مصر: من سامسونغ إلى نوكيا السلطة توزع الرعب بالتساوي بين ثوار يناير وحراك سبتمبر

حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”: أصبح امتلاك هاتف ذكي ينتمي للجيل الرابع أو الخامس الذي لم يدخل الخدمة بعد في القاهرة، لعنة يهرب منها السواد الأعظم من المصريين بسبب حالة الرعب التي يعيشونها في الوقت الراهن. فأعداد من تم القبض عليهم قبل شهر على خلفية الحراك الذي شهدته البلاد خلال سفر الرئيس السيسي للولايات المتحدة تجاوز الـ2000 شخص معظمهم كانت هواتفهم المحمولة سببا في توجيه اتهامات لهم بممارسة أعمال تدعم الجماعات الإرهابية وتهدد استقرار الدولة.

تريد السلطة القائمة في مصر إعادة الملايين لزمن ما قبل تكنولوجيا الجيل الرابع والثالث من الهواتف الذكية، فلا مواقع تواصل اجتماعي تمثل للحكومة تهديداً وجودياً على بسط نفوذها ولا “يوتيوب” حيث يطل من خلاله المقاول الهارب وآخرون ساروا على دربه فباتوا يمثلون صداعاً في رأس الحكومة. فسواء كنت سائحاً أجنبياً أو وافداً عربياً لست في حاجة لمزيد من الجهد وأنت تتجول في العاصمة كي ترصد الخوف الذي يسكن عيون نشطاء يناير خاصة في محطات مترو الأنفاق أو الأماكن العامة تلك التي باتت مصيدة لأقتناص الشباب والتهمة جاهزة سلفاً “اساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لخدمة أهداف جماعة إرهابية “.

منذ العشرين من الشهر الماضي بات الهاتف المحمول في جيب المواطن يرقى في الخطورة لمستوى القنبلة فحال تفتيش صفحتك الشخصية تغدو المسافة بينك وبين أي من سجون العاصمة أقرب جداً من المسافة لمنزلك. وبعد مرور شهر تقريباً على مظاهرات 20 أيلول/سبتمبر الماضي التي مثلت إرباكاً للنظام الذي أرساه الرئيس السيسي على رفات دولة الإخوان المسلمين، ما زال التوتر يعصف بالمؤسسة، إذ لم تتوقف حملات القبض والملاحقة كل صباح تقريباً يفاجئ ثوار “يناير” الذين باتوا مصدر كراهية السلطة وأعواتها بنبأ القبض على أحد أصدقائهم. الرسالة التي مطلوب أن يستوعبها هؤلاء “لن ندعكم حتى تحلمون بحراك ثوري جديد. والحالة هكذا فليس من مهمة تسعى السلطة لإنجازها سوى نشر الخوف في كل بيت وكل منزل وكل حارة”. كان صريحاً صاحب المقام الرئاسي حينما قالها من دون مواربة “لن نسمح باللي حصل في 2011 أن يتكرر”.

الرعب الثوري

تمتلك المؤسسة الحاكمة في مصر وأذرعها من الخبرات ما يتيح لها بأي حال التعامل مع أي مستجدات بل وتجهز لسيناريوهات مختلفة حال إذا ما فوجئت بأي حراك أو هبة ثورية جديدة على غرار ما حدث في العشرين من الشهر المنصرم حينما شهدت عدد من المحافظات مسيرات محدودة وهو الذي دفع بالمؤسسة الأمنية لتوسيع دائرة الاشتباه ليصبح الهاتف المحمول أبرز مبررات الشرطة في اصطياد معارضي السلطة، وهو السلوك الذي حظي بتنديد مؤسسات حقوقية أبرزها المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي شجب ما يتعرض له المواطن من ملاحقة.

تنشر السلطة القائمة الخوف بقدر معلوم على كافة المعارضين بمختلف توجهاتهم اعتقاداً منها بأن سلاح الرعب هو الأمثل في التعامل مع صناع ثورة يناير الذين باتوا ملاحقين أينما ذهبوا على مختلف توجهاتهم. لكن ها هي السلطة من فرط اندفاعها تهدي المعارضين مزيداً من البراهين التي تدفعهم للاتحاد من جديد، إذ توزع الظلم بالتساوي بين الإسلاميين وخصومهم بحيث لم يعد هناك من فصيل ليس له وكلاء خلف الزنازين. من أبرز الوجوه الثورية التي باتت حبيسة الزنازين من جديد بالتأكيد علاء عبد الفتاح، الذي كان قد أفرج عنه منذ شهور على ذمة التدابير الإحترازية التي تلزمه بقضاء نصف يومه في غرفة ملحقة بقسم الشرطة. وتبلغ المأساة ذروتها حينما يجد محاميه محمد الباقر متهماً عندما توجه للنيابة للدفاع عنه. وتتعدد أوجه الكوميديا السوداء حينما تسمح الحكومة لباقر بالخروج لحضور جنازة والده بينما هو في قبضة ضابط كبير فيما بعض زملائه يؤثرون السلامة ويقررون عدم حضور الجنازة بعد تقارير وصلت إليهم ان اعتقالهم من قلب الجنازة أمر وارد بقوة.

وتروي بيسان كساب مشاعر الخوف عبر صفحتها الشخصية: “أنا عاوزة اتكلم بس عن موقف عابر محمل في كل تفاصيله بمعنى الإرهاب. النهاردة كنت رايحة صلاة الجنازة على والد محمد الباقر في مصر الجديدة اللي هي مسقط رأسي وعشت فيها طول حياتي والجامع أصلا معروف جدا لأهل المنطقة وجنب بيت عيلتي جدا. حد من عيلتي نصحني أركن العربية بعيد عشان الظروف الأمنية. وبعدين وصلت وركنت بعيد شوية وحسيت بالخوف جدا اني أروح جنازة والد معتقل سياسي وانا معايا موبايلي فسبته في العربية وبعدين وصلت لقيت الجنازة طلعت وفاتتني أصلا فيسأل واحد واقف عن الجنازة قال لي طلعت وبعدين سألني بسماجة كدة هو انت من 6 ابريل؟ فبصيت له باحتقار وسبته ومشيت ولمحت على وشه ابتسامة (عليكي واحد…عرفت اخوفك)…الحقيقة اني خفت فعلا ومشيت امد في محيط بيتي من يوم ما اتولدت…مرعوبة ولازم أركن عربيتي بعيد…مرعوبة أشيل شنطة فيها موبايل …مرعوبة من الناس الأغراب ولازم أبعد عن الجامع بسرعة وأمشي أتلفت وأسأل نفسي يا ترى الحيوان ده خد باله اني قلقانة كأني عاملة عملة …الإذلال ده هو الإرهاب”. توزيع الرعب بالتساوي كان من ثمرته دفع الكثيرين للتعاهد على نبذ الخوف. وها هو علاء عبد الفتاح يقص ما جرى له من حفل استقباله على أيدي الحراس فور عودته للسجن وتهديده حال الأفصاح عما جرى له أمام النيابة ولكنه قرر الكشف عن كل ما تلقاه من تعذيب وعلى هديه سارت إسراء عبد الفتاح آخر من وصلن للزنازين من الفتيات وتتعرض منذ أن صدر قرار بحبسها لحملة تشويه غير مسبوقة من قبل أذرع السلطة الإعلامية، وهو الأمر الذي دفع مجموعة من رموز الصحافيين المعارضين للتقدم ببلاغ لنقيب الصحافيين ضياء رشوان يطالبون خلاله بضرورة مسائلة كل من شارك في تشويه أعراض الناشطين وفصله.

مبارك ناشط سياسي

تذوق الدكتاتور مبارك الذي تحول من رئيس سابق إلى “يوتيوبر” بارع مؤخراً بطش السلطة. فوفقاً لمصدر مقرب منه فشلت عائلته في بث شريط فيديو له عبر أي من الفضائيات ليتحدث خلاله عن دوره في انتصارات اكتوبر وذلك بمناسبة ذكرى العبور، ما كلفه في نهاية الأمر تدشين قناة على موقع يوتيوب مقلداً الشباب والصبية الباحثين عن مزيد من “اللايكات” وقد ضاقت بمبارك السبل على الرغم من أنه الملهم والأب الروحي للسلطة الحاكمة والتي تستمد خبراتها من دولته الأمنية تلك التي أسس لبناتها الوزير الذي نال براءته من كافة التهم التي واجهته حبيب العادلي. كل الشواهد على لسان الكثير من الثوار تؤكد أن مبارك كان دكتاتورا متواضعاً بالنسبة لما تواجهه القوى الثورية الآن من ملاحقة وتضييق. من حق مبارك ان يتنفس الصعداء بعد ان عادت إليه بعض شعبيته على حد رأي بعض شباب الثورة الذين يجدون صعوبة شديدة في الجلوس على المقاهي أو الإعداد لندوة تناقش الظروف الراهنة خاصة بعد ما شهدته البلاد خلال الشهر الماضي حيث انطلقت حملة أمنية غير مسبوقة نتج عنها اعتقال الكثيرين وتوسيع دائرة الاشتباه وتشديد أمني في الشوارع ومحطات القطارات ومترو الأنفاق. وشملت الاعتقالات أسماء نشطاء وسياسيين وأكاديميين من كل الأعمار عبر إجراءات أمنية هي الأعنف منذ ان ذاقت السلطة الحاكمة طعم القلق مؤخراً لأن أصوات الغاضبين جاءت على غير موعد بعد ما توقع النظام أن الجماهير دانت له بالولاء. ومما يعزز من الآراء التي تشير لضيق صدر السلطة أقدامها على اعتقال ثلة من رموز المجتمع في مقدمتهم الأكاديميين البارزين حسن نافعة وحازم حسني وخالد داوود وإسراء عبد الفتاح فضلاً عن اعتقال شخصيات لامعة من مختلف ألوان الطيف. واللافت أنه منذ أن أعلن عدد من المعارضين من بينهم الفنان والمقاول محمد علي تحديهم للفساد باتت الحكومة تعض أصابعها خوفاً وشكاً في أقرب المقربين منها لأجل ذلك عادت التفتيش في ولاءاتها القديمة ليبلغ القلق مداه حتى من التجمعات الرياضية، حيث أعلن اتحاد الكرة المصري برئاسة عمرو الجنايني، تأجيل مباراة القمة بين الأهلي والزمالك عبر بيان رسمي للاتحاد. وقال البيان: “قرر الاتحاد المصري لكره القدم تأجيل مباراة الأهلي والزمالك، والتي كان مقررا اقامتها يوم السبت ضمن الجولة الرابعة لمسابقة الدوري الممتاز، وسوف يحدد موعد جديد للمباراة في وقت لاحق”. واعتبر مراقبون القرار يكشف بجلاء عن حالة من الخوف والقلق ترزح تحتها الحكومة وأشارت إلى أن تأجيل المباراة تم لأسباب أمنية وهو ما اعتبره نشطاء ثورة يناير دليلا على ان حراك 20 سبتمبر لم يكن بأي حال وهما. ومن جانبه كشف الأكاديمي نور فرحات عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك عن أن عصرنا يحمل كثيرا من ملامح عصر مصر العثمانية. وأشار إلى أن علاقة الدولة بأهل مصر تنحصر في جباية الخراج وتسلط العسس على البغاة ان يكون المواطن آمنا أو غير آمن على نفسه وماله، لا يهم؛ ما دام الأمر بعيدا عن أمن الحاكم واهتمامه. الشعار هو: افعل ما بدا لك ما دمت لا تقترب من حظيرة الذئاب. لا تطلب من الدولة ما هو خارج عن همة المباشرين (الموظفين). فيما اعترف عمار علي حسن بأن أغلب من حكموا الدول العربية بعد رحيل الاستعمار نهبوا خيرها، واستعبدوا أهلها، وأخرجوها من التاريخ.

الحل الأمثل

اقترح حزب التحالف الشعبي الاشتراكي عدداً من الإجراءات التي على الحكومة القيام بها من أجل القضاء على حالة الاحتقان التي تخيم على المشهد السياسي منها الافراج الفورى عن سجناء الرأى المحبوسين احتياطيا واصدار تشريع بالعفو الشامل عن كل سجناء الرأي، من مختلف التيارات، غير المدانين فى قضايا عنف وان يتضمن التشريع الغاء التدابير الاحترازية وكل أشكال التنكيل بالمعارضين. وإطلاق المواقع الإعلامية المحظورة وانفتاح أجهزة الإعلام المملوكة للدولة على كل تيارات المجتمع وتأكيد الحق في التعددية والتنوع. وكذلك رفع كل أشكال حصار الأحزاب ومصادرة التنظيم النقابي المستقل واحترام المبادئ الخاصة باستقلال السلطة القضائية واحترام حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية ومواد الدستور الخاصة بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية شاملة حقوق الاجتماع والاضراب والاعتصام والتظاهر في إطار العمل السلمي الديمقراطي. كما طالب التحالف بإجراء انتخابات المجالس النيابية المختلفة بنظام القوائم النسبية المفتوحة غير المشروطة وعدم تدخل أجهزة الدولة لصالح الموالاة، الأمر الذي يضعف دورها الرقابي والتشريعي معا. واهتم بتعزيز دور الأجهزة الرقابية فى مكافحة الفساد وتاكيد استقلال عملها بعيدا عن هيمنة السلطة التنفيذية المنوط بها مراقبة أعمالها. وإنشاء مفوضية لمكافحة الفساد وإلغاء التشريعات التي تشكل البيئة الحاضنة للفساد مثل الشراء بالأمر المباشر وتحصين العقود الحكومية وعدم اتخاذ إجراءات قضائية بناء على تقارير الأجهزة الرقابية وإصدار قانون حماية الشهود والمبلغين. وعبر التحالف عن تقدير الجماهير لدور القوات المسلحة العظيم في الدفاع عن الوطن ووحدة وقدسية أراضيه وعدم الزج بها في مواضع شبهات وفي تجاذبات السياسة والاقتصاد تأكيدا لمكانتها والتفاف الشعب حولها. ودعا لمراجعة كل الاتفاقيات التي تمس سيادة مصر على حدودها أرضا وبحرا وجوا وعلى كل مواردها من المياه ومصادر الطاقة والتعدين.

كما طالب بإعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة بوقف الهدر والتبديد بالانفاق على مشروعات ترفية سفيهة غير منتجة، ووقف الاستدانة المنفلته والتركيز على المشروعات الإنتاجية، في الصناعة والزراعة، والالتزام بنهج العدالة الاجتماعية بالحد من سياسة الجباية وإصلاح النظام الضريبي.

وقف سياسات الخصخصة وبيع الأصول وتوفير التمويل اللازم لتشغيل المصانع المتوقفة بالقطاعين العام والخاص بما يساهم في تخفيض البطالة وزيادة القيمة المضافة.

معارضون

عقب مظاهرات الـ20 من أيلول/سبتمبر، ظهر للعلن عدد من الإعلاميين والبرلمانيين المقربين من السلطة معلنين وسط دهشة الأغلبية ضرورة فتح أبواب التعبير والنقد وهو ما فسره كثيرون باعتباره أوامر عليا ومن أبرز من هاجم الكبت والقمع خلال الفترة الماضية الإعلامي المقرب من الحكومة وعضو البرلمان مصطفى بكري، وهو الأمر الذي فسره البعض بأن هناك أطرافاً في النظام تخطط لعمل ثغرة في المجال السياسي تسمح للمعارضة المدنية بالنقد وممارسة دور رقابي. وشدد بكري، على ضرورة قبول الرأي الآخر محذراً من قيام ثورة جديدة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، ومحذراً من سقوط مدوي للطبقة المتوسطة في دائرة الفوضى. وفي ذات السياق خرج بعض المقربين من الرئيس ليعلنوا عن قرب فتح المجال أمام المعارضين للتعبير والنقد ومن بين هؤلاء الصحافي ياسر رزق الذي أشار إلى مزيد من الإجراءات المقرر اتخاذها بهدف زيادة مساحة الحريات، فيما خرج الإعلامي عمرو أديب بتصريحات أشاعت مناخاً من التفاؤل إذ طالب بضرورة الإفراج عن النشطاء والمعارضين ممن لم يتعاونوا مع الإخوان ولم يحرضوا على سلطة الرئيس السيسي أو لوثت أياديهم بالدماء.

وداعاً للفيس

من أبرز تجليات حراك الشهر السابق حالة الذعر التي خيمت على أولياء الأمور على وجه التحديد خوفاً على أولادهم من الاعتقال بسبب تواصلهم مع صفحات مطلوبين أو معارضين للحكومة. ويعترف الكثير من هؤلاء بأنهم يجبرون أبنائهم على ترك هواتفهم في المنزل خشية ما لا يحمد عقباه، فيما أجبرت الكثير من الأمهات أولادهن على إلغاء الإشتراك في مواقع التواصل الاجتماعي خوفاً من تفتيش الشرطة. وبدوره يعارض الداعية إسلام عبد الرحمن إهدار الوقت فيما لا خير من ورائه، وأشار إلى أن تلك المواقع تتسبب في الكثير من المخاطر أبرزها الوقيعة بين المواطنين ونشر الفتن فيما بينهم ولم ينف عبد الرحمن ان تلك المواقع بلا منفعة مشدداً على أنها تفيد الإنسان بالطبع شريطة أن يحذر منها بسبب ضياع الوقت ونشر البغضاء والفتن بين المواطنين وهو ما يخدم أجندة العدو.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية