مصر: ملاحظات ما بعد سقوط الإخوان

لا أستطيع إنكار أن الشعور بالخفة والحماس معد، كما هو الإحساس بالنشوة تحمل المرء منا فوق الواقع على موج التفاؤل… إلا أنه للأسف كثيراً ما يكون شعوراً عابراً سرعان ما تختقه الأحداث بوتيرتها المتسارعة ووقعها العنيف، وفي حالتي شخصياً فلم يطل ذلك الانبهار الذي بلغ حد الافتتان بضخامة ومهابة الحراك الشعبي، الذي اعتبرت أهم وأعظم منجزاته تكسير أسطورة موات وسلبية الشعب المصري، فقد تبخر ذلك على رائحة البارود والدماء التي تسيل، جراء صراعٍ دمويٍ بائسٍ ومؤلمٍ يزيد من الشرخ الذي يقسم المجتمع المصري ويصبغه باللون الأحمر، فوق كونه عبثياً محكوماً عليه مسبقاً بهزيمة الإخوان المسلمين من قبل القوات المسلحة.
حين كتبت منذ اسبوعين متنبئاً بنهاية د. مرسي الوشيكة، فإنني أكدت على الروافد العديدة التي التقت في مجرى السخط العام، من فشل وسوء أداء حكم الإخوان المسلمين، وقد وصفت الصورة وحالة القوى الاجتماعية المختلفة بالتعقيد الشديد، إلا أن أكــــثر ما يدهشــني ويزعجني الآن أن ذلك التعقيد والتخبط لا تقل حدتهما ولا تلوح أية بوادر على قرب حدوث ذلك، بل على العكس فإنى أرى الوضع ما يني يزداد رداءة وتدنيا على المستوى السياسي، بينما السواد الأعظم من الجمهور مازال منتشياً بسقوط د. مرسي موزعاً اهتمامه بين مسلسلات رمضان والالتزامات الدينية والعائلية والأحلام والأمنيات بالغد الأفضل، والأهم من ذلك بمتابعة ذلك العرض المجنون بين الجيش والشرطة من ناحية، وبين أنصار الرئيس المخلوع من ناحيةٍ أخرى كأي فيلم ‘أكشن وإثارة’ بتشفٍ وحقدٍ عارمين.
للإنصاف، فإن سلوك قيادات جماعة الإخوان المسلمين ومناصريهم بالتبعية يوفر مبرراً مريحاً لما يعيشه البلد الآن، فالجماعة التي فاجأتنا بفقر خيالها وشح كفاءاتها ما تزال مستمرة في ارتكاب الحماقة تلو الأخرى، وما اعتصام رابعة العدوية ومشتقاتها، وتلك المعارك البائسة والمحزنة الخاسرة حتماً، سوى آخر وأبلغ وأبشع دليل على ذلك. إن الجماعة لم تفعل شيئاً مذ وصلت إلى السلطة سوى الخسارة، ورصيدها الذي بدأ معقولاً اضمحل تماماً، وفي زمنٍ قياسي، وما انزلقوا إليه الآن من العنف لا يزيد الجمهور إلا نفوراً منهم وكراهيةً لهم، ولولا إحجامي (الشاق في الحقيقة…) عن الانسياق وراء سيناريوهات المؤامرة، لصدقت أن وصولهم للسلطة كان مكيدةً مدبرة لحرقهم وكشف إفلاسهم أمام الشعب والمنطقة بأسرها، حيث أن الواقع أثبت من دون شبهة تحيزٍ أن الإخوان كفيلون بأنفسهم.
بيد أن مشكلة الإخوان في السلطة ثم خارجها تتعدى قبح المشهد الراهن ودمويته وعبثيته، فقد تسببوا في مجموعة من المواقف وردود الأفعال التي أراها تشكل سماتٍ مقلقة تلقي بظلالها على الواقع الذي يتشكل أمامنا.. بداية، لقد وفروا ذريعة بفشلهم وعنفهم لكل أعداء الثورة من أمثال أولئك الذي يطلقون على أنفسهم ’19 مارس الأغلبية الصامتة’ ومن على شاكلتهم ليطعنوا في استحقاق الشعب المصري للحرية والديمقراطية، والتعامل مع الواقع المصري بمنتهى التعالي والسطحية الذي يتجاهل التاريخ بتعقيداته ومشاكله المتراكمة، وأدخلونا في مناقشات لا طائل من ورائها عن مشروعة الصناديق والتفويض الشعبي الخ.
أما من الناحية الشعبية، ترى كثيراً، إن لم يكن كل من لا يناصر الإخوان، لا يبالون بالصراع الدائر ودمويته المرعبة، ومع اعترافي بحماقات الجماعة التي ذكرت آنفاً وتحريضهم سابقاً على العنف وتعاليهم على الناس ‘موتوا بغيظكم’، فإنني لا أملك سوى التعجب من استسهال الدم والعنف، الذي تعبر عنه قطاعات متسعة تستعدي الجيش والشرطة على إبادة المتظاهرين والمعتصمين، متناسين أن الدم لا يجلب سوى الدم. إنه ليبدو كما لو أن الجمهور، في سياق الإطاحة بحكم الإخوان، الذي شكل كابوساً من الفشل جثم على صدره وإثر تشكيل حكومة معقولة ومتوازنة نوعاً ما من التكنوقراط والوجوه المقبولة شعبياً وعالمياً، قد اتخذ قراراً بعدم الاكتراث، وبالاستسلام لحالة عارمة من التفاؤل، فقلة اهتمت بالإعلان الدستوري (قارن ذلك بالجدل حول استفتاء 19 مارس الذي استهلك الجمهور) أو تسأل نفسها عن عودة الكهرباء وإمدادات الوقود، التي وصفها محللٌ غربي بالإعجاز بين عشية وضحاها. لقد سئم الجمهور باختصارٍ شديد، ويريد أن يرى نهايةً لحالة الفوضى وانقطاع الأرزاق المرهقة، فلا يريد أن يلتفت إلى الشيطان الكامن في تفاصيل الصورة المعقدة.
ومن ناحيةٍ أخرى، وفي جملة التعقيدات، نرى بين الوجوه التي برزت للصدارة كثيراً من الإعلاميين المتلونين، رجال كل العصور، ووجوه العصر السابق ينظرون ويحللون، الأمر الذي لا أنكر أنه يسبب لي قدراً معتبراً من النفور، مع احترامي بالطبع لحق الجميع في حرية التعبير… إلا أنني أخشي أن تصبح ثورة 30 يونيو العظيمة حصان طروادة الذي ستتسلل عبره قوى الثورة المضادة ومحاسيب ومنتفعو عصر السادات- مبارك إلى النسق السياسي العام، ورد اعتبارٍ لا يستحقونه، باعتبار أنهم أثبتوا أنهم أقلل ضرراً من الإخوان.
غير أن أبرز السمات في رأيي هو نجاح المؤسسة العسكرية تحت قيادة الفريق السيسي في ترميم شعبيتها التي تصدعت طيلة إدارة المجلس الأعلى في الفترة الانتقالية، وما تخللها من صداماتٍ مسلحة مع المعتصمين في ماسبيرو وكشوف العذرية الخ… لقد نسي الجمهور بعد وقوف الجيـــش إلى جانبهم مطيحاً بحكم الإخوان، وفي غمرة كرههم ورفضهم لحكــــمهم، تلك المحطات المهمة، وإن تذكروها فهم يلصقونها بأشخاصٍ بعيـــنهم كالمشير طنطاوي والفريق عنان خرجوا من الصورة الرسمية؛ إننا لا نبالغ إذا قلنا ان القوات المسلحة خرجت من هذا الفصل الأخير أكبر الفصائل وأفضلها تنظيماً وأكثرها شعبيةً وحائزة على تفويضٍ شعبي بامتياز، حتى أن الفريق السيسي صار بطلاً شعبياً تعلق صوره في المقاهي والأماكن العامة.
إن الحكومة الجديدة لا تعني بالضرورة الخروج من الأزمة الاقتصادية، وإن كان الاستقرار وكفاءة الوزراء ومساعدات الجوار على الإغلب ستنعكس إيجابا على الاقتصاد في ما أتصور، لكن ما يغيب عن الكثـــيرين في فورة الحماس أن الصراع الاجتماعي الحقيقي لم يبدأ بعد، فقد عطله الإخوان بمشروع التمكين وصراعات الهوية الخارجة عن التاريخ، كما أن شكل مصر الجديدة مرهون بتجاذبات القوى المختلفة والتوازنات بينها في الفترة المقبلة.

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية