاعات أخرى وفي غضون ثلاثة أعوام، بالإضافة إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات العامة من 30 إلى 65 في المئة. ولاحظ أن السيسي الذي وافق للحصول على قرض الصندوق الدولي، سيواجه لاعبين في المؤسسات القوية وجماعات المصالح التي ستتأثر بالسياسة الجديدة. وفي النهاية قال إن السيسي يحاول تأجيل المواجهة مع الجيش الذي يسيطر على الوضع الاقتصادي، فهو سيحاول تحميل الحكومة المشاكل على أمل شراء وقت والبحث عن طرق تقيه من المخاطر، وهو يعرف أن تسامح المجتمع الدولي معه قد نفد وباتت دول الخليج أقل سخاء معه. وكما تقول «إيكونوميست» إن على السيسي إخراج الجيش من الاقتصاد أو يتوقع مساعدات أقل.

سخط متزايد

وقالت إنه عندما وصل السيسي إلى السلطة شعر المصريون بالراحة من فوضى ما بعد الثورة، لكن الكثيرين منهم فقدوا اليوم الثقة بقيادته، مع أنه لا توجد مراكز استطلاع رأي موثوقة في نظام قمعي. وبات من العادي سماع الانتقادات للرئيس في الأسواق والمقاهي والسيارات العامة. ويدعوه عدد من المقربين له بعدم الترشح في انتخابات الرئاسة المقبلة. ولا يستطيع السيسي التعويل على دعم الخارج، فقبل عقد ضخت دول الخليج 25 مليار دولار لدعم استقرار الاقتصاد، ولن تكون سخية هذه المرة، بل وتقوم بشراء الأصول المصرية وبأسعار مخفضة. بل وهناك حديث عن خصخصة السيسي شركة قناة السويس ومنح إدارتها لشركة خليجية، وهو حدث سيكون بمثابة القنبلة، فالسيطرة على قناة السويس أمر مقدس في تاريخ مصر الحديث.
وبالمحصلة، عادت مصر للمرحلة التي كانت فيها عام 2016 في ذلك الوقت حصلت على قرض بـ 12 مليارا من صندوق النقد الدولي وطبقت إصلاحات مالية مثل خفض الدعم، لكنها تناست التغيرات البنيوية التي تجعل من اقتصاد مصر تنافسيا أكثر، ومنذ ذلك الوقت تعمقت الأزمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية