الدوحة ـ»القدس العربي»: تشير تقارير المنظمات الدولية أن مصر تواجه واقعاً صعباً فرضه سوء تسيير تفاقم مع عجز عن سداد خدمات القروض وضغوط داخلية وخارجية للخروج من عنق الزجاجة لتأثيراتها المباشرة على أزيد من مئة مليون مواطن. وذكرت تقارير عدة أن الأزمة التي تواجهها القاهرة تتفاقم بشكل مستمر، وتزداد صعوبة، وترصد عجزاً متعدد الأبعاد، ومعه تتعقد علاقات مصر الخارجية مع دول إقليمية.
وحسب تقرير ستاندرد آند بورز، فإن مصر تشهد زيادة مطَّردة في المبلغ المقترض سنوياً ليقفز من 33 مليار دولار في 2017 إلى 70 مليارا في الوقت الحالي، والذي قد يقفز في العامين المقبلين إلى 110.
وساهمت الحرب الروسية في أوكرانيا في تعقيد وضع مصر، بسبب أزمة القمح، وتقلص عدد السياح من روسيا وأوكرانيا الذين يصلون في فترات لنصف أعداد زوار مصر، ومعه تأكيدات على قرب دخول البلد إلى الإفلاس. ويتحرك النظام المصري صوب حلفائه طلباً للعون والمساعدة ويعرض أيضاً المقترحات المغربية لضخ مبالغ جديدة في حسابات مصر.
وتعد الإمارات والصين أقرب حلفاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتعول القاهرة على أي مبلغ يصلها من أبو ظبي وبكين.
وبعد أن اشترت شركة «أيه دي كيو» الإماراتية حصة 20 في المئة في شركة الأسمدة المصرية مقابل 266.6 مليون دولار، تناقلت وسائل الإعلام خبر اللقاء الذي يمهد لبيع أصول للصين. فقد ذهب وفد مصريّ إلى سويسرا للقاء وفد صيني؛ لمناقشة مبادلة ديون صينية على القاهرة بأصول استراتيجية.
مصر تفتش عن شيكات مفتوحة
وما تواجهه مصر من المشكلات الاقتصادية الكبرى، بما فيها الانخفاض غير مسبوق في قيمة الجنيه، والتضخم الذي زادت نسبته على 20 في المئة، وحاجة شديدة لدى البنك المركزي المصري إلى العملات الأجنبية، تضيق على القاهرة الخيارات. واضطر السيسي إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي، الذي اشترط عليه اتخاذ تدابير صارمة مقابل قرض جديد بقيمة 3 مليارات دولار. وتأتي الخطوة مع تردد الرعاة الخليجيين عن تمويل السيسي بشيكات مفتوحة. وأشار تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في 10 كانون الثاني/يناير إلى أنه تعهَّد في مقابل ذلك إبطاء وتيرة العمل في كثير من مشروعاته الإنشائية الضخمة.
وحسب تقارير عدة، يمارس صندوق النقد الدولي ضغوطاً شديدة على السيسي، فقد طالبه بخصخصة حصص كبيرة من القطاع العام، خاصة تلك التي تزدهر فيها الشركات المملوكة للجيش على حساب الشركات الخاصة. وتسربت معلومات عن بيع محتمل لأصول الشركة الوطنية من الأراضي الواقعة بالقرب من قناة السويس إلى جهاز الإمارات للاستثمار، في صندوق الثروة السيادي لدولة الإمارات.
وتجري حالياً عملية البيع لشركة «الوطنية» ومعها شركة «صافي» لتعبئة المياه المعدنية (المملوكة أيضاً للجيش) بقيادة الصندوق السيادي المصري.
وأثارت القرارات الأخيرة للسيسي، بعض الخلاف أيضاً خطوة إنشاء صندوق سيادي لإدارة أرباح قناة السويس، التي تأتي بين أكبر مصادر الدخل الأجنبي في البلاد. واستدعى ذلك مخاوف من خصخصة هيئة قناة السويس التي يرأسها قائد القوات البحرية السابق، الفريق أسامة منير ربيع.
تطبيع العلاقات مع تركيا
الأعين المصرية وإضافة لتحركاتها مع دول الخليج والتي تسربت أنباء عن محاولات إماراتية لدراسة مقترحات لدعم نظام السيسي، تتحرك في اتجاهات متعددة، وتأتي تركياً في مقدمتها، للنفوذ الذي تملكه في حوض البحر الأبيض المتوسط الغني بالغاز.
وكشف مؤخراً المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، أن تطبيع العلاقات بين مصر وتركيا سيتسارع، مؤكداً إمكانية تعيين سفراء لدى الدولتين.
وأوضح قالن أن المصافحة التي جرت بين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش مشاركتهما في افتتاح مونديال قطر 2022 «كانت جزءاً مهماً من مساعٍ دامت لمدة عام ونصف» لافتاً إلى إمكانية الإقدام على خطوات أخرى على صعيد الزعماء.
وأضاف أن تركيا أطلقت خلال العام المنصرم 2022 عمليات تطبيع مع عدد من دول الإقليم «بهدف إزالة المشاكل العالقة». وفي 21 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره التركي على هامش افتتاح بطولة كأس العالم 2022 في قطر، وهي المقابلة التي قال اردوغان إنها «خطوة أولى» تم اتخاذها من أجل إطلاق مسار جديد بين البلدين، فيما وصفتها الرئاسة المصرية بأنها «بداية لتطوير العلاقات». وذكر اردوغان في تصريحات أدلى بها على متن الطائرة في رحلة عودته من قطر، أنه يأمل في «نقل المرحلة التي بدأت بين وزرائنا إلى نقطة جيدة لاحقاً عبر محادثات رفيعة المستوى». وتابع: «قلنا سابقاً إنه يمكن البدء بمسار، وهذه كانت بمثابة خطوة تم اتخاذها من أجل البدء».
ويقرأ من تأكيد اردوغان «أن الطلب الوحيد لتركيا من مصر هو أن يقولوا لمن يتخذ مواقف معادية ضدنا في المتوسط نريد إرساء السلام في المنطقة». ويشي ذلك إلى نظرة البلدين لآفاق التعاون في البحر المتوسط.
تنسيق مع الدول العربية
المطبعة مع إسرائيل
وتتحرك مصر أيضاً في سياق تحالف الدول العربية المطبعة مع إسرائيل، حيث تراهن من خلال اجتماعات المسؤولين من الدول القريبة في هذا المسار على تحقيق مكاسب من مساق التطبيع.
ومؤخراً اجتمعت مصر وإسرائيل والمغرب والإمارات والولايات المتحدة في أبو ظبي، في إطار منتدى النقب. وركزت الاجتماعات على ما قالت إنه «بناء القدرات المتعلقة بمشاركة المعلومات في محاولة لزيادة الجهد» الحاصل بين جيوش هذه البلدان بالمنطقة. ويعد الاجتماع «الأكبر» من نوعه منذ عقود بين الدولة العبرية ودول عربية، أي منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. وكشفت تسريبات أن الدول ومنها مصر، بحثت قضايا متعلقة بالأمن الغذائي والتعليم.
وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أجرى مؤخراً مباحثات هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بعد أيام من موافقة الكنيست (البرلمان) على تشكيل حكومته الجديدة.
ويأتي هذا التواصل في سياق رغبة مصر الاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة، بعد أن وقعت وإسرائيل والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم في القاهرة لتصدير الغاز إلى أوروبا، في محاولة لإيجاد بدائل للوقود الروسي في ظل الحرب في أوكرانيا. ويهدف التعاون إلى نقل الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى أوروبا بعد تسييله في المحطات المصرية المعدة لذلك. وتم الاتفاق تحت مظلة منتدى غاز شرق المتوسط الذي تأسس عام 2019 في القاهرة، حسب بيان لوزارة البترول. وتقوم إسرائيل منذ 2020 بضخ الغاز الطبيعي إلى مصر من أجل تسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا، بموجب اتفاق قيمته 15 مليار دولار.
تطور العلاقات المصرية – الإسرائيلية
وبحثاً عن احتياطيات الغاز في مصر وإسرائيل، تخطط شركة «كابريكورن إنرجي» للاندماج مع شركة «نيوميد» الإسرائيلية في صفقة شاملة للأسهم، وتحرص القاهرة على التحرك العاجل منذ إعلانها عن ترسيم حدودها البحرية مع ليبيا في البحر المتوسط، واتجهت إلى طرح مزايدة عالمية للبحث والتنقيب في 12 منطقة. وكشف معهد الأمن القومي الإسرائيلي عن التقييم الاستراتيجي للعام الجاري 2023 بشأن التأثيرات العالمية والإقليمية، والذي شمل العلاقات مع القوى الدولية، وكذلك مصر ودول المنطقة.
ويرى المعهد أنه «بالنسبة للعلاقات الإسرائيلية المصرية، فتحت تداعيات الحرب في أوكرانيا فرصًا جديدة لتوسيع وتعميق العلاقات الاقتصادية، وشهد العام الماضي وجود رحلات سياحية إسرائيلية إلى شرم الشيخ، وتوقيع مذكرة تفاهم ثلاثية بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي لتشجيع الشركات الأوروبية على البحث عن الغاز الطبيعي في المياه الاقتصادية لإسرائيل ومصر وتطوير البنية التحتية للغاز وتصدير الغاز المسال إلى أوروبا عبر مصر، بالإضافة إلى الموافقة على برنامج مخصص من قبل الحكومة الإسرائيلية لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع مصر».
وكشفت حكومة الاحتلال، عن ملخص الأعوام المتعلق بالسياحة الإسرائيلية إلى مصر، في الفترة من عام 2016 إلى 2022.
وقالت الحكومة عبر موقع «إسرائيل في مصر» التابع للخارجية الإسرائيلية: «في العام المنصرم 2022 دخل أكثر من نصف مليون سائح إسرائيلي عبر معبر طابا إلى سيناء، بالإضافة إلى 169 ألف سائح وصلوا من مطار بن غوريون، منهم 124 ألف إسرائيلي وصلوا إلى شرم الشيخ و45 ألف إسرائيلي وصلوا إلى القاهرة». وعلقت سفيرة إسرائيل في مصر أميرة أورون قائلة: «معطيات في غاية الأهمية، إن دلت فإنها تدل على الثقة والصداقة التي تجمع بين الدولتين الجارتين».
ويذهب مراقبون أن تحركات مصر الأخيرة في كل الاتجاهات، لن تكون كافية لإنقاذ البلاد من شبح الإفلاس، ولن تساهم في تحسين أحوال وظروف عشرات ملايين المصريين الذين يعانون من ظروف اقتصادية صعبة.