مصر وحسابات ما قبل انفلات الشارع

حجم الخط
0

كثرت المطالبات للرئيس وجهاز الشرطة باتخاذ موقف واضح وحاسم تجاه هذا التصعيد الذي تقوم به بعض الجهات والتيارات السياسية المعارضة، والتي بات واضحا أنها تسعى لتدمير البلد وإشاعة الفوضى في أرجائه عن طريق التحريض على العنف وعلى تدمير هيبة الدولة ومؤسساتها. وتركز أغلب تلك المطالبات على المناداة بالتدخل الأمني والشرطي الفعال الذي يشل حركة الشغب والبلطجة في الشارع مستخدما مختلف أشكال الردع الشرعية واللازمة لحماية المجتمع. كما تمتد تلك المطالبات إلى ضرورة ملاحقة المحرضين، سواء أشخاص أو تشكيلات سياسية وإعلامية وغيرهم ممن يشجعون على الخروج عن القانون واستخدام العنف. وبقدر ما تبدو هذه المطالبات شرعية ومنطقية ومطابقة لما يحدث في أي بلد ديمقراطي عريق، إلا أن خصوصية الحالة المصرية الراهنة تجعل من تلك الخطوة مغامرة كبيرة. فمواجهة هذا الانفلات السياسي والأمني تحتاج عند تنفيذها إلى تعاون تام بين أربعة سلطات رئيسية، وهي:أولا: القيادة السياسية ممثلة في الرئاسة وفي البرلمان كممثلين للدولة. ثانيا: جهاز الشرطة كذراع أمني وسلطة ردع. ثالثا: القضاء كجهة فصل في مدى شرعية تلك المخالفات ومدى شرعية أعمال المواجهة. رابعا: المؤسسة الإعلامية المنوط بها تشكيل الرأي العام في مواجهة هذا الانفلات.ولا يحتاج الأمر لمحلل سياسي ليدرك أن تلك السلطات الأربع ليست كلها على خط واحد. فالثورة وإن كانت قد نجحت في الاستحواذ على مؤسسة الرئاسة بشكل تام إلا أنها لم تحقق نفس النجاح في الاستحواذ على باقي الأجهزة المعنية، ورغم أن الشرطة اقتربت كثيرا من خط الثورة وتكاد تكون في منطقة حياد الآن، إلا أن القضاء المسيس والإعلام العميل مازالا يمثلان رأس حربة تعمل في الاتجاه المضاد للثورة المصرية.نعم، مؤسسة الشرطة لديها مصلحة مشتركة مع الدولة والشعب في إيقاف حدة انفلات الشارع، وذلك حفاظا على أمن وسلامة وهيبة أفرادها، إضافة لما يمثله استمرار انفلات الشارع من إغراء شديد للمزيد والمزيد من العناصر الخارجة على القانون على المشاركة فيه أو على الأقل استثماره في تحقيق مكاسب بالنهب والسلب والبلطجــــة وهو ما يزيد من الضغط ومن الأعباء الأمنية على الجهاز في حال تأخر المواجهة. إلا أن تجارب الشرطة السابقة تجعل الجهاز لا يستطيع أن يضع نفسه في مواجهة مع الشارع لصالح أمن مؤسسة الحكم أو بناء على توجيهاتها فقط. فهو يحتاج إلى تفويض وتغطية قانونية كاملة من الشعب ممثلا في برلمانه ومن القانون ممثلا في سلطة القضاء ، وفي الإعلام الذي ينتظر منه على الأقل ألا يستخدم نتائج تلك المواجهة في استعداء الرأي العام على جهاز الشرطة وعلى أفراده.وفي مقابل استعداد الشرطة للتعاون مع الرئاسة لضبط الشارع وإيقاف التخريب، إلا أنه يوجد قطاع كبير من القضاء المسيس حتى النخاع ومن الإعلام المعادي للثورة يقفان على الطرف الآخر الداعم للعنف. فالجهازان ترتبط مصالح أغلب أفرادهم مع النظام القديم. ولا يعني مطلقا أن كون القضاء المسيس قد وفر خروج امن لأفراد الشرطة المتهمين بقتل الثوار، أنه سيدعمهم هذه المرة. فهذا الود وتلك الحماية مرهونان فقط بموقع جهاز الشرطة قربا أو بعدا من الثورة والثوار. فدور القضاء المسيس في معركة الشارع الحالية هم توفير حماية قانونية لأية عملية تخريبية موجهة ضد الدولة. فرغم ما يراه العالم أجمع من عنف وقتل واعتداء على منشئات الدولة ورموزها وما يتضمنه من إحراق وتخريب وقطع طرق وإهانة لشخص الرئيس وللحزب الحاكم وحرق لمقارهم إلا أن إخلاء السبيل هو القرار شبه المؤكد من النيابة لكل متهم. وهو تصرف يستحيل افتراض حسن النية فيه، خاصة ونحن نرى أن النيابة التي أفرجت مثلا عن قرابة 127 متهم بقتل 10 شباب أمام الاتحادية بعد ساعات فقط من إحالتهم لها، نجدها في المقابل تستغرق أسابيع من التحقيقات شبه اليومية للمتهمين بإهانة (وخدش) رئيس نادي القضاة الذي يتزعم هذا الجناح القضائي. استخدام الشارع في تشويه الثورة وفي عرقلة الرئاسة عن التحرك لمواجهة مشكلات المواطنين هو الأمل الوحيد الباقي لدى الفريق المناوئ للثورة ، خاصة بعد خسارتهم لمعركة الدستور، ومع اقتراب تشكيل البرلمان. لذلك فلم يبق إلا استخدام الشارع وتسليطه على مؤسسات الدولة وقيادتها لشل فعاليتها. وعليه فستكون معركة استعادة الأمن هي معركة تكسير عظام بين مؤسسة الرئاسة وبين هذا الفريق. وسيكون من الغباء البدء فيها دون امتلاك ظهير قوي متمثل في البرلمان ودون البدء أولا في تهذيب الجناح القضائي والجناح الإعلامي المعــــاديان للثورة. وساعتها فلن يحتاج إيقاف انفلات الشارع إلا لســــاعات معدودة فقط. وهذا في تقديري سيتم خــــلال شهرين على الأكثر من الانتخابات البرلمانية التي يتحتم انتظارها وإنجاحها خاصة وأن النظام الانتخابي الحالي يجعل للقضاة دور كبير في تمريرها، وأي صدام معهم الآن قد يعرقل الانتخابات خاصة وأن لهم سابقة في محاولة ذلك. وأعتقد أن الرئيس يستخدم عنصر الوقت بدقة. فهو يستثمر هذا العنف الذي يشعلونه في الشارع في حرمانهم من أي تأييد شعبي تمهيدا للحظة المواجهة الحتمية. وهو ما نراه يتم الآن وبسرعة كبيرة نتيجة لفجاجة وتطرف بل وغباء وسائل هذا الفريق الذي يمثل أسوء ما في مصر الآن.عماد كمالqmnqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية