هناك سؤال معلق عن تعقيدات الوضع في مصر مع تصاعد العنف المسلح واتساع نطاقه وتعدد جماعاته، وتركيزه على اصطياد رجال الشرطة والقوات المسلحة، ويتهيأ الآن لتوجيه ضرباته ضد القضاء وأساتذة الجامعات وعلماء الأزهر، والمنطق يقول أن العنف لا يصنع نفسه؛ هناك مناخ وأفكار ومواقف وقناعات وإمكانيات تقف وراءه وتزكيه. ولنترك العنف الاجتماعي وعنف الدولة جانبا حتى إشعار آخر، فما يعنيني هنا هو العنف الأهلي ذو الطابع الطائفي والمذهبي، وتطوره إلى حرب؛ يتمكن من يشنها التحكم في توقيت إعلانها وبدايتها، ولا يمكن له أن يتحكم في نهايتها ونتيجتها، وهو ما يجعل العنف المسلح أهم معوق أمام الديمقراطية.
ومعنى هذا أن مصر تواجه معضلة وهي على أعتاب استحقاق إنتخابي رئاسي ونيابي، أرى أنه لن يغير من الوضع القائم إلا بمعجزة!!
وكنا قد لخصنا في المقال الماضي نقاط ضعف الثورة والثوار في الخصومة المفتعلة مع الأجيال الأكبر، وتأثيرها السلبي على تماسك الكتلة المطلوبة لصنع التغيير المطلوب، وهو تغيير ضروري، لإقامة حائط صد أمام زحف الثورة المضادة، وقصور الإنجازات وحصرها في إجراءات جزئية؛ ذات تأثير محدود، حيث بقيت البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية القديمة على حالها، بجانب تجاهل ضرورة وجود عقد اجتماعي جديد؛ يستجيب لطبيعة هذه الثورة الجامعة، والعجز عن صياغة برنامج وطني حتى الآن، والمقصود هنا ليس كتابة برامج حزبية، أو وضع لوائح وهياكل تنظيمية وإدارية، وكانت نقطة الضعف الأخيرة هي الفشل في إقامة جبهة وطنية عريضة جامعة؛ تعيد اللحمة إلى الصف الوطني، وتقتدي بما كان عليه إلتحام الشعب في الفترة ما بين 25 كانون الثاني/يناير حتى 11 شباط/فبراير 2011.
انقسمت القوى السياسية إلى جماعات وأحزاب ومِلَل ونِحَل؛ تراهن على ظهير خارجى؛ إقليمي أو غربي.
ولم تكن متحمسة للثورة ولا راغبة فيها، وقد عبر عن ذلك بيان صدر في 19 كانون الثاني/يناير 2011، قبيل الثورة بأيام قليلة؛ أعلنت فيه أربعة أحزاب عن عزوفها عن المشاركة؛ حزب ‘الوفد الجديد’، وحزب ‘التجمع’، والحزب ‘الديمقراطي الناصري’، وحزب ‘الأحرار’، وخامسها جماعة الإخوان المسلمين، وهذه الأحزاب كانت تُعرف بالأحزاب الرئيسية، بمعنى أنها تعبر عن قوى سياسية واجتماعية وفكرية موجودة في الواقع، وإن كانت محدودة التأثير، وتتعيش على ما يلقيه نظام مبارك من فتات، وهذا ما جعل الثورة لا تراهن عليها. وحين لاحت بوادر انتصار االثورة صدق عليها قول الشاعر: ‘كل يدعي وصلا بليلى.. وليلى لا تقر لهم بذاك’!!.
ولو استمر الحال في حدود الاستقطاب السياسي السلمي ما كان الأمر قد اتخذ منحى دمويا، ولتضافرت الجهود لإنجاح الثورة، واستكمال أهدافها، التي لم يتحقق منها شيء يغير من معادلة القوة على الأرض، وهذا أحد أهم أسباب النمو المبكر لبذرة العنف؛ تحديدا منذ 19 آذار/مارس 2011، ومن عاش ذلك اليوم رأى الحشد الطائفي والمذهبي غير المعتاد، وعرف بـ’غزوة الصناديق’، قام بها غزاة كانوا من الداخل، ومن بين أبناء الشعب!.
وانقلبت الأولويات، ولم يكن أي الخيارين المطروحين وقتها صالحا، فلا الوقت كان وقت انتخابات، ولم تكن الساعة ساعة دستور، وكان الزمن زمن ثورة طال انتظارها؛ تُركت هائمة تبحث عمن يأخذ بيدها ويضعها على الطريق السليم، حتى سقطت تحت أقدام المهرولين نحو الانتخابات وفقدت وعيها وتاهت بفعل ضجيج وصخب الدعوة للدستور، ولم تكسب الثورة لا هذا ولا ذاك، وخسرت مصر معها، وبدلا من مراحل انتقالية حقيقية تحتاجها كل ثورة تصيغ فيها عقدها الاجتماعي الجديد، وتضع برنامجها الوطني، حدث العكس وتم الاعتماد على كل ما هو قديم وتقليدي. واختير المسؤولون من بين دوائر الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار، وكثيرا ما كان ذلك يحدث بموافقة الثوار أنفسهم ومشاركتهم.
وتنتقل الثورة من فشل إلى فشل، ومع كل فشل تنفتح نافذة على العنف والفوضى، وفرض العنف المسلح نفسه ووصلت مصر إلى ما هي فيه الآن.
كان التصويت في ذلك اليوم يعتمد الفرز المذهبي والطائفي، وكأنها لعنة الميدان (ميدان التحرير) أصابت كل من أعطاه ظهره، وذهب يتفاوض مع عمر سليمان، أو يلتقي بأحمد شفيق ويتفاهم مع رجال مبارك؛ قبل أن تضع الثورة أوزارها، وكانت تلك مقدمات الحصاد المر والدم المراق، والنار وهي تحرق الأخضر واليابس، وذلك لم ينبئ بخير مطلقا!!.
أسقط الثورة حكم مبارك، لكنها لم تجد من يرعاها في موجتها الأولى؛ ‘الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية’، ولا وجدت من يدفع بها في موجتها الثانية في 30 حزيران/يونيو 2013، التي أضافت هدفين غابا عن موجتها الأولى، وهما: ‘الاستقلال الوطني والبعد العربي’.
ومنذ آذار/مارس 2011 والثورة في تراجع، واستهلكتها دوامة الانتخابات والإعلانات الدستورية والاستفتاءات، وبعد كل انتخاب أو استفتاء ينتقل الوضع من السيئ إلى الأسوأ. وها هي النتيجة؛ مصر تأكلها حرب غير مسبوقة مع نفسها.
والإعلام الرسمي والخاص ينسب للإخوان وحدهم ممارسة العنف المسلح، وكل ما يرتبط به من قطع طرق، وتخريب، وتعطيل مواصلات، وحرق وتفجير مبان حكومية وأهلية، بما فيها منشآت جامعية. ولا يشير لغيرهم، مع إن هذا المستوى من الحرب امتد إلى الدين والعلم والثقافة والفكر، وكل ما يمت للحضارة والإنسانية بصلة. وكان الواجب بيان الوجه الآخر للعملة؛ ليكون المواطن على بينة بالتحديات التي فرضت على مصر، وصار الحل الأمني لها غير كاف وحده.
عادت ‘الجماعة الإسلامية’ كما ألمح أحد مؤسسيها الكبار ناجح إبراهيم، لكن بجناحين؛ أحدهما يحرض على العنف المسلح ويمارسه، ويبث الكراهية والفرقة بين المواطنين. ويقسم الوطن إلى دارين؛ دار للكفر وأخرى للإسلام، وذلك الجناح يهيمن عليه القادة المؤسسون، وهم من المكونات الأساسية للعنف المسلح حاليا، والجناح الآخر ملتزم بالمراجعات ويجنح إلى السلم، حسب تقديره!!.
جماعة ‘أنصار بيت المقدس’ محسوبة على الجماعات الجديدة، وهي أقرب لفكر وأسلوب ‘تنظيم القاعدة’، وتنفذ عمليات تُوقع أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية، ولها ظهير عربي وإقليمي؛ يمدها بالدعم، ويزودها بعناصر مدربة، وبعد التضييق عليها في سيناء نقلت نشاطها إلى محافظات الدلتا، ونفذت عمليات في الإسماعيلية، والشرقية، والدقهلية، والقاهرة، واستهدفت مواقع للقوات المسلحة في مناطق ‘الأميرية ومسطرد’، إضافة الى معركة ‘عرب شركس’ بالقليوبية شمال القاهرة، في آذار/مارس الماضي، وقد استمرت سبع ساعات متصلة، راح ضحيتها عميد وعقيد من القوات المسلحة، وستة من المسلحين، أثناء مداهمة خلية حصينة للجماعة.
وفي كانون الثاني/يناير الماضي نفت جماعة ‘أنصار بيت المقدس’ عن نفسها تهمة الهجوم على قسم شرطة ‘الطالبية’ بالجيزة، وقالت إن مجموعة ‘أجناد مصر’ هي المسؤولة عن الهجوم.
وهناك جماعات ناشئة؛ مثل كتائب ‘الذئاب المنفردة’، وتشير المعلومات إلى أنه تنظيم بدائي، لا يتبع جماعة بعينها، يعتمد على نفسه، ويستجلب أفكاره وخبرته من وسائط ‘التواصل الألكتروني’،’وينتسب إلى ‘السلفية الجهادية’، وأتباع ‘محمد الظواهري’، و’أحمد عشوش’. وينسبه عبد الرحيم علي؛ الخبير في شؤون ‘الجماعات الجهادية’ إلى الجيل الرابع لـ’تنظيم القاعدة’، ويمول نفسه ذاتيا، ويحصل على المواد التي تدخل في صناعة المتفجرات من الأسواق دون لفت الانتباه، وما زال غير معروف على نطاق واسع.
والغريب أن المنتمين لـ’الذئاب المنفردة’، لا يدخلون المساجد، ولا يطلقون لحاهم، وكان أول تعرف عليهم في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي؛ حين تبنوا تفجير محول كهربائي تابع للمخابرات الحربية بضاحية ‘الزيتون’. وقد أصدروا بيانين في 24 كانون الثاني/يناير الماضي، تبنوا فيهما الهجوم على قسم شرطة ‘الطالبية’ بالجيزة، وعلى مجموعة الأمن المركزي؛ المجاورة لمحطة مترو أنفاق ‘مركز البحوث’ بـ’الدقي’،
وهناك ‘كتائب الفرقان’، واستخدمت قذائف ‘آر بي جي’ في هجومها على القمر الصناعي بضاحية المعادي العام الماضي، وسبق لها أن تبنت قتل العقيد أركان حرب محمد الكومي، رئيس استطلاع الفرقة الثامنة دفاع جوي، في الأول من نفس الشهر، وتستهدف السفن المارة في قناة السويس، وكانت لها عملية هناك في ايلول/سبتمبر 2013.
ويصدق على جماعات العنف المسلح المصرية مثل ريفي شائع في مصر يقول: ‘الإسم طوبة والفاعل أمشير’ وهما شهران من شهور السنة القبطية، التي يعتمد عليها الفلاح في تحديد مواعيد الزرع والحصاد، وهما أكثر شهور الشتاء برودة، ومعروف عن ‘طوبة’ أن بردها قارس جدا، ويتفوق عليها أمشير بالرعود والعواصف والأمطار والأتربة، و’أمشير’ أشد قسوة من ‘طوبة’ رغم أنها شهر البرد القارس، خاصة في الدلتا والوجه البحري!.
وهناك جماعات من خارج الإسلام السياسي تمارس العنف المسلح هي الأخرى.. فمن هي؟.. وماذا تريد؟.. وهذا هو سؤالنا المعلق!.
‘ كاتب من مصر يقيم في لندن