مصر: هل غدت مهمة الحاكم الانغماس في ادارة الفساد؟
محمد عبدالحكم ديابمصر: هل غدت مهمة الحاكم الانغماس في ادارة الفساد؟من خصائص الفكر الجديد ، الذي ليس فيه جديد، ويتبناه الرئيس الموازي ، جمال مبارك، هو منظومة القيم والأفكار التي تزكي نهب المال العام واغتصاب الحكم واحتكار الثروة وامتلاك النفوذ، ومنها ما يتعلق بالمسؤولية عن الفساد الذي يعم البلاد، ويغطي جسد الدولة من رأسها إلي اخمص قدميها، بتحميل المسؤولية للشعب.ولاحظت ذلك في تعليق واحد من رجال جمال مبارك في برنامج فضائي تناول ظاهرة الفساد في مصر، وبحثا في تفسير رفع الحصانة عن صاحب العبارة الغارقة، التي أودت بحياة أكثر من ألف مسافر، بعد هروبه. والسماح بسماع أقوال رئيس مجلس إدارة الأهرام السابق، فيما هو منسوب إليه من فساد واستغلال نفوذ، وتبديد مئات الملايين من الجنيهات المصرية.. تم الرد علي قٍدَم وعمومية الفساد وانتشاره، وتحوله إلي منظومة تتحكم في مفاصل المجتمع وعصبه الحيوي، وارتباط ذلك بإدارة نظام الحكم للفساد وتأكيده وترسيخه، وفي مواجهة عرض الوقائع والأمثلة تم القول بأن هذا الكلام غير محدد، والمشكلة الحقيقية ليست في فساد الحكم إنما في فساد الشعب!!.ومثل هذا الكلام فضلا عن أنه غير مسؤول، هو محاولة للتغطية علي الفساد، وما ترتب عليه من جرائم وفضائح يتابعها الناس علي كل المستويات.. ولن نقول بأن ذلك المنطق مغرض، ونكتفي بالاستغراب من هذه الجرأة الزائدة علي الحقائق والوقائع، ومن هذا المستوي من عمي البصر والبصيرة لمنتسبي أمانة السياسات، وموالي الرئيس الموازي ، وهذا يؤكد أن هذه اللغة ليست إلا تعبيرا عن وصول الفساد إلي مدي لا يريد فيه المفسدون ستر عوراتهم، يتركونها عارية مفضوحة، ويلومون الشعب بدلا من إصلاح ذواتهم. ولم يبق أمامهم إلا التخلص من الشعب وتغييره ونفيه من البلاد، عقابا له علي فساده المزعوم!! وبهذا حولوا القاعدة التي تقول الناس علي دين ملوكهم إلي أخري مخالفة تزعم أن الحكام علي دين شعوبهم !!.. منطق معيب ومريض، إلا أنه يساعد علي فهم لغة التعامل مع الشعب. فحسني مبارك يتكلم إلي الناس وكأنهم عالة عليه، وكثيرا ما عايرهم بفقرهم وتناسلهم، ومَنّ عليهم، وهو يقنعهم بقبول الفساد، لأنه، حسب رأيه، موجود في كل مكان، وكأن لسان حاله يقول: إن وجود الفساد يمنح رخصا بممارسته، دون خجل أو حرج. وهذه اللغة التي تتذرع بالفساد لتأخذ به، هي عكس كل الاتجاهات والسياسات في النظم التي تعمل من أجل مصلحة شعوبها، فتضع محاربة الفساد علي رأس أولوياتها.وهنا يظهر الفارق بين حاكم يقود نظاما مهمته مواجهة الفساد ومعالجة مسبباته وتغيير البيئة المساعدة عليه والمشجعة له، وآخر يقبل به، وينغمس فيه، ويجعل منه منظومة تحقق له وللدوائر القريبة منه أقصي المكاسب والمنافع والنفوذ، الأول حاكم مسؤول يقدر معني المسؤولية، والثاني غير مسؤول، يضع المصلحة الذاتية فوق المصلحة العامة، وحسني مبارك يتحدث إلي المصريين بمنطق ولي النعم، من الأباطرة وملوك العصور الوسطي في تعاملهم مع الأقنان والعبيد، فهو عندما يتحدث اليهم يقول حأوكلكم منين أي من أين آتي لكم بالطعام والمؤن!! أو السنة دي سودا والسنة الجاية أسود منها .. أي أن هذه السنة سوداء والقادمة أكثر سوادا!!، وكأن المصريين شعب من العجزة والمعوقين والأرامل وذوي العاهات، غير القادرين علي العمل والكسب. وبسبب ذلك يتحمل حسني مبارك ما فوق طاقته، ليوفر لهم الطعام، هذا بينما أموال هذا الشعب المغتصبة هي مصدر المتعة والبهجة التي ينعم بها، وجعلت منه أحد أغني حكام العالم، ومن أولاده أكبر رجال مال وأعمال في المنطقة العربية، ولأن هاجس التكويش هو المسيطر، فلا حسني مبارك ولا عائلته يستشعرون أن هذا المنطق يقلل من قدرهم. فهم يبدون كمن يدير ملجأ للأيتام، أو دارا للعجزة والمسنين. ليسوا متصرفين في شؤون مجتمع، به إمكانيات وقدرات لو وظفت بالشكل السليم لكان لمصر شأن آخر.وإدارة حسني مبارك، هي بالضبط، كما وصفها سعد الدين إبراهيم، في واحد من مقالاته هي إدارة الفساد وليست فساد الإدارة . لكن كيف تطورت إدارة الفساد هذه حتي وصلت إلي ما وصلت إليه؟.. هذا له علاقة بالدور المتنامي لـ النجل . فكلما ازداد سلطة وصلاحية كلما ازداد الفساد استفحالا، فإلي نهاية وزارة كمال الجنزوري كان حسني مبارك يعتمد في حكمه علي تحالف يتشكل من فنيين وإداريين ورجال أمن، وبزيادة نفوذ النجل ، الذي بدأ مع وزارة عاطف عبيد، وتوليه المسؤولية كاملة بدءا من وزارة أحمد نظيف الأولي وحتي الآن، تراجع ذلك التحالف وحلت محله جماعة محدودة الوزن والتأثير، تستمد قوتها من العمل في خدمة عائلة مبارك .. تجمع محتكرين ورجال مال وأعمال ووكلاء شركات أمريكية وخدم الكويز ، كان التحالف الأول، بكل عيوبه، يتحسب لرد فعل الشارع، فكان يتأني في تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي ، الموضوعة من قبل المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي.. تعامل بقدر من المسؤولية والانضباط، وكان ذلك واضحا في وزارات عاطف صدقي وكمال الجنزوري. وكان حسني مبارك يستمع لرأيهم أحيانا قبل أن يتوقف عن سماع النصيحة اكتفاء بآراء ونظريات فلاسفة الفكر الجديد ، الذين أغنوه عن الاستماع أو قراءة التقارير والصحف.. كانت إجراءات من سبقوهم تتم في بطء مطلوب، وبعضها يؤجل حتي تواتي الفرصة، ومنذ أن حلت هذه الجماعة ، جاء في ركبها النحس والشؤم، وبدأ الناس يحصدون حصيلة جهل هؤلاء المطبق بأحوال الناس واحتياجاتهم ومتطلباتهم.. وحينما يسيطر فقه التعالم والادعاء ، ويصبح بديلا عن العلم والمعرفة والخبرة والكفاءة والقدوة، وعندما يجد هذا الفقه من يعمل له، من أكاديميين وباحثين، يقبلون الخدمة في بلاط النجل نجد أن الواقع السياسي يشهد سفورا وجرأة بالغة علي تحدي الرأي العام، وتجاهل الحقائق والشواهد، ونتابع هذه الجرأة في الاندفاع المشبوه لبيع ما تبقي من ملكية عامة وتبديدها بثمن بخس، دون تقدير للعاقبة، ووضع البلد علي شفير الإفلاس.شاعت قيم اللصوصية، وأصبحت ضابطة وحاكمة لتصرفات المسؤولين وإجراءاتهم وقراراتهم. ومن بينها ما يشاع عن مواصفات شاغلي الوظائف الكبري والمناصب العليا، فيقولون ان النجل يري الأفضلية في اختيار لص غني لشغل الوظيفة أو المنصب عن النزيه المستور . فاللص الغني عينه المليانة ، كما يدعون، والغريب أن بعض من عامة الناس يقبل بهذا المنطق. ويقر بأن اللصوصية المقترنة بالغني أفيد لتقلد المناصب. أين تعلموا هذه القيم؟ ألم يسأل أحد نفسه هل اللص يشبع أو يقنع؟ قيمة شاعت بين أوساط النخبة الحاكمة، وأضحت تمثل الظهير الأيديولوجي الذي يرتكز عليه الرئيس الموازي ، للتخلص من الكفاءات والخبرات، التي قد تكشف خواءه، وتحول بينه وبين التوريث . وهناك أكذوبة لا تقل خطرا عن هذه القيمة، ومروجوها من مثقفين وطنيين ويساريين.. يربطون الفساد بما أطلقوا عليه النظام السياسي لثورة يوليو، وكأن هذا النظام ما زال قائما يحكم مصر. ينشأ اللبس، أحيانا، من الخلط بين مدلول الدولة ومعني النظام السياسي، فعبد الناصر لم يقم دولة، فوجود الدولة سابق علي عصره بمراحل، إنما أقام نظاما. وقارئ التاريخ الموضوعي يعرف أن الثورة أرادت أن تستمر بالنظام الليبرالي القديم، لكن هشاشته دفعها لتغييره، كانت تهدف إلي بناء نظام يعيد للدولة قوتها ودورها ومسؤوليتها تجاه مواطنيها. بعد أن ثبت لها أن الاعتماد علي النظام القديم لا يفي بمتطلبات التنمية، ولا يحقق التقدم المنشود علي جبهة القضاء علي ثالوث الجهل والفقر والمرض، وهو ثالوث يعيده حسني مبارك مرة أخري. لم يكن في مقدور النظام السابق رفع مستوي المعيشة، ولا تحمل أعباء التحرير ولا المواجهة مع الاستعمار، ولا تلبية شروط الحفاظ علي الاستقلال الوطني، أو السعي نحو القوة بتحقيق الوحدة العربية. ونظام عبد الناصر، الموضوع في قفص الاتهام من قبل هؤلاء، كان قصير العمر للغاية، لم يتعد عمره العشر سنوات. فبعد مشوار التجربة والخطأ ، حتي عام 1960، وتحت وطأة جريمة الانفصال 1961، أقام عبد الناصر نظاما جديدا معتمدا علي التخطيط المركزي، وتحالف شعبي عريض، يتوجه نحو الفقراء. و أصحاب المصلحة في الثورة ، وتمكن ذلك النظام من توظيف الدولة وحشدها لإنجاز مشروعات التنمية والإنتاج والخدمات المتوسطة والكبري، وترك للقطاع الخاص ملكية الأرض الزراعية والاستثمار في الإسكان المتوسط والفاخر، وملكية وإدارة منافذ الاستهلاك والتوزيع والخدمات والورش وتجارة التجزئة.وماذا تبقي من هكذا نظام لنقول عنه انه مشكلة مصر؟ أين هذا النظام الآن؟.. لم يكن في نظام عبد الناصر، ملمح حقيقي للاستبداد أو الفساد أو التبعية، كل هذا لم يكن ليستقيم مع أيديولوجية انحازت بالكامل للشعب والأمة، وهذا علي النقيض من أيديولوجية تستلهم أفكارها وخطواتها، وتنتظر الضوء الأخضر من واشنطن أو لندن أو تل أبيب، واتخذت من الفساد أساسا للحكم. ومنذ أن تخلي الوالد لـ النجل عن صلاحياته ومسؤولياته.. صارت المخالفات القانونية والعمل ضد الدستور وسيلة السيطرة علي كل شيء.. وبالمناسبة، فإن الدستور الحالي وضعه السادات سنة 1791.. أسس به لنظام آخر مناقض لنظام الثورة.. ونظام عبد الناصر لم يكن فاسدا، وإن شابته تجاوزات.. كان الرجل عصيا علي الإفساد، وكان نظامه في خدمة الشعب والأمة، عكس نظام يتفاني في خدمة أعداء الشعب والأمة. ويقبل العمل في البلاط الأمريكي الغربي الصهيوني، يمارس البلطجة ويحمي الفاسدين والمفسدين بالحصانتين البرلمانية والرئاسية، وأمام هذا لا يملك الإنسان إلا أن يقول ما قال العالم المصري الأمريكي المعروف رشدي سعيد أنا لدي شعور أن هناك خطة ممولة لجعل مصر بلدا معالا … بلد يعيش علي المعونات، عملية تدمير القوي الإنتاجية لمصر مخططة، عملية تصحير مصر حتي يمكن تطويعها… وجعلها تحت الأيدي دائما، هذا يمنحها وهذا يمنعها مخططة، وإلا فسروا لي ما حدث في الـ03 عاما، ماذا يعني ما حدث إلا تدمير مصر . جاء ذلك في تعليق له علي تقرير التنمية البشرية، أثناء حديثه إلي الصحفية نور الهدي زكي. المنشور بصحيفة المصري اليوم في 2006/3/11 والتخلص من هذا الفساد لا يتحقق إلا بإزاحة رعاته وحماته وعزلهم ومحاسبتهم.9