د. خالد سليمانقد يكون الفرق شاسعاً بين نظام مبارك ونظام مرسي، وليكن كذلك، وهو كذلك بالفعل، لكن ذلك الفرق لا يعني الكثير في المحصلة النهائية عندما يأتي الأمر للحديث عما يحدث في غزة، فإذا لم تستطع مصر، وهي فيما يفترض أكبر وأهم وأقوى دولة عربية، أن تجبر الكيان الصهيوني المجرم على وقف اعتداءاته ضد غزة وأهلها، فلا معنى لكل الجهود التي يقال أنها بذلتها أو تبذلها في سبيل دعم غزة، وستظل جهوداً شكلية بائسة تؤكد عجز مصر وأنها لم تتغير أكثر مما تؤكد قوتها وتغيرها بالفعل فماذا يستفيد الفلسطيني الذي يجد بيته يتهدم فجأة على رأس أطفاله تحت نيران القصف الصهيوني عندما نزوره بعد أن يفقد معظم أفراد عائلته كي نواسيه أو نحمل له بعض المال او الطعام أو الكساء؟ وماذا يستفيد الفلسطيني الذي نكب ما لا حصر له من المرات عندما نبعد الجاسوس الصهيوني المسمى سفيراً من أرضنا اليوم ونعيده في الغد معززاً مكرماً وكأنه كان في إجازة؟ عندما يصل الأمر إلى الدم، تصبح الطريقة الوحيدة لإثبات الدعم الحقيقي والجدي هي الاستعداد للتضحية بالدم، ليس عن طريق أكياس نملؤها بتبرعاتنا فقط، ولكن عن طريق إعلان الاستعداد العملي المباشر لأن يهرق دمنا ونحن نقف إلى جانب من يُلزمنا ديننا وعروبتنا بالوقوف معه.أنا شخصياً فقدت الأمل تماماً في جميع الأنظمة العربية الساقطة ذات العلاقة المباشرة بالصراع العربي ـ الصهيوني منذ زمن طويل، أما فيما يتعلق بمصر اليوم، مصر الإخوان، فأمر مختلف، وأجدني لا أملك إلا أن أعول عليها وأن أناشدها وأن أرجوها وأن أعاتبها، بل أن أعنفها وأغضب منها وأحملها المسؤولية كاملة عما يحدث لأهلنا في غزة، فلو هددت مصر، ولو لفظياً، بإسقاط معاهدة كامب ديفيد المشؤومة وإعلان الحرب على الكيان الصهيوني ما لم يتوقف فوراً عن جرائمه في غزة، لأنقلبت الموازين رأساً على عقب مرة واحدة، ولما تجرأت العصابات الصهيونية على إلقاء قذيفة واحدة فوق القطاع المحاصر وبالمناسبة، فإن على مصر أن تفعل ذلك ليس من باب المن أو التكرم أو التفضل فقط، بل وقبل ذلك والأهم منه من باب الواجب القانوني والأخلاقي، فقطاع غزة وقع تحت الاحتلال الصهيوني وهو تحت الوصاية المصرية، ومن ثم فإن مصر تتحمل المسؤولية الأولى والأخيرة عن تحريره وتحرير أهله.نعم مصر مسؤولة عما يحدث في غزة إلى حد كبير، ولديها ثأر قديم لم تأخذ به من الصهاينة الذين سلبوها غزة، ولكن يبدو أن العرب قد احترفوا الكذب على أنفسهم حتى باتوا يصدقون أكاذيبهم، فقد كذبوا ذات ليلة ظلماء وأقنعوا أنفسهم أنهم أحرزوا انتصاراً تاريخياً باهراً على ‘إٍسرائيل’ عام 1973 ما يزالون يحتفلون بذكراه كل عام ، ولكن أي انتصار هو هذا لو دققنا في حقيقته، وهو لم يمكّن العرب من استرجاع غزة التي سلبت من مصر، والجولان الذي اقتطع من سوريا عام 67، ناهيك عن الضفة الغربية التي اغتصبت كلها من المملكة الأردنية الهاشمية.كنا نقول إن مصر تدخل مرحلة جديدة تشرع فيها ببناء نفسها مجدداً، وهي ليست جاهزة على الإطلاق للدخول في مغامرات عسكرية متسرعة غير محسوبة العواقب مع الكيان الصهيوني ومن خلفه، ولكن يبدو أن هذا منطق خائب خائر ينبغي توضيح بطلانه، فعندما يجد المرء نفسه في ساحة معركة حقيقية تتفتت فيها أجساد إخوته إلى أشلاء تحت قصف نيران همجية غادرة، فإنه لا يستطيع أن يتذرع بعدم الجاهزية، وأنه سيحتاج إلى سنوات طويلة من إعداد نفسه حتى يكون متهيئاً للقتال.كنا نتمنى أن تملك مصر مثل هذا الترف، أي ترف إعادة بناء قوتها على نار هادئة، ولكن أي أحمق هذا الذي يتوقع أن يتركه عدوه كي يعد نفسه حتى يصبح مجهزاً للقائه؟ علينا أن ندرك تمام الإدراك، أن أمريكا، والغرب عموماً، ومن قبلهما الكيان الصهيوني، من المحال أن يتركوا مصر تنهض من كبوتها الطويلة وتستعيد عافيتها وقوتها، وبخاصة العسكرية، إلا إذا كان نهوضها يتم تحت اشتراط إذعانها للإملاءات الغربية على أرض الواقع، ودعوا عنكم كل ما يمكن أن يقال من خطب ويرفع من شعارات، فالمرء الذي لا يريد خداع نفسه لا يحتاج لأن يكون حاصلاً على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفرد حتى يدرك أن ما جرى ويجري في مصر، بدءاً بانتخاب مرسي، حتى إطاحته ‘المعجزة’ بطنطاوي وعنان وإعادة تشكيل قيادات الجيش، قد تم ويتم تحت رعاية أمريكية بصورة أو بأخرى.قد يقول قائل، وما علاقة مصر الآن بتحرير غزة، بعد أن تنطعت منظمة التحرير الفلسطينية منذ قرابة أربعة عقود وأصرت على أن تجعل من نفسها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟ من يطرح مثل هذا السؤال بهذه الصيغة يجهل أو يتجاهل حقيقة ما جرى، فقد نشأت المنظمة فيما هو مفترض كحركة تحرير وطني، وكان من الضروري أن تصبح الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني، تعزيزاً للهوية الفلسطينية وحفاظاً عليها من جهة، وتحرراً من ضغوط الأنظمة العربية المتصارعة التي أراد كل منها توظيفها هي وفصائلها لخدمة مصالحه وحساباته من جهة أخرى، لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال إسقاط المسؤولية التاريخية والدينية والقومية والقانونية والأخلاقية عن كاهل تلك الأنظمة، التي أضاعت فلسطين، فقد كان واجبها أن تدعم منظمة التحرير بكل السبل العسكرية والسياسية إلى أن تتمكن من تحقيق أهدافها كاملة، أي تحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر، لا أن تتخذ من مسألة تحول المنظمة إلى الممثل الشرعي للفلسطينيين ذريعة كي تتملص من كل التزامتها تجاه فلسطين وأهلها لكن الدول العربية فعلت العكس، وبخاصة مصر، الشقيقة الكبيرة القوية، ما يحملها مسؤولية مضاعفة، فقد كانت مصر أول من تساقط على الملأ وارتمى في أحضان الصهيانة في كامب ديفيد، لتعطي الضوء الأخضر لبقية مرضى القلوب من الآيلين للتساقط أو المتساقطين سراً كي يسيروا على خطواتها، وفي مقدمتهم قيادات فتح. مصر مرشحة الآن لقيادة العالم الإسلامي كله، وكم تخطئ بحق نفسها وبحق الأمة كلها إذ تضيع هذه الفرصة التاريخية، والقيادة الحقيقية لا تكون بالخطب والشعارات وتسيير الوفود الاستعراضية، بل تكون بالمواقف الصلبة الحازمة التي تهتز لها الأرض، وقد أثبت الصهاينة أنهم لا يرعوون بالخطب والشعارات، وأن منطق القوة وحده، أو التهديد الجدي بها على الأٌقل، هو الذي يجبرهم على الانكماش كالفئران في جحورهم.آن لمصر التي يقودها الإخوان اليوم أن تتحلل وأن تتحرر من تفاهماتها غير المفهومة وغير المبررة مع أمريكا، فالشعوب العربية التي ثارت في الربيع العربي لعلها ثارت من أجل الخبز في المقام الأول، لكن فيها من ثار من أجل الكرامة والاستقلال الحقيقي والتحرر الفعلي من التبعية للشرق والغرب، وفلسطين صدقوني لن تتحرر يوماً إلا إذا تحررنا قولاً وفعلاً من الاستعمار الغربي الذي ترتدي أمريكا اليوم قناعه القبيح. ‘ كاتب فلسطيني مقيم في كندا