مصر وإسبانيا تحذران من تهجير الغزيين لتصفية القضية الفلسطينية… والخوف شريك الإسرائيليين مستقبلا

حسام عبد البصير
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: اقترب أول أسبوع من شهر رمضان الكريم على الانتهاء، وما زال المسلمون والعرب في انتظار أن يحصل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة على هدنة من القتل، ولا تزال الشعوب العربية تأمل بأن تدب الصحوة في أوصال أنظمتها، التي ما زالت رهينة جبروت الإدارة الأمريكية، تلك الإدارة التي لم تعد تعبأ بالعالمين العربي والإسلامي، لكنها تصاب بالذعر من مجرد تخيل عالم فيه “القسام” في المستقبل، ورغم الخسائر والتكلفة التي لم يسبق لشعب آخر سوى الفلسطيني أن تعرض لها، لكن الحقائق على الأرض تشير إلى أن تلك الحرب التي يخوضها الغزيون مباركة، ولن يكون الدم الفلسطيني الذي أريق مجانيا، ويذهب الكثير من الواثقين في النصر الإلهي واقترابه إلى توقع مفاجـأة خلال الشهر الكريم، أما بالنسبة لبلد الألف مأذنة فتحيا حكومتها حالة فريدة من الفرح، بسبب العافية التي لحقت بعملتها الوطنية خلال الساعات الماضية، وقال المستشار محمد الحمصاني المتحدث باسم مجلس الوزراء، إن القرارات الجريئة الأخيرة الصادرة عن البنك المركزي بتوحيد سعر الصرف، والصفقة الاستثمارية لمشروع «رأس الحكمة»، وتوقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، أدت إلى عودة الاستقرار لسوق الصرف الأجنبي وسعر الصرف. وأضاف خلال تصريحات متلفزة، أن تلك القرارات أسفرت عن مؤشرات إيجابية تناولها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال اجتماع المجلس. ولفت إلى بدء عودة تحويلات المصريين في الخارج تدريجيا من خلال الجهاز المصرفي، مشيرا إلى أن بعض الشبكات استغلت الوضع السابق في الحصول على تلك التحويلات. وقال إن «البنوك ومكاتب الصرافة بدأت في استقبال العديد من المواطنين الذين يتخلون عن الدولار ويحولونه إلى الجنيه المصري»، قائلا إن توافر السيولة الدولارية أدى إلى الإفراج عن السلع الأساسية في الموانئ بقيمة 3 مليارات دولار حتى الآن. وذكر أن «كل تلك التطورات الإيجابية أدت إلى تغيير مؤسسة (موديز) للتصنيف الائتماني نظرتها لمستقبل الاقتصاد المصري، من سلبية إلى إيجابية»، مؤكدا أن «الحكومة مستمرة في جهودها لتحسين الوضع الاقتصادي وتجاوز التحديات الاقتصادية»..
أكد الرئيس السيسي، ووزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس رفض التصعيد العسكري في قطاع غزة. كما أكدا رفض جميع الإجراءات التي قد تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية، عبر تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، مشددين على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، وإدخال المساعدات الإغاثية بالكميات الكافية للقطاع، لإنقاذه من المأساة الإنسانية التي يواجهها، وكذا ضرورة دعم وكالة الأونروا ليتسنى لها القيام بدورها الإنساني في هذا الإطار، مع تأكيد ضرورة اتخاذ خطوات واضحة وملموسة من قبل المجتمع الدولي، للاعتراف بالدولة الفلسطينية وحصولها على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، بما يفتح المجال لتفعيل حل الدولتين، باعتباره الأساس لاستعادة الأمن والاستقرار الإقليميين.
ومن أخبار الراحلين: توفى الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء الأسبق وأستاذ القلب في جامعة عين شمس، عن عمر ناهز 94 عاما. سبق واقترح الطبيب الراحل منح الموظفين المدخنين إجازة لمدة 6 شهور ليتعافوا من التدخين في حال عدم إقلاعهم بعد تلك المدة اقترح إحالتهم للمعاش المبكر أو فصلهم عن العمل.
لم يأت

مع بداية شهر رمضان الكريم كان الأمل يراودنا مع كل المواطنين في العالم العربي والإسلامي، ومع إناس كثيرىن وشعوب عديدة في كل أرجاء الأرض، بأن تتوقف الحرب اللا إنسانية والمجازر الدموية الدائرة في قطاع غزة منذ خمسة أشهر وحتى الآن، دون توقف ودون هوادة. لكن حسب محمد بركات في “الأخبار” لم يحدث ذلك للأسف نتيجة التعنت الشديد من جانب مجرم الحرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الرافض لوقف إطلاق النار وتوقف الحرب، ولو حتى في هدنة مؤقتة تستمر ستة أسابيع، قبل أن يحقق أهدافه المعلنة في القضاء تماما على حماس والإفراج عن المحتجزين أو «الرهائن»، وهو ما لم يستطع تحقيقه طوال ما يزيد عن المئة والخمسين يوما من القتل والتدمير والإبادة. وهكذا حل الشهر الكريم على أهالى قطاع غزة، وهم يكابدون الموت والقتل والدمار، في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية التي لا تتوقف، وأيضا حرب الجوع والعطش والمرض نتيجة قلة الموارد والإمكانيات ونقص الطعام والشراب والدواء، في ظل الحصار الجائر واللا إنساني الذي يفرضه عليهم جيش الاحتلال. ووسط ذلك وفى ظله ما زال العالم يقف فاشلا، ودون حراك فاعل ومؤثر لوقف الحرب وتوقف عمليات الإبادة والقتل الجماعي للأطفال والنساء والشيوخ، وكل صور الحياة في غزة المنكوبة، وذلك بفعل فاعل ومع سبق الإصرار. نعم بفعل فاعل أمريكي، ومع سبق الإصرار والترصد من جانب الولايات المتحدة، بأن تستمر الحرب ولا يتوقف العدوان الإجرامي الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة، قبل أن تحقق إسرائيل هدفها في القضاء على أهل غزة وإخلائها من الفلسطينيين، تحت ذريعة القضاء على حماس. وأحسب أن العالم كله يدرك ذلك الآن، في ظل الرفض الأمريكي الدائم للموافقة على إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بوقف الحرب وتوقف اطلاق النار، وهو ما قامت به الولايات المتحدة عدة مرات خلال الخمسة شهور الماضية، بحيث أحبطت كل المحاولات الرامية لإصدار قرار من المجلس بذلك، واستخدمت حق الرفض «الفيتو»، لإجهاضها.

لياقة عقلية

الرئيس بايدن مولود في نوفمبر/تشرين الثاني 1942، وهذا معناه أنه في نوفمبر المقبل، الذي تجرف انتخابات الرئاسة في الخامس منه، سيكون في الثانية والثمانين من العمر.. وإذا نجح في السباق الرئاسي فسوف يبقى أربع سنوات في البيت الأبيض إلى 2028، وحين يغادره سيكون في السادسة والثمانين. والرئيس ترامب مولود في يونيو/حزيران 1946، وهذا معناه حسب سليمان جودة في “المصري اليوم” أنه في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، سيكون قد تجاوز الثامنة والسبعين بشهور، ولو كتب الله له النجاح في السباق الرئاسي، فسوف يقضي سنواته الأربع ليغادر بعدها وهو في الثانية والثمانين. فما معنى هذا؟ معناه أن كل الفارق بينهما في السن يظل في حدود ثلاث أو أربع سنوات بالكثير، وهو ليس بالفارق الكبير ولا الخطير، الذي يبرر كل هذا اللغط الدائر حول سن بايدن المتقدمة ومدى تأثيرها عليه. وعندما التقى الرئيسان مؤخرا في ولاية جورجيا باعتبارهما مرشحين رئاسيين متنافسين، كان الجزء الأكبر من الدعاية والدعاية المضادة بينهما يدور حول سن المرشح بايدن، وكان فريق ترامب الدعائي يتحدث عن أنها سن متقدمة، وعن أنها يجب أن تمنع صاحبها من الترشح، ومن الوصول إلى البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية بالتالي. والفارق المحدود بينهما في السن لا يبرر ذلك ولا يدعو إليه لأن القضية هي دائما مدى تأثير السن المتقدمة على لياقة صاحبها العقلية والجسدية، وليست القضية في السن المتقدمة في حد ذاتها.. وأنا أقدم اللياقة العقلية على اللياقة الجسدية، لأن الأولى هي الأهم، ولأننا لا نزال نذكر أن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت حكم بلاده من فوق كرسى متحرك، وكان رغم ذلك من بين الرؤساء الأمريكيين المعدودين. وعندما جاء على ظهر الباخرة كوينسي إلى الإسماعيلية في 1945 ليلتقي مع الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في البحيرات المُرة، كان مُقعدا أو أقرب إلى المُقعد، وقد مات بعدها بأسابيع وهو في فترة رئاسته الرابعة، وكان ولا يزال هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي تجاوز الفترتين الرئاسيتين الصارمتين، اللتين لا يستطيع أي رئيس أمريكي أن يتجاوزهما بنص الدستور. القصة ليست لياقة جسدية، ولكنها لياقة عقلية في الأساس.

مساره الطبيعي

تراجع سعر الدولار في الأسواق، والبنوك قبل أيام إلى ما دون 49 جنيها (48.50) لأول مرة منذ قرار تحرير سعر الصرف الأسبوع الماضي، اعتبره عبد المحسن سلامة في “الأهرام” بشارة خير: أعتقد أنه سوف يواصل رحلة الهبوط إلى 40 جنيها، أو أقل، خلال الأيام المقبلة بعد استقرار الأسواق، وعودة تحويلات المصريين إلى مسارها الطبيعي في البنوك. خلال الأيام القليلة الماضية سجلت تحويلات المصريين في الإمارات أرقاما قياسية، وكذلك تحويلاتهم في عدد كبير من الدول العربية، والأجنبية نتيجة توحيد سعر الصرف، وضرب السوق السوداء في مقتل. البنوك شهدت، أيضا، إقبالا كبيرا من المواطنين الراغبين في التنازل عن الدولار وتحويله إلى الجنيه المصري خِشية مزيد من انخفاض سعره، خلال الأيام القليلة المقبلة. أعتقد أن صفقة رأس الحكمة، وما تلاها من توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وما نتج عنهما من حصيلة بلغت نحو 44.2 مليار دولار (35 مليار دولار قيمة صفقة رأس الحكمة، و9.2 مليار دولار قيمة قرض صندوق النقد) كان له الأثر الكبير في الخروج من الأزمة الخانقة التي ضربت الاقتصاد المصري، نتيجة الأزمات العالمية المتتالية التي بدأت بجائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية – الأوكرانية، وأخيرا الحرب على غزة. هناك أخبار شبه مؤكدة عن قرب تنفيذ حزمة ضخمة من المساعدات الأوروبية لمصر تبلغ قيمتها 8 مليارات دولار، طبقا لما ذكرته صحيفة «فايننشال تايمز»، التي ذكرت أن الاتحاد الأوروبي يُعد حزمة مساعدات يصل حجمها إلى 7.4 مليار يورو (8.8 مليار دولار) لمصر بهدف دعم اقتصادها في ظل الظروف الدولية، والإقليمية الحالية المعقدة، وأشارت الصحيفة إلى أن أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، ستتوجه إلى القاهرة بصحبة بعض الزعماء الأوروبيين لتنفيذ هذا الاتفاق. كل هذا يعني، ببساطة، نهاية الفجوة الدولارية ليعود الدولار إلى سعره الطبيعي، بعيدا عن المضاربين، والمحتكرين، الذين استغلوا هذه الأزمة أسوأ استغلال ممكن، وفرضوا أسعارا وهمية، ومبالغا فيها للدولار، والعملات الأجنبية خلال الفترة الماضية. كل المؤشرات تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد عودة الأمور إلى طبيعتها في المسار الاقتصادي، وعودة الهدوء، والاستقرار إلى الأسواق بعد أن استرد الاقتصاد المصري الثقة من المؤسسات الاقتصادية العالمية، والإقليمية، وانتهاء الفجوة الدولارية، وبدء تراجع الدولار ليعود إلى سعره الطبيعي العادل خلال المرحلة المقبلة.

من جيتو لجيتو

ما زال نمط حياة الجيتو المعزول عما حوله يُحددُ السلوك اليهودي في الكيان الإسرائيلي رغم كل محاولات التطبيع، مع من يقبله أو يرضخ لضغوطٍ أمريكية لتحقيقه. وقد أكد الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام” أن هذا النمط في جوهره لم يتغير حتى في التجمعات اليهودية في العالم، وإن اختلف في شكله بفعل النفوذ الكبير الذي بات اليهود يحظون به في كثير من الدول الغربية وغيرها، بعد نجاحهم في استخدام روايتهم للهولوكوست وسيلة للابتزاز. تتعدد تفسيرات شيوع نمط حياة الجيتو في أوساط يهود العالم – إلا من رحم ربي منهم – وفقا لتباين مناهج التحليل، وحسب الوزن النسبي لكلٍ من وقائع التاريخ الموثوقة والأساطير المتداولة والمتوارثة، وأهمها أسطورة المسَّادا. وأيا يكن الأمر، لم يستخلص اليهود أي درسٍ من هذا النمط الذي أثار شكوكا فيهم ومخاوف منهم في معظم البلدان التي عاشوا فيها، وطُردوا من بعضها، وفُرض عليهم العيش في أماكن خاصة بهم في البعض الآخر منها، خاصة في أوروبا منذ القرن السادس عشر. كان جمعُهم في جيتو واحد في مدينة البندقية أولا، ثم في عددٍ متزايدٍ من المدن الأوروبية، محاولة لحل المشكلات في علاقاتهم مع غيرهم، فيما عُرف بالمسألة اليهودية، ووسيلة في الوقت نفسه لتسهيل مراقبتهم بسبب الغموض الذي أحاطوا أنفسهم به، فاعتُبروا خطرا محتملا. وعندما أقاموا كيانا لهم في فلسطين وسموه إسرائيل، جعلوه أكبر جيتو في تاريخهم، ثم سعوا إلى زيادة الدعم الغربي لهم عبر الحفاظ على روايتهم للهولوكوست وادعاء أنهم مُهددون من كل جانب. وحتى عندما وقعوا اتفاقاتٍ مع خمس دول عربية، وصار الطريق مفتوحا أمامهم لعلاقاتٍ تُسمى طبيعية، لم يقنعوا كماهو دأبهم طول تاريخهم، بل سعوا إلى المزيد ولم يتخلصوا من عقلية الجيتو. وها هم يُخططون لبناء جدار أكثر تحصينا على الرغم من أن السياج الذي أقاموه حول قطاع غزة لم يمنع هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. كان الجيتو، إذن، وما زال جزءا لا يتجزأ من العقلية اليهودية والصهيونية، كما من تاريخٍ انتقل اليهود خلاله أو نُقلوا من جيتو إلى جيتو وصولا إلى فلسطين، فيما لا نعرف بعد أين سيكون الجيتو التالي بعدها.

ستدفع الثمن

الحرب على غزة ليست نزهة لإسرائيل، ولا انتصارا تحاول ترويجه للإسرائيليين بجلب الأمن والأمان الدائم لهم، بل إن الثمن الذي ينتظر إسرائيل على المستويين السياسي والاقتصادي وفق ما ترى جيهان فوزي في “الوطن” باهظ التكاليف، خسرت إسرائيل سياسيا الكثير من الدعم والتعاطف الغربي، سواء كان على المستوى الشعبي أو الرسمي، بينما يتأزم وضعها الاقتصادي بشكل غير مسبوق بسبب الحرب على غزة، وبعد أن فجرت وكالة موديز قنبلة إضافية أخرى ضد إسرائيل، عندما خفضت تصنيفها الائتمانى من مكرر إلى مفردة، استنادا إلى المؤشرات الدقيقة بتفاقم العجز في ميزان المدفوعات من فائض قدره 4 مليارات دولار في العام الماضي، إلى عجز قدره 6 مليارات دولار في العام الجاري، فضلا عن ارتفاع الدين العام إلى ما يقارب 300 مليار دولار، يمثل الدين الخارجي منها 15% وذلك بسبب الحرب على غزة. وقد زادت وكالة فيتش الطين بلة، عندما أكدت في تقريرها الصادر قبل أسبوعين ما ذهبت إليه موديز، لكنها أضافت أن تصاعد مخاطر اندلاع حرب في شمال إسرائيل مع حزب الله يلقي ظلالا من الشكوك على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على احتمال المخاطر المترتبة على اتساع نطاق الحرب. وذهبت إلى أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن الوضع الاقتصادي الإسرائيلي الحالي سيفضي حتما إلى اضطرابات داخلية عميقة استنادا إلى ثلاثة مؤشرات: أولها تخفيض نسبة المدفوعات للحماية الاجتماعية، وثانيها رفع أسعار الفائدة، وثالثها انسحاب 19% من الشركات الصغيرة والمتوسطة من الأسواق، وتلك المؤشرات بمجملها تعني نقصا في الدخل الذي كانت توفره الدولة للشرائح السكانية الواسعة المقبولة في نظام التأمين الاجتماعي، ونقصا في القدرة على الاقتراض الاستثماري من البنوك بسبب الفائدة المرتفعة، وزيادة نسبة البطالة المترتبة على مجموع هذه العوامل.

تستدين لتحارب

الاقتصاد الإسرائيلي بقاعدته الصناعية بدأ بالانكشاف أمام تحديات لم يسبق أن تعامل معها منذ عام 1973 عندما قادته حرب أكتوبر/تشرين الأول إلى ركود دام ما يقارب 10 سنوات، ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية بغطرستها المعهودة، تراهن أولا وفقا لجيهان فوزي على أن الجزء الأكبر من مستورداتها الحربية، سيكون بمثابة هبات مجانية من الدول الحليفة والصديقة، وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، غير أن المشكلة هي أن الإنفاق على الحرب لا يتعلق بتلك المستوردات، إنما يتعلق بأوجه الإنفاق الأخرى التي تعتبر من الآثار الجانبية للحرب، مثل تعويضات المصابين والمعاقين، وإسكان النازحين من مستوطنات الشمال على الحدود اللبنانية، والجنوب مع غلاف غزة، ودعم الشركات التي فشلت في المحافظة على قدراتها الإنتاجية، بسبب استدعاء موظفيها وعمالها إلى الجيش كقوة احتياط، وهذا رفع الإنفاق الجانبي من 24 مليار دولار إلى 40 مليار دولار، وسيرتفع أكثر إلى ما يقارب 55 مليار دولار، إذا ما اتسع نطاق الحرب ليشمل جنوب لبنان. لكن لا يبدو المجتمع السياسي الإسرائيلي قلقا إزاء تلك المؤشرات، فقد بُرمج عقل الناخب الإسرائيلي على الخوف من مخاطر حرب وجودية، تمس أسس وجود واستمرار الدولة اليهودية، لذا فمن المحتمل أن يتقبل الشارع الإسرائيلي بعض التضحيات التي يمكن وضعها أو تصنيفها ضمن مميزات الرفاهية العامة، لكن جزءا من هذا المجتمع فقد القدرة على الاحتمال يقدر بنحو 900 ألف إسرائيلي، غادروا البلاد فعلا، سواء بشكل دائم أو مؤقت ولأسباب عدة، بعضها يتعلق بالخوف، وأخرى تتعلق بالثقة في المستقبل، وثالثة رغم محدوديتها تتعلق بصحوة الضمير. ومع ذلك ما زالت الحكومة الإسرائيلية تعتقد أن حجم الدين الخارجي الذي لا يزيد الآن على 42 مليار دولار يتيح لها اقتحام سوق السندات ليس لتعويض العجز في ميزان المدفوعات فقط، بل لتوفير احتياطي نقدي أجنبي لمواجهة احتمالات استطالة أمد الحرب.

بين نكبتين

أرجع عدد من المشاركين الذين تربطهم بجميل مطر في “الشروق” صداقة، اختلاف تصرف دول جوار فلسطين في النكبة الأولى عن تصرفها في النكبة الثانية، وبالتحديد إقدامها في النكبة الأولى على التدخل العسكري الصريح، وتعمدها عدم التدخل في الثانية، أرجعها إلى الآتي: أولا: خشية عامة في عواصم الجوار من أن تأتي النكبة الثانية بمواصفات النكبة الأولى. نعرف الآن أن بعض المواصفات، خاصة في الحرب، كما في النتائج المباشرة وغير المباشرة، كان كارثيا، وإن كنا في الوقت نفسه نعرف أن مواصفات أخرى اختلف حول حدود كارثيتها، المؤرخون ومحررو الكتب المدرسية في شتى أنحاء العالم العربي. ثانيا: شكوك في القدرة الذاتية لكل دولة على حدة بالنسبة للقوة الإسرائيلية المعززة بالقدرات الأمريكية والبريطانية أو الغربية عموما، وشكوك أقوى في القدرة العربية على التصدى لجيوش الغرب، بالإضافة إلى شكوك في مدى تناسب الإرادتين الروسية والصينية مع اللحظة الراهنة في تطور النظام الدولي، وشكوك أكثر في نوايا وقدرات الجانب الفلسطيني في هذا الصراع الوجودي. كلها وغيرها عوامل ساهمت في صنع موقف دول الجوار العربي القريب والبعيد، على حد سواء. ثالثا: الموقف من العامل الإيراني. لعبت إيران دورا مزدوجا في مراحل صنع وتطور النكبة الثانية. إذ بينما نجحت في تعزيز قوة جناح أو أكثر داخل الساحة الفلسطينية للعمل ضد إسرائيل، فشلت في خلق جبهة شرق أوسطية تحمي فلسطين والمقاومة وداعميها من وحشية رد فعل الصهيونية ومن جبروتها. من الصعب أيضا تناسي الترتيب أو التمهيد لوقوع مثل هذا الحدث أو غيره بحملة دبلوماسية عربية وغربية وصهيونية، أثمرت تعبئة مناهضة لإيران وأنشطتها في شتى أنحاء العالم العربي.
دون أن تقصد

انتقل جميل مطر ومعارفه لمناقشة بدائل المستقبل، بدائل على حد رأيه تقلل من فرص العودة الدورية إلى نكبة بعد أخرى.. لاحظت من موقعي في الاجتماع أن لا أحد من الحاضرين عرض بديلا يكفل للفلسطينيين مستقبلا آمنا ومستقرا لعقود عديدة مقبلة. معذورون ولا شك، فالانطلاق من وضع دولى غير مستقر ولا ثابت المعالم، ووضع إقليمي لا يبعث على التفاؤل، كفيل بأن يستبعد من النقاش الجاد أي بدائل واقعية تثير الاطمئنان أو تردع النكبات. مع ذلك ناقش المشاركون بدائل أقل طموحا يمكن أن توفر فرصا إيجابية وإن محدودة. ناقشوا: أولا: يمكن لمشروع دولي، على نهج مشروع مارشال لإعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، أن يخلق فرصا جديدة أمام مختلف دول المشرق. حاول صاحب الفكرة تبرئتها من اتهام بالتشابه مع المشروع الإبراهيمي، بأن وضع لفكرته شروطا. من هذه الشروط أن يكون البديل المقترح نابعا من إرادة دولية متعددة الأطراف والصين فيها طرف مؤسس ورئيسي. يشترط أيضا أن تكون إيران عضوا مستفيدا كبقية الأعضاء ولا تكون لإسرائيل أي ميزة خاصة. يكون لفلسطين الوضع المميز باعتبارها بؤرة المشروع والمستفيد الأكبر من برامج الإعمار وبناء الدولة. وجهت انتقادات لهذه الفكرة، باعتبار أنها على الرغم من مختلف الاحتياطات والشروط تظل أقرب شيء ممكن من مفاهيم الشرق أوسطية كبديل للنظام العربي ومن الفكرة الإبراهيمية، التي نشأت محاطة بكثير من الشكوك الدينية والقومية والفلسطينية. ثانيا: للترويح عن الحاضرين وإثارة خيالاتهم راح أحدهم يطرح حلم العمل على زرع خلافات أو تعميق المتوافر منها بين الولايات المتحدة ودولة إسرائيل. وفي معرض دفاعه عن موقفه قال، إن هذا الفعل جار العمل به في العلاقات الدولية، تستهجنه الدول وتمارسه. المهم، حسب رأيه، أن تثق الجماعة العربية بإمكاناتها، وهي ليست قليلة ولا ضعيفة، وأن تتبنى خططا طويلة الأمد. وقد أثبتت الأيام أن العلاقات بين هاتين الدولتين، يمكن أن تصاب بالضرر. لا يخفى أن «حماس» بصمودها وبتكلفة غالية كادت تفلح في تحقيق ذلك، دون أن تقصد أو تتعمد.

كفاية كده

لا يعتقد عصام العبيدي في “الوفد”، أن مصر تعرضت طوال تاريخها.. لمثل هذه الأزمة التي مرت بها خلال الأعوام الأخيرة.. التي نتجت وفق ما أخبرنا الكاتب عن تراكم الديون وما تبعه من أعباء ديون كأقساط وفوائد وغيرها من الأعباء.. التي قامت الحكومة بتحميلها للمواطن المصري.. الذي تحمل خلال الفترة الماضية ما لا يتحمله بشر.. سواء في المغالاة في الضرائب والرسوم، أو أسعار السلع والخدمات.. كل ذلك بسبب الإسراف في الاقتراض من الداخل والخارج. تابع الكاتب: الحمد لله أن الحكومة نفسها اعترفت بسوء تصرفها في الاقتراض وإنفاق تلك القروض على مشروعات البنية الأساسية.. وهي على الرغم من أهميتها إلا أنها مشروعات ليست ذات عائد على المدى المتوسط أو القصير. ومن هنا غرقنا في الديون وأعباء الديون.. حتى إن بعض الآراء المتطرفة ذهبت لأبعد مدى.. حتى وصل بهم الأمر لإعلان أن مصر في طريقها لإعلان إفلاسها ولكن الله سلم وستر.. وجاء الإنقاذ والمدد لمصر في مشروع رأس الحكمة.. الذي كان بمثابة قبلة الحياة للاقتصاد المصري.. وتلا ذلك الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وغيره، ما وفر لمصر نحو 50 مليار دولار.. كما أعلن الرئيس في افتتاح الندوة التثقيفية للقوات المسلحة أول الأسبوع الحالي. وهذا كله جعل الشعب المصري يتنفس الصعداء.. ويشعر لأول مرة بالأمل في الخروج من عنق الزجاجة. ولكن لأن الطبع يغلب التطبيع.. قرأنا مؤخرا عن قروض جديدة.. أعلنت عنها الحكومة.. غير ذات جدوى اقتصادية.. مثل الازدواج الكامل لقناة السويس.. أو قروض لشراء عربات جديدة للمترو.. وهي أمور كثيرة ينبغي تأجيلها فورا حتى لا نعاود الدخول مرة أخرى في الدائرة الجهنمية.. وأقصد بها دائرة القروض اللعينة. وهو ما جعل الناس تصرخ.. يا ناس بلاش قروض من أجل الله والوطن.. كفاية ما وصلنا له.

تكرار الخطأ جناية

الحديث عن عودة الأموال الساخنة إلى مصر وتصدير الأمر على أنه نجاح للاقتصاد المصري يعد مؤشرا خطيرا حذر من عواقبه ياسر شورى في “الوفد”: الأموال الساخنة عادت إلى مصر للاستفادة من الفائدة المرتفعة التي وصلت إلى 32٪ وهذه الأموال نفهسها خرجت والفائدة 15٪ بعد الحرب الروسية على أوكرانيا. الأموال الساخنة أو ما يعرف بـHot Money: هي جميع التدفقات المالية التي تدخل الدول أو تخرج منها بهدف الاستثمار والاستفادة من وضع اقتصادي خاص فيها، مثل ارتفاع معدلات الفائدة أو تدني سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي، وغالبا ما تكون هذه الأموال موجهة نحو الاستثمارات قصيرة الأجل. وتضمن الأموال الساخنة حصول المستثمرين على معدلات فائدة مرتفعة، وتتحرك هذه الأموال من الدول التي تكون فيها أسعار الفائدة منخفضة، إلى الدول ذات معدلات الفائدة المرتفعة. تدخل الأموال الساخنة لبلد ما أو تخرج منه بعدة طرق للاستفادة من تدنى العملة المحلية، وارتفاع معدلات الفائدة، أو الاستفادة من النمو المتسارع للاقتصاد، وتتحرك هذه الأموال عن طريق: استثمارات في أذون الخزينة أو السندات التي تطرحها الحكومة بغرض الاقتراض. استثمارات في أسهم الشركات المدرجة في البورصة، وذلك للاستفادة من تدنى العملة المحلية مقابل الدولار، ما يمكّن أصحاب هذه الأموال الساخنة من شراء عدد كبير من الأسهم. أيضا الاستثمار في شهادات الادخار التي تطرحها البنوك بهدف جذب المستثمرين الخارجيين الذي يسعون للاستفادة من الفوائد المرتفعة. إذن فالأموال الساخنة يستفيد أصحابها دائما من ظرف ما بالدول الناشئة، ومن السهل خروجها فجأة، كما حدث في مصر وتسبب في الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر حتى اليوم. يجب أن تلتفت الحكومة لكارثة التفكير بالطريقة القديمة نفسها التي اعتمدت فيها على الاستدانة، لأن الطريق نفسه هو من صنع الأزمة المالية في مصر.

ألاعيب الحكومة

بعض الناس يسأل: لماذا لم توفر الحكومة المصرية الدولارات للبنوك والأسواق طوال الشهور الماضية، قبل قرار توحيد سعر الصرف، حتى يمكن الإفراج عن السلع الموجودة في الموانئ؟ الإجابة كما استمع إليها من مصادر حكومية عماد الدين حسين رئيس تحرير “الشروق”: لأنه لم يكن لدينا دولارات كافية، حتى يمكن ضخها في الأسواق للقضاء على السوق السوداء، بحيث تصبح البنوك الرسمية هي المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية وليس السوق السوداء. وحينما تقدم هذه الإجابة لمن يسألك فإنه يعود ليسأل مرة أخرى: وما الذي منع الحكومة المصرية من امتلاك الدولارات، أو حتى الحصول عليها من أي مصدر ما دام يمكنها حل الأزمة المتفاقمة التي جعلت سعر الدولار يصل في السوق السوداء إلى 70 جنيها، ما أدى إلى رفع أسعار جميع السلع والخدمات الأساسية بالنسب نفسها تقريبا؟ الإجابة هي أن الذي منع الحكومة من امتلاك الدولارات عدة أسباب بعضها خارجي وبعضها داخلي. فيروس كورونا وأزمة أوكرانيا أديا إلى تضخم عالمي غير مسبوق وارتفاع أسعار الطاقة والحبوب، ما قاد إلى هروب الأموال الساخنة من مصر إلى البنوك الأمريكية والأوروبية. وداخليا فإن التضييق على القطاع الخاص وعدم وضوح أولويات الاستثمار في القطاع العام وتقديس ثبات سعر الدولار وعدم تحريكه بصورة تدريجية، وأسباب أخرى قادت إلى عملقة السوق السوداء، ووصول الفارق بين السعر الرسمي والسعر الموازي إلى أكثر من الضعف، وبالتالي توقفت تحويلات المصريين من الخارج للبنوك المصرية الرسمية، حيث ذهبت هذه التحويلات للتجار مباشرة بأسعار مبالغ فيها، تحملها في النهاية المستهلك أي عموم المواطنين. والأخطر من ذلك أن كثيرين فقدوا الثقة في النظام المصرفي، بسبب هذا الفارق، وتزامن مع ذلك العدوان الإسرائيلي على غزة واشتعال البحر الأحمر، ما أدى إلى تراجع إيرادات قناة السويس لأكثر من الضعف وتراجع حركة الصادرات والواردات.

نقمة أم نعمة؟

هذه الحروب والأزمات والصراعات أدت بدورها وفقا لعماد الدين حسين إلى ضعف إيرادات السياحة التي كانت واعدة جدا قبل اندلاع الأزمات الأخيرة. والأسوأ من كل ذلك أن مؤسسات التمويل الدولية خصوصا صندوق النقد الدولي أصرت على ضرورة توحيد سعر الصرف وإعادة هيكلة الدعم أي البدء في تخفيضه، لكن الحكومة المصرية رفضت مناقشة أي طلبات في هذا الصدد، إلا بعد أن تتوافر لها كمية ضخمة من الدولارات حتى تستطيع توحيد سعر الصرف بصورة صحيحة، وحتى لا يتكرر ما حدث سابقا حينما تم تخفيض سعر الجنيه، من دون وجود دولارات كافية، والنتيجة هي استمرار ارتفاع الأسعار، مع عدم وجود استدامة في تدفق الدولارات. ونعلم تماما أن غالبية البلدان الخليجية كانت قد توقفت عن ضخ المعونات للاقتصاد المصري، منذ عام 2015 تقريبا، أو حتى ضخ الاستثمارات المباشرة ـ باستثناء القطاع العقاري ـ إلى أن تم توقيع صفقة رأس الحكمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة بمبلغ 35 مليار دولار، وهو موقف يحسب للإمارات، وبعدها تم الإعلان عن قرض صندوق النقد بمبلغ 9.2 مليار دولار ثم 3 مليارات من البنك الدولي، وتوقع الحصول على حوالي ثمانية مليارات دولار من شركاء التنمية، خصوصا الاتحاد الأوروبي وبعض البنوك والصناديق الإقليمية والدولية. الآن توافرت حصيلة غير مسبوقة من النقد الأجنبي مرة واحدة في يد الحكومة المصرية، وبالتالى أمكنها أن تتخذ هذه القرارات بتوحيد سعر الصرف ورفع سعر الفائدة. ولم يكن بإمكانها أن تفعل ذلك من دون توافر هذه الحصيلة، وهكذا بدأت مرحلة جديدة في عمر الاقتصاد المصري، نتمنى أن تقود إلى انفراجة حقيقية تجعله ينطلق للإمام ويستقطب الاستثمارات الأجنبية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية