القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، التي أكد فيها عدم قلقه من دعوات التظاهر التي انطلقت قبل أسبوع وما زالت مستمرة، جاءت ردود أفعال الأجهزة الأمنية، في محاولة لإحباط أي تحرك شعبي متوقع، لتثبت العكس، من خلال توسيع دائرة الاعتقال لتطال حتى نشطاء سياسيين يخضعون للمراقبة السياسية أو التدابير الاحترازية في أقسام الشرطة بعد خروجهم من السجن.
وكانت حملات الاعتقال التي شنتها الأجهزة الأمنية منذ يوم الجمعة قبل الماضي، تزامنا مع خروج أول مظاهرة، استجابة للدعوة التي أطلقها الفنان المصري محمد علي، صاحب شركة المقاولات للمطالبة بالإطاحة بالسيسي، وهي الحملة التي طالت أكثر من ألفي شخص حسب إحصائيات مراكز حقوقية، وضمت، صحافيين ومحامين وأكاديميين وشعراء.
وأمس الأحد، اختطفت قوة أمنية الناشط السياسي المصري علاء عبد الفتاح، من داخل قسم الدقي.
وأعلن المحامي الحقوقي المصري، خالد علي، أنه تلقى اتصالاهاتفيًا من ليلى سويف، والدة عبد الفتاح، تخطره أنها كانت تقف أمام قسم الدقي في انتظار خروج علاء من المراقبة الشرطية المقررة عليه يوميًا من السادسة مساءً إلى السادسة صباحًا، إلا أنه لم يخرج، وجاءت مأمورية لاستلامه من القسم واصطحابه الى مكان غير معلوم.
وتابع عبر حسابه الخاص على «فيسبوك»، أن «منى شقيقة علاء، تمكنت من الدخول للقسم للسؤال عنه فأخطروها بأنه مقبوض عليه، وتم ترحيله لنيابة أمن الدولة للتحقيق معه».
أحداث مجلس الشورى
وعبد الفتاح أفرج عنه في 29 مارس/آذار الماضي، بعد قضائه خمس سنوات في السجن، في قضية عرفت إعلاميا باسم «أحداث مجلس الشورى».
لكن الحكم القضائي كان يشمل خمس سنوات من المراقبة الشرطية، أي أنه مطالب بتسليم نفسه للسلطات من السادسة مساءً حتى السادسة صباحًا يوميًا لقسم الشرطة التابع له عند انتهاء عقوبة السجن، ضمن ما تسمى بالإجراءات الاحترازية.
وتبنت أسرة عبد الفتاح الدعوة لوقف تنفيذ المراقبة الشرطية أو تحويلها لمراقبة في المنزل في الساعات نفسها المقررة، ودشنوا وسم «سجن نص يوم» تم التدوين عليه بكثافة.
لم يكن عبد الفتاح الوحيد، الذي اعتقل خلال وجوده في أحد أقسام الشرطة، فالمدون والمصور الصحافي محمد إبراهيم محمد رضوان المعروف بـ«محمد أكسجين»، فوجئ بقوة من جهاز الأمن الوطني المصري، بإلقاء القبض عليه، أثناء وجوده في أحد أقسام الشرطة، لقضاء فترة التدابير الاحترازية، وأخفته قسريا.
و«محمد أكسجين»، مؤسس صفحة تواصل اجتماعي وقناة «يوتيوب» باسم «أكسجين مصر»، أفرج عنه قبل شهر بعد اعتقال استمر أشهرا بتهمة «نشر أخبار كاذبة»، بعد استبدال الحبس الاحتياطي، بتدابير احترازية، تقضي بتوجهه إلى قسم الشرطة يومان أسبوعيا.
والصحافي المصري حسن القباني، الذي خرج من السجن، بعد استبدال النيابة الحبس الاحتياطي بالتدابير الاحترازية، اعتقل هو الآخر، يوم 18 سبتمبر/أيلول، أثناء حضوره جلسة تجديد التدابير الاحترازية، ولا توجد معلومات عن مكان احتجازه حتى الآن.
احتجاز علاء عبد الفتاح خلال قضائه فترة المراقبة في قسم الشرطة… ومطالبات بكشف مصير شاعرة وروائي
ويأتي اعتقال القباني بعد 3 أشهر من اعتقال زوجته الصحافية آية علاء حسني، لاتهامها «بنشر أخبار كاذبة» على خلفية دفاعها عن زوجها خلال فترة اعتقاله، حيث كان يرعى ابنتيهما، همس وهيا، خلال اعتقال زوجته. وكان قد اعتقل في يناير/كانون الثاني 2015 قبل أن يتم إخلاء سبيله بتدابير احترازية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017.
أما زوجته، آية علاء حسني، فقد ظهرت في نيابة أمن الدولة، يوم 29 يونيو/حزيران 2019 على ذمة القضية رقم 640 لسنة 2018 لاتهامها بالتواصل مع قنوات إخبارية على خلفية الحديث عن قضيته أثناء اعتقاله في سجن العقرب.
وجاء ظهورها، بعد اختفاء 12 يوماً منذ توقيفها أثناء ذهابها إلى تأدية واجب العزاء لأسرة محمد مرسي في مدينة الشيخ زايد، وتقرر حبسها 15 يوماً على ذمة القضية.
وما زال مصير العشرات من المعتقلين في الحملة التي شنتها أجهزة الأمن المصرية، غامضا، في ظل عدم ظهورهم حتى الآن سواء في نيابة أمن الدولة، أو حتى إعلان الأجهزة الأمنية أماكن احتجازهم. سياسة الاختفاء القسري بحق المعتقلين، دفعت أكثر من 250 كاتبا وروائيا مصريا، لإصدار بيان طالبوا فيه الأجهزة الأمنية بإجلاء مصير الشاعرة المصرية أمينة عبد الله، والروائي المصري محمد علاء الدين.
وقال الروائيون والكتاب في بيانهم: «فوجئنا يوم السبت الموافق 21 سبتمبر/ أيلول الجاري، وفي غمرة الأحداث المتلاحقة التي تمر بها البلاد، بذيوع أنباء عن توقيف الشاعرة أمينة عبد الله، أثناء مرورها بجوار منزلها في منطقة وسط البلد، وبعد ثلاثة أيام فوجئنا بأنباء أخرى تؤكّد اختفاء الكاتب الروائي محمد علاء الدين، بمجرد نزوله من بيته في منطقة الدقي. ورغم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية لمعرفة مصير كل منهما، إلا أن الأجهزة المعنية لم تقدّم أي إفادات». وطالب الموقعون على هذا البيان، الجهات المختصة بالكشف الفوري عن مكان وجود علاء الدين وعبد الله، وتوفير كل الضمانات التي تكفل لهما حريتهما، وحقهما في التعبير عن الرأي، كما طالبوا نقابة اتحاد كتّاب مصر، ووزارة الثقافة بالقيام بالدور المنوط بهما في حماية الكتّاب والمثقفين.
كبت حرية التعبير
وأكدوا أن «الكتّاب والمثقفين وقادة الرأي، هم طليعة الأمم، ومشاعل ضوئها، وعلى الدولة أن تكفُل لهم السبل كافة للتعبير عن الرأي بحرية تامة، بعيدا عن أي تهديد أو تقييد أو تضييق إعلامي، فإنّ كبت حرية التعبير تحت أي ذريعة، لن يصبّ إلا في مصلحة الجماعات المتطرفة، التي تتحيّن الفرصة للانقضاض على مقدرات الدولة وتقويض مؤسساتها، فالفكر وحده هو القادر على التصدي للتطرف ومحاربة أقطابه». وأهاب الكتاب والمثقفون الموقعون على البيان «بكافة الوسائل الإعلامية عدم تأويل أو ترجمة ما ورد في سطور هذا البيان بشكل خاطئ، واتخاذه ذريعة للهجوم عليهم، واتهامهم كذبا بما درجت بعض المنابر الإعلامية على إطلاقه دون سند أو دليل».
في السياق، أكد حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي»، أن مصير عبد الناصر إسماعيل نائب رئيس حزب ورئيس اتحاد المعلمين المصريين لا يزال غير معروف.
وقال في بيان، إن نائبه ما زال مختفيا قسريا ً منذ أن تم اقتياده من منزله فجر الإثنين الماضي الموافق الثالث والعشرين من سبتمبر/ أيلول الجاري.
وتابع: «بعد إرسال العديد من التلغرافات واستخدام كافة الإجراءات والأساليب القانونية المتاحة في البحث عنه ولكن دون جدوى، حتى الآن لم يستدل على مكان وجوده ولم يأتنا رد من أي سلطة من السلطات المختصة عن أمنه وسلامته».
بلاغان ضد أحمد طنطاوي وحمدين صباحي واتهامهما بإهانة السيسي والتحريض على التظاهر
فيما يبدو أن نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستهدف استغلال الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها مصر، لتصفية حساباته مع معارضيه، بدأ عدد من المحامين المعروفين بكثافة بلاغاتهم ضد المعارضين، بشن حملة تقديم بلاغات إلى نيابة أمن الدولة العليا ضد حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق ومؤسس حزب تيار الكرامة، والنائب المستقل أحمد طنطاوي المعروف بقربه من الحزب، يتهمونهما فيها بالتحريض ضد الدولة ومشاركة جماعة إرهابية في أهدافها.
البلاغ الأول تقدم به المحامي طارق محمود، إلى المدعي العام الأول لنيابات استئناف الإسكندرية، قيد تحت رقم 5835 لسنة 2019 ضد القيادي البارز في حزب تيار الكرامة، حمدين صباحي. وزعم محمود في بلاغه أن «صباحي معروف بعلاقاته الوثيقة مع جماعة الإخوان الإرهابية وقياداتها في الداخل والخارج».
وتابع أنه «استجابة منه للدعوات التحريضية الصادرة من الجماعة الإرهابية وبعض العملاء لجهات أجنبية معادية للدولة المصرية الذين يتلقون تمويلات ضخمة نظير عمالتهم ضد مصر، أصدر تعليمات لشباب حزب الكرامة في الإسكندرية وبعض المحافظات للخروج في مظاهرات ضد مؤسسات الدولة تطالب بإسقاطها، ومنعها من ممارسة أعمالها الدستورية والتشريعية، وبث الرعب في نفوس المواطنين وقطع الطرق وتخريب الممتلكات العامة والخاصة والتحريض على قيادات الدولة وعلى رأسها رئيس الجمهورية».
وحسب المبلغ «صباحي أصدر توجيها للجان الحزب للإضرار بالمصالح العليا للبلاد، وإسقاط مؤسسات الدولة ونشر الفوضى في البلاد وتكدير الأمن والسلم الاجتماعيين». وطالب محمود في ختام بلاغه «بفتح تحقيقات عاجلة وفورية في وقائع البلاغ المقدم، وإصدار أمر ضبط وإحضار لحمدين صباحي لحين انتهاء التحقيق معه في الاتهامات الموجهة إليه، ووضع اسمه على قوائم الممنوعين من السفر، وإحالته إلى محاكمة جنائية عاجلة».
بلاغ آخر تقدم به المحامي سمير صبري إلى النائب العام المصري ونيابة أمن الدولة العليا، اتهم فيه النائب أحمد طنطاوي بـ« إهانة رئيس الجمهورية، والتحريض على التظاهر».
وأضاف في بلاغه، أن «النائب نشر تغريدات على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي تويتر أهان فيها السيسي، ووصفه بأوصاف من السخرية والتهكم والتي تعد من قبيل الجرائم التي يعاقب عليها القانون».
وتابع أن «هذه هي ليست المرة الأولى التي يقوم فيها بمهاجمة رئيس الجمهورية، وقد اعتاد في الكثير من المناسبات وعلى مرأى ومسمع من جميع أعضاء المجلس، وعلى شاشات التلفزيون بمثل تلك الأفعال التي انتقدها العديد من الناس بالطريقة التهكمية التي يتكلم بها عن رئيس الدولة، وأيضا دعوة منه إلى التظاهر والتحريض للنزول الى الشوارع ضد رئيس الجمهورية».
كما طالب صبري بـ«التحقيق في البلاغ وإحالة أحمد طنطاوي للمحاكمة الجنائية العاجلة».
مراسلون بلا حدود: موجة اعتقالات تطال الصحافيين وحجب للمواقع الإلكترونية
قالت مؤسسة «مراسلون بلا حدود»، أمس الأحد، إن عدد الصحافيين المحتجزين في مصر ارتفع إلى 31 صحافيا.
وبينت أنه «بعد أسبوع من اندلاع الحراك الاحتجاجي في مصر، اعتُقل حتى الآن ما لا يقل عن 6 صحافيين، بينما طالت آلة الحجب عدة مواقع إلكترونية».
وأدانت «المحاولة الجديدة من السلطات المصرية لتكميم وسائل الإعلام».
وزادت: «منذ بداية الحراك الشعبي، الذي أطلقه الممثل والمقاول محمد علي في 20 سبتمبر/أيلول، تم اعتقال ما لا يقل عن ستة صحافيين حتى الآن، ليرتفع بذلك عدد الصحافيين المحتجزين في مصر إلى 31».
وحسب المؤسسة: «منذ بداية موجة الاحتجاجات، أُلقي القبض على الصحافية إنجي عبد الوهاب، التي كانت تقضي منذ أسابيع فترة تدريب في جريدة «المصري اليوم»، حيث تم اعتقالها بينما كانت تنجز ريبورتاجاً في ميدان التحرير».
وفي اليوم نفسه «ألقي القبض على عمر هشام، وهو مصور لموقع «مصراوي» الإخباري، أثناء وجوده في الميدان، وبعثت إدارة الموقع رسالة إلى محاميه تؤكد أنه قد تم إرساله لتغطية احتفالات جماهير نادي الأهلي لكرة القدم بإحراز كأس السوبر المصري مساء اليوم نفسه. كما شهد هذا الأسبوع احتجاز المدون محمد أكسجين مرة أخرى، بعد أقل من شهرين على إطلاق سراحه بتدابير احترازية في 31 يوليو/ تموز».
صابرين النوي، مسؤولة مكتب الشرق الأوسط في» مراسلون بلا حدود»، قالت: «يجب على الحكومة المصرية الكف عن تكميم وسائل الإعلام عبر منع الصحافيين من القيام بعملهم أثناء عمليات التعبئة الشعبية»، مضيفة أن «هذه الموجة الجديدة من الاعتقالات تُظهر مرة أخرى التعتيم الذي يتسم به النظام الحالي، وهو النظام الذي ينتهك باستمرار حق المواطنين في الحصول على المعلومات».
يُذكر أن مصر تقبع في المرتبة 163 (من أصل 180 بلداً) على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي نشرته مراسلون بلا حدود في وقت سابق هذا العام.