ثمة حاجة متزايدة الى ربط نقاط الصراعات المحلية في الشرق الاوسط بتغييرات استراتيجية حاكمة يشهدها الاقليم حاليا، من اجل تأسيس فهم افضل لمساراتها القلقة غالبا والخطيرة احيانا.
ولعل احياء الشراكة الاستراتيجة بين القاهرة وموسكو، الذي جاء بعد التقارب الايراني الامريكي يكرس اتجاه الصعود في منحى تلك التغييرات القادرة على اعادة صياغة الاصطفافات الكبرى في الاقليم، ما قد يؤهلها الى وصف ‘الزلزال الاستراتيجي’، في منطقة لم تستقر اصلا بعد تحولات تاريخية شهدتها خلال السنوات القليلة الماضية.
ومن اللافت ان موسكو اختارت صيغة (2+2) لاحياء تلك الشراكة التاريخية مع القاهرة، بايفاد وزيري الخارجية والدفاع معا الى القاهرة، وهي صيغة لم تستخدمها الا في مرات معدودة ومع دول كبرى مثل اليابان، ما يظهر الاهمية التي توليها لهذا اللقاء.
ولم تكن الحفاوة الرسمية والشعبية التي لقيها الوزيران الروسيان مستغربة، كما يدرك اي مراقب للشأن المصري، ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيلقى استقبال الفاتحين ان قرر زيارة القاهرة قريبا.
وجاءت تلك الزيارة التي وصفها الجانبان بالتاريخية، رغم انها لم تشهد توقيع صفقات او اتفاقات محددة، بعد عشرة ايام من زيارة جون كيري للقاهرة، التي قد تكون اسوأ زيارة من نوعها منذ قطع العلاقات المصرية الامريكية عقب حرب عام 1967. فقد استغرب كثيرون ان وزير الخارجية الامريكي لم يجد نظيره المصري في استقباله بالمطار، كما جرت العادة طوال عقود، على الرغم من ان كيري جاء برسالة واضحة مفادها استمرار التعاون مع الحكومة المصرية المؤقتة، كما انه لم يذكر او حتى يشير ضمنيا الى الرئيس المعزول محمد مرسي، رغم ان الزيارة اتت قبل ساعات من بدء محاكمته، واكتفى بالاشارة الى ‘اهمية المحاكمات العادلة’.
وليست هذه المرة الاولى التي تتوتر فيها العلاقات بين القاهرة وواشنطن، ولكنها الاولى في ظل موقف معاد بشكل غير مسبوق من الاغلبية في الشارع المصري ضد الادارة الامريكية، نتيجة سياساتها التي اعتبرت مناصرة لجماعة الاخوان، ما احدث ‘شرخا تاريخيا في تحالف تقليدي’ قد لا يتعافى منه قريبا.
وكانت زيارة كيري المتأخرة كثيرا لانقاذ تحالف استراتيجي مؤشرا واضحا على ان واشنطن وصلت الى حالة من ‘الافلاس السياسي’ تجاه الوضع في مصر، وانها لم تعد قادرة على التأثير في مجريات الاحداث، خاصة بعد ان حرقت اخر اوراقها بتعليق المساعدات العسكرية مؤخرا.
وربما فوجئ كيري بالفتور عند محدثيه في القاهرة، عندما تعهد امامهم بالسعي لدى الكونغرس لاستئناف المساعدات العسكرية من دون شروط، الا انه لم يكن سعيدا حتما عندما فشل في اقناع الفريق السيسي باعادة النظر في قرار مصر مؤخرا، بالغاء اولوية العبور في قناة السويس التي كانت السفن الامريكية تتمتع بها منذ معاهدة السلام مع اسرائيل.
وكرست جولة كيري الصعبة في المنطقة انطباعا عاما بأن الامريكيين يخسرون حلفاءهم، لأن واشنطن فشلت في تبني سياسة مقنعة خاصة تجاه سورية وإيران ومصر.
وقدم هذا الفشل الامريكي ارضية استثنائية للدب الروسي المتحفز للعودة، ليس فقط الى المياه الدافئة، وهو ما حدث فعلا خلال الايام الماضية مع زيارة طراد بحري وسفينة امدادات لموانئ مصرية في البحرين المتوسط والاحمر على التوالي، ولكن الى العالم العربي وافريقيا، عبر البوابة الاكبر والاهم جيوسياسيا في المنطقة.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد استبق زيارة وزيريه للقاهرة باعلان استعداد موسكو لاجراء مناورات عسكرية مشتركة مع مصر، بدلا عن مناورات النجم الساطع، التي قررت واشنطن الغاءها هذا العام بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.
ومن الناحية الاستراتيجية وتوازن القوى، وفي ظل حالة من الانسحاب الامريكي، قد لا يكون سهلا تصور كافة العواقب التي يمكن ان تعنيها عودة الدب الروسي بكامل قوته الى شرق المتوسط، حيث يمر عشر حجم التجارة الدولية عبر قناة السويس، وحيث تقع سورية ومن ورائها العراق، اي المناطق الاكثر التهابا حاليا في الشرق المتوسط.
وفي المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره المصري، تحدث وزير الخارجية سيرجي لافروف، وهو الخبير في شؤون المنطقة منذ كان سفيرا لروسيا في مجلس الامن، بوضوح حول ‘استعادة مصر دورها الرائد’، وهذه اشارة الى ان موسكو تدرك بخبرتها التاريخية ان دولا اخرى في الشرق الاوسط ستحذو حذو القاهرة باعادة التوازن الى سياستها الخارجية، بما في ذلك بعض دول الخليج.
ومن شأن احياء التحالف الاستراتيجي مع مصر بشكل خاص، ان يقدم ‘مظلة اخلاقية مفقودة’ لعودة النفوذ الروسي في المنطقة، خاصة في مواجهة حالة من الاستياء الشعبي من مساندة موسكو للنظام السوري.
ويرسخ هذا التحالف توافقا ضمنيا اقليميا على استبعاد ‘الحل العسكري في سورية’، وهو تحالف اضطرت واشنطن نفسها الى قبوله مؤخرا للتغطية على فشلها المزمن هناك، ويبدو انها في سبيلها الى اجبار المعارضة السورية في الخارج على قبوله عبر حضور (مؤتمر جنيف 2)، حيث ان النظام السوري لا يمكن ان يشارك في مؤتمر يبحث في رحيل بشار الاسد.
ويبدو ان هذا الخيار اصبح مقبولا لدى اغلبية المصريين الذين يريدون ان يروا نهاية لانهار الدماء في سورية في اسرع وقت، كما انهم يشعرون بالاستياء من انحياز بعض فصائل المعارضة السورية داخل مصر وخارجها الى جانب جماعة الاخوان.
وما من شك في ان توقيت التحالف المصري الروسي جعله يواكب اهم انتصارات موسكو واخرها في المنطقة، الا وهو اجبار واشنطن على الاعتراف بشرعية البرنامج النووي الايراني واحقية طهران في تخصيب اليورانيوم على اراضيها، ما يفتح الباب امام اخرين، بينهم مصر، خاصة انه لولا روسيا لما استطاعت ايران ان تحقق انجازها النووي اصلا.
ومن المتوقع ان يؤدي هذا التحالف الى دفع دول الخليج الى اعادة التفكير في خياراتها لمواجهة ايران، وان كانت البوابة الروسية اصبحت الاقرب الى التأثير، رغم التناقض الصارخ في الصراع السوري، من الولايات المتحدة التي اثبتت مجددا انها حليف لا يكمل الطريق، ولا يمكن الاعتماد عليه.
اما بالنسبة للوضع الداخلي في مصر فان روسيا قدمت شهادة ثقة رسمية في النظام الجديد، وكرست شعورا بعودة السيادة الوطنية، وزادت من العداء الشعبي للولايات المتحدة، والمهم حقا ان ينظر المصريون الى هذا التحالف على انه تصحيح لاخطاء متراكمة بدأت مع طرد الرئيس الراحل انور السادات للخبراء السوفييت في العام 1972، ما ادخل مصر الى المعسكر الغــــربي في انحراف استراتيجي كارثي اهمل تاريخا من التعاون لولاه لما حدث انتصار العام 1973.
واخيرا يجب الا يسعى اي طرف الى استخدام هذا الاستحقاق الاستراتيجي في الانتخابات الرئاسية المصرية، خاصة ان قرر الفريق السيسي الترشح فيها. الا ان هذا امر معقد وله حديث اخر.
‘ كاتب واعلامي مصري