مصطفى الخلفي وزير الاتصال المغربي لـ’القدس العربي’: لا تراجع عن حرية الإبداع.. والسلطة التنفيذية لن تتحكم في الإعلام

حجم الخط
0

الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود معروف والطاهر الطويل: أوضح مصطفى الخلفي وزير الاتصال (الإعلام) والناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية أن علاقة السلطة التنفيذية بوسائل الإعلام في بلاده تتمثل في وضع القواعد المنظمة لهذا القطاع، نافيا أن تكون علاقة تحكم وسيطرة.

وأكد اصغر وزراء سنا في حكومة عبد الاله بن كيران أن حرية الإبداع والصحافة مكفولة دستوريا في المغرب، وليس هناك أي تراجع عنها. وأعلن الخلفي الذي جاء للوزارة من ميدان الصحافة في حوار مع ‘القدس العربي’، عن قرب ميلاد مجلس وطني للصحافة وعن الإعداد لتنظيم مناظرة حول السينما، وانطلاق مفاوضات لترتيب ‘عودة متدرجة’ لمكتب ‘الجزيرة’ إلى المغرب. وكشف أيضا أن وزير العدل والحريات قدم ملتمسا للجهات العليا من أجل إطلاق سراح الصحافي المعتقل رشيد نيني، وأعلن أن المغرب سيمنح تراخيص لإنشاء قنوات تلفزيونية حرة في غضون الثلاث سنوات القادمة. ـ لنبدأ حوارنا بالمشروع الذي تركزون عليه هذه الأيام والمتعلق بإصلاح وتعديل القوانين المتعلقة بالإعلام السمعي البصري، أي ما يطلق عليه هنا في المغرب ‘دفاتر التحملات’، لماذا جعلتم هذا المشروع من أولوياتكم؟ وما الأهداف المتوخاة منه؟

ـ مراجعة دفاتر تحملات قنوات القطب العمومي وكذلك الإذاعات العمومية تأتي في إطار تنزيل استحقاقات الدستور الجديد، الذي حدد القواعد المتعلقة بالمرافق العمومية عند تقديمها للخدمة العمومية في ما يلي: احترام القانون، المساواة، الشفافية، الحياد، المصلحة العامة؛ هذا بالإضافة إلى الفصول التي تتحدث عن حرية الصحافة ودور الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في ما يخص حرية المعلومة والتعددية وغير ذلك.

لقد تم تحديد مفهوم الخدمة العمومية وفق ما تبلور، طيلة السنوات الماضية، من نقاشات حول وظيفة القطب الإعلامي العمومي وأدواره في علاقته مع مختلف الفاعلين ومع الجمهور، على أساس المساواة والتعددية وتحقيق ضمان الاندماج الوطني وتوفير شروط المهنية واحترام أخلاقيات المهنة في العمل الإعلامي.

أعتقد أن مراجعة ‘دفاتر التحملات’ مدخل أساسي لمعالجة قضايا كبرى، تتمثل في حاجة المغرب إلى قطب إعلامي سمعي بصري عمومي قوي، قائم على مبادئ الحرية والمسؤولية والإبداع والكرامة للعاملين، ويسعى إلى الاضطلاع بثلاث مهام مستعجلة، أولاها: تعزيز مقومات الهوية المغربية كما جاءت في الدستور، وثانيها: المواكبة الفاعلة والقوية للتحولات السياسية ولمسلسل الإصلاحات الجارية، فيما تتمثل المهمة الثالثة في مواجهة تحديات التنافسية التي يطرحها وجود زهاء 900 قناة فضائية على مستوى ‘نايل سات’ وحده. هناك، إذن، تحديات الاستعداد لتحرير المجال السمعي البصري بالمغرب والتي لا يمكن أن نتهرب من استحقاقات تنزيلها.

ـ ما طبيعة المقاربة التي اعتمدتموها في هذا المجال؟

ـ كانت مقاربة تشاركية، من خلال التواصل والحوار الواسعين مع المسؤولين والعاملين المعنيين وتعميم هذا الموضوع على مجموعة من الفاعلين، إذ أننا تلقينا اقتراحات هيئات متعددة، من جمعيات ومنظمات ونقابات وعاملين ومبادرات فردية… فضلا عن حث إدارات القطب العمومي ـ على مستوى القنوات والإذاعات ـ على الانخراط في حوارات مع العاملين من أجل تقديم مذكرات جماعية، تنطلق من تقييم حصيلة دفاتر التحملات السابقة، وفي الوقت نفسه تأخذ بعين الاعتبار الانتظارات والاستحقاقات المستقبلية.

تحديات الجودة والتنافسية والحكامةـ هناك هواجس يثيرها مجموعة من الفنانين والمبدعين والعاملين في مجالات الإنتاج الدرامي التلفزيوني والسينمائي، مردها التخوف من أن تعمل القوانين الجديدة (دفاتر التحملات) على تقييد حرية الإبداع، أخذا بعين الاعتبار الصبغة السياسية للحكومة الحالية، كونها تقوم في جانب كبير منها على حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية؟

ـ لا خوف على الحرية، لأنها مكسب ومُحصَّن بالوثيقة الدستورية.

والذي حكم عملية صياغة دفاتر التحملات، ثلاثة تحديات جوهرية: الجودة والتنافسية والحكامة (أي التدبير الإداري الجيد). مثلا، كان هناك تحد مطروح يتجلى في عدم مواكبة الإعلام العمومي للحياة الثقافية، الآن هناك مشروع قناة ثقافية. كان الإعلام العمومي لا يقدم عرضا للأسرة والأطفال، بحيث أن الأطفال المغاربة يلجأون إلى قنوات أجنبية، ومن ثم يوجد حاليا مشروع قناة للأسرة والطفل. كان يُلاحظ، أيضا، عدمُ وضوح الهوية التحريرية لكل قناة، فشرعنا في تجاوز الأمر، بالشكل الذي يحقق التكامل، ويخرجنا من التكرار والتعارض.

إذن، كانت هنالك إشكالات مرتبطة بالجودة وبمدى استعداد الإعلام السمعي البصري العمومي للاستجابة لانتظارات المغاربة.

التحدي الثاني مرتبط بالتنافسية، تنافسية القنوات المغربية من حيث عرضها مع القنوات الأجنبية، وهذا إشكال كبير استندنا فيه على دراسات ميدانية أُنجزت من طرف مؤسسات معترف بها في سنة 2011، مقارنة مع قنوات أجنبية، وتمكنّا من تكوين صورة عن حجم التحدي الذي يهدد مستقبل بلادنا، ثقافة وتاريخا وحضارة وسياسة، على مستوى الحضور في المشهد السمعي البصري العالمي.

أما تحدي الحكامة فينصبّ على تثمين الموارد البشرية وكيفية توظيفها التوظيف الأمثل، بالإضافة إلى إرساء نظام واضح لأخلاقيات المهنة كما هو متعارف عليها عالميا، وإرساء قواعد تنظم العلاقة مع شركات الإنتاج وسبل دعم الإنتاج الوطني، والعلاقة مع المرتفقين (المتلقّين) المستفيدين من الخدمة العمومية؛ علماً بأن الفصل 156 من الدستور جاء صريحاً في التنصيص على تأمين نظام لتلقي الاقتراحات والملاحظات والتظلمات والاستجابة لها.

لذلك، يمكن القول إن المغرب يشهد حاليا مناخا سياسيا جديدا مرتبطا بالدستور، يفرض على السلطة الحكومية المعنية بقطاع الاتصال أن تضطلع بدورها في التقنين والتنظيم، من أجل تأهيل هذا القطاع ليواجه تحديات الجودة والتنافسية والحكامة. أما هاجس الحرية، فإننا نعتبر أنه من غير الصحيح أن يُطرح، لأننا نؤكد أن الحرية أصبحت الآن مكتسبا لا تراجعَ عنه مطلقاً.

ـ في هذا السياق الذي تتحدثون عنه، هل ترون أن الإعلام السمعي البصري المغربي يستجيب عموما لانتظارات المغاربة في الخدمة الخبرية؟ إذ نعلم أن هناك أحداثا ووقائع تحدث في مختلف مناطق المغرب، وحين يريد المواطن الحصول على تفاصيل الخبر، لا يجد مفرا من البحث عنه في قناة أخرى، ربما تكون عربية أو غربية.

ـ لا يمكن ربح التنافسية بدون احترام أخلاقيات المهنة، وأخلاقيات المهنة بالمعايير الدولية تقتضي التعاطي بمنظور قائم على خدمة الحقيقة، وتمكين كل الآراء من تقديم وجهات نظرها، وتجنب السقوط في تزييف الوقائع.

أعتقد أن الإعلام العمومي في المغرب معني بأن يضع نظاما لأخلاقيات المهنة، حتى يرتقي بمصداقية ما يصدر عنه. صحيح أن هناك رصيدا تحقق في السنوات الماضية، ولكن ما يجب الإشارة إليه أيضا أن في الإعلام العمومي بالمغرب حالياً فضاءات للنقاش السياسي كانت غير متوقعة في السابق، وهي الآن تتم بشكل أسبوعي. ثانيا، هناك قواعد تحكم اشتغال المرافق العمومية، ومنها قاعدة الإنصاف. ما يساعد الإعلام العمومي على أن يضطلع بدوره في تجسيد التعددية وتحقيق الاندماج الوطني هو أن يشكل مجالاً للحوار في القضايا التي تثار؛ وألا يصبح لدينا ذلك الهاجس الذي يعيق القدرة على مناقشة القضايا بشكل صريح وواضح.

ـ هذه الأشياء غير موجودة على أرض الواقع في ما يقدم من برامج ومواد إخبارية وحوارية. نعني مطلب الجمهور المغربي في وجود تفاعل حي ومباشر وجريء مع قضاياه اليومية ومع ما يعتمل في الواقع؟

ـ هذا المطلب يعدّ من الأمور التي نشتغل على إرسائها، من أجل أن يترسخ الأداء الإعلامي القائم على القرب وعلى تشجيع الحوار بين الأطراف. في الآونة الأخيرة، تعززت البرامج الحوارية السياسية في مجموع مكونات القطب العمومي، وسنعمل على مضاعفة عددها في المستقبل القريب إن شاء الله.

لكن لا يمكن للسلطة التنفيذية أن تتدخل بشكل مباشر، لان هنالك الآن قانون يحكم الإعلام السمعي البصري. وايضا لسنا من دعاة أن تصبح السلطة التنفيذية تتدخل في الضيوف وفي طبيعة المعالجة؛ لكنها معنية أساساً بوضع القواعد والمبادئ وإرساء نظام للتتبع عبر آليات للحكامة، حتى نستطيع جعلَ منطق القرب والانفتاح، واستيعاب مختلف الآراء، والحرص على متابعة التطورات، نابعاً من داخل المؤسسة. نحن نضع القواعد ونعمل على إرسائها، دون أن يؤدي ذلك إلى جعل القطاع السمعي البصري أداة تتحكم السلطة التنفيذية في كل صغيرة وكبيرة فيها، لأن هذا ضد التطور الديمقراطي ولا يمكن أن نرجع إلى الوراء في هذا المجال.

ـ كان القطاع السمعي البصري دائما، بمثابة قلعة محصنة في وجه وزراء الاتصال، وكان التنافر وسوء الفهم بين الوزراء المعنيين ومدبري القطاع. هل تم تجاوز هذا الوضع؟

ـ توجد حاليا علاقة تعاون قوية في مجال وضع القواعد وإرساء المبادئ، كانت من أولى نتائجها ـ الأسبوع الماضي ـ اجتماع المجلس الإداري للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، والذي أصدر سلسلة قرارات نتجت عن العمل المشترك الذي تم في الثلاثة أشهر الماضية.

الأمر نفسه حصل على مستوى مراجعة دفاتر التحملات، حيث تمت بطريقة تشاركية. فقد عقدنا بمعية فريقنا لقاءات مباشرة في وسائل الإعلام السمعية البصرية العمومية حول مضامين تلك الدفاتر. كما أن المناخ السياسي ساعد بشكل كبير على إرساء هذا التوجه الجديد من الحوار والتعاون والعمل المشترك؛ مما أدى إلى لجوء عدد من الفاعلين في الإعلام إلى وزارة الاتصال لطرح مذكرات واقتراحات، بشكل غير مسبوق. ثمة تقدير كبير لدور السلطة التنفيذية في هذا المجال، الذي هو دور تتبعي مبادر، وليس تحكّمياً. وهذا ما يلمسه الناس. كان البعض يتوجس من أنه في ظل هذا المناخ السياسي أن تقع عملية التحكم. كل تجارب الإعلام السمعي البصري العمومي في العالم نجحت عندما اكتفت السلطة التنفيذية بوضع القواعد والمبادئ وإرساء آليات للتتبع وتأسيس علاقات شراكة مع المهنيين، على أساس أن المهنيين معنيون بالاشتغال وفق تلك القواعد التي تخضع لهيئة مستقلة هي الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.

ما ينبغي التذكير به أننا، ومنذ الأسبوع الأول من تولينا المسؤولية على رأس هذا القطاع، نعقد لقاء أسبوعيا مع قيادة القطب العمومي. لقاءات يتفق الجميع على كونها إيجابية، إذ حصل فيها تقدم إيجابي في عدد من القضايا.

ـ تحدثتم عن التنافسية لأكثر من مرة، ألا تعتقدون أن فتح الفضاء الإعلامي البصري تحديدًاأمام القطاع الخاص قد يساعد على تطوير القطب العمومي؟

ـ تحرير القطاع السمعي البصري اختيار ديمقراطي أُرْسِيَ في المغرب منذ حوالي عشر سنوات. أما التعثر فقد كان على مستوى أجرأته (تنفيذه). ومن التحديات التي كانت مطروحة آنذاك، تبلورُ عرضٍ مقنع من القطاع الخاص، وفي الوقت نفسه تأهيل القطب الإعلامي العمومي لمواجهة تحديات المجال السمعي البصري.

المغرب أنجز نصف الخطوة على مستوى الإذاعي، الآن بقيت الخطوة الأخرى على مستوى البصري. وأنا أعتقد أنه في أفق الثلاث سنوات القادمة ستكون العملية ميسّرة.

ـ هل ستظهر تراخيص لقنوات تلفزيونية خاصة هذه السنة؟

ـ الموضوع غير مطروح هذه السنة.

ـ ولكن، ألا ترون أن دخول القطاع الخاص في مجال الإذاعات الحرة لم يساهم في تطوير الإذاعة الوطنية؟

ـ صحيح، وذلك لسبب بسيط يتمثل في أن دفاتر التحملات أدت إلى تقزيم وضع الإذاعات الوطنية والجهوية، بحيث أننا لم نعد إزاء إذاعات جهوية بل هي مجرد محطات جهوية. لقد عقدنا لقاءات متعددة وطويلة مع مسؤولي الإذاعة الوطنية والجهوية، اتفقنا فيها على برنامج عمل طويل المدى. التنافسية يكون لها دائما أثر على مستوى الجودة، لكن بين فاعلين متكافئين. للأسف الشديد، تم تحرير المجال الإذاعي، وفي الوقت نفسه تم تهميش وتقزيم الإذاعات الوطنية العمومية والجهوية. الآن، نتجه إلى تحقيق التوازن المطلوب، حتى يكون لهذه التنافسية الأثر الإيجابي المطلوب.

ـ نرجع إلى موضوع التنافسية في الإعلام البصري، سمعنا رئيس الحكومة يتحدث عن قرب عودة مكتب الجزيرة إلى المغرب، هل هناك ترتيبات وأجل محدد وضعتموه لهذه العودة، وبأية شروط وضمانات؟

ـ لقد كان لدينا حوار إيجابي ومثمر مع قناة ‘الجزيرة’، ونعتقد أن الشروط نضجت لطي صفحة الماضي وإرساء قواعد عودة متدرجة. هذا الأمر ما زال موضوع حوار.

لا للإساءة إلى الأديان وإلى الملك.. نعم لحرية التعبيرـ طرح في الآونة الأخيرة موضوع الرقابة على المطبوعات الأجنبية التي تدخل إلى المغرب، وهناك من يتوجس من أن تكون بصمة العدالة والتنمية الإسلاميين حاضرة بقوة في هذه القرارات. كيف تتعاملون مع هذا الموضوع؟

ـ البصمة حاضرة، لكن بالمعنى الإيجابي؛ حيث أصبحت قرارات عدم الترخيص معللة ومعلنة. في السنة الماضية التي سبقت مجيء الحكومة الحالية كان هناك 29 قرار منع، وقليل منها عُرف. الآن، خلال ثلاثة أشهر صدرت خمسة قرارات ارتبطت بحالات لا تهم حرية التعبير، بل بعملية إساءة وقذف، وتم الاستناد فيها ليس فقط على القانون الوطني بل حتى على القانون الدولي، خاصة ثلاث حالات همّت الإساءة إلى الأديان وانتهاك حرمة الرموز الدينية عن طريق مجلة صوّرت الذات الإلهية، وأخرى صوّرت ذات الرسول محمد (ص) بطريقة تحقيرية. لدينا توجه ينسجم مع التوجه العالمي، ويتمثل في الحيلولة دون انتهاك الرموز الدينية. أمر آخر حصل مع المؤسسة الملكية، فبعدما صدر من إساءة إليها بشكل مباشر بمزاعم غير صحيحة، جرى اتخاذُ قرار صريح في الموضوع.

أما الآراء والمواقف، فبصمة العدالة والتنمية هي ألا نتدخل في هذا الأمر. فالمجلات التي تقرر الترخيص لها بالتوزيع كثيرة جدا. بالموازاة مع ذلك، نسير في اتجاه إصلاح قانون الصحافة لأن يكون قرار المنع من اختصاص القضاء، مثلما حصل ـ مثلا ـ في إسبانيا مع المجلة الإسبانية الساخرة ‘خويبيس’ التي قامت بنشر رسم كاريكاتوري لولي العهد الإسباني الأمير فيليب في يوليو (تموز) 2007، حيث أصدر القضاء قرارا بمصادرة الأعداد من الأكشاك، وبغرامة قدرها 3000 يورو. للتذكير أيضا، فعقوبة إهانة العائلة الملكية في إسبانيا تصل إلى سنتين سجناً. ونحن نتجه إلى أن يكون اختصاص السلطة التنفيذية في هذا الموضوع هو الحجز المؤقت في انتظار حكم القضاء بالشكل الذي يخدم توسع الحريات التي أقرها الدستور، خاصة الفصل 28 الذي ينص على أن حرية الصحافة مضمونة ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية عليها. وفي الوقت نفسه، يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها.

ـ بحكم وجود حزب ‘العدل والتنمية’ في السلطة التنفيذية، هل ترون أنه يتم استفزازكم لاتخاذ قرارات معينة، لتبرير التهجم على المغرب والإساءة إلى صورته على مستوى التعامل مع وسائل الإعلام؟

ـ هذه من بين القراءات التي طرحت والتي لا يمكن استبعادها، لكن في الوقت نفسه لا يمكن الجزم بها. أن تكون هنالك عملية اختبار وقياس لمدى سعة صدرنا، هذا الأمر قد يكون واردا في تقدير البعض. لكن، نحن نشتغل بمنطق دولة المؤسسات التي تجعل حكومة يقودها حزب ‘العدالة والتنمية’ وغير ‘العدالة والتنمية’، تستند إلى القانون في ما يصدر عنها، وتنسجم مع الدستور نصا وروحا وفلسفة؛ خاصة في ظل ثورة المعلومات التي تجعل من اللجوء إلى المنع ليس هو الاختيار الصائب دائما. لا بد من إعمال قواعد موضوعية تجعل من إثارة هذه القضايا عملية غير ناجحة للتشويش أو إرباك انطلاقة هذه المسيرة. والآن، بعد ثلاثة شهور من تعيين الحكومة يحس الناس بأن مناخ الحرية لم يمس. قبل بعضة أسابيع نظمنا لقاء دراسيا كبيرا شهد نجاحا معتبرا، بحسب شهادة الكثيرين، إذ استطاع جمع أزيد من 250 موقع إلكتروني إخباري و500 مشارك، وساده جو سليم من النقاش والحوار. هنالك مناخ حرية واسع في بلادنا، وحصول حوادث معزولة لا يشوش عليه، بل بالعكس المغرب لا يمكنه أن يتراجع على هذا المسار، لأنه محصن دستوريا. أوكسجين المواقع الإلكترونية هو الحريةـ لوحظ اهتمامكم بالإعلام الإلكتروني، هل مرد ذلك إلى تعويض الضعف الموجود في وسائل الإعلام السمعية البصرية بالمغرب؟

ـ عالميا، المواقع الإلكترونية هي مستقبل الصحافة، وأية صحيفة ورقية أصبحت ملزمة الآن بأن يكون لها موقع إلكتروني يضمن حضورها على مدار الساعة، وأصبحت تنهض بأدوار تمكّن من تقديم خدمات تفاعلية، تجعل من علاقتها مع القراء علاقة وطيدة، بحيث أصبح القارئ شريكا في السياسة التحريرية للصحيفة. الثورة التكنولوجية حاليا تعيد صياغة المشهد الإعلامي، وتفتح آفاقا مذهلة تتيح له سعة الانتشار. ومن هنا، فالإعلام الإلكتروني بالمغرب قطاع واعد، إعلامياً واقتصادياً وتكنولوجياً، يمثلّه حوالي 400 موقع إلكتروني قوي ويحظى بنسبة انتشار واسعة، بحيث نجد في موقع إلكتروني ما مليون زائر أو خمسمائة زائر ـ مثلا ـ في نهاية الأسبوع. وفي المقابل، نفتقد إلى سياسة عمومية لدعم هذا القطاع، الذي يقوده شباب جعل المغرب يوجد في الرتبة السادسة على مستوى العالم الإسلامي والرتبة 35 في ‘الفيس بوك’ عالمياً، إذ أن هناك أربعة ملايين ونصف تقريباً صفحة ‘فيس بوك’ مغربية. هذا القطاع لا يمكن أن نتجاهله، بل لا بد أن تكون للحكومة سياسة واضحة تعزز ضمانات الحرية والمسؤولية، توفر فرص انتشار وارتقاء أكبر، وتتيح إرساء آليات التنظيم الذاتي داخل هذا القطاع الذي يبحث عن الاعتراف.

ـ هناك تخوف من محاولة ضبطه من طرف الدولة.

ـ هذا القطاع تطور وأصبح عنصر قوة لبلادنا في أغلب تجاربه. وقد التقيت كمسؤول حكومي أزيد من 40 موقعا إلكترونيا في لقاءات مباشرة. أوكسجين هذا القطاع هو الحرية الموجودة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفكر في التراجع عنها. هذا موضوع محسوم فيه. أما موضوع الارتقاء بمصداقية المواقع وبجودة خدماتها تكنولوجيا وتحريريا وبشريا، فهذا من التحديات المطروحة؛ وقد ساهم اللقاء الدراسي الذي نُظّم في هذا الإطار في تبديد هذه الهواجس بشكل كبير، حيث جمع اللقاء المهنيين مع الخبراء ومع شركائهم وزملائهم في الصحافة الورقية للحوار حول تلك القضايا، وقد كان هناك اتفاق حول إرساء جملة من القواعد التي تهم أخلاقيات المهنة، والتحري في الأخبار، وتجنب السقوط في التشهير أو الإساءة أو المساس بحرمة الحياة الشخصية، وفي الوقت نفسه الاضطلاع بدور الرقيب على الفاعلين في تدبير الشأن العام، وتقديم الخبر والحقيقة للجمهور، والحرص على الدقة والإنصاف.

على مستوى التكنولوجي، هنالك مطالب مشروعة، فأصحاب المواقع الإلكترونية يحتاجون إلى مزودين (بوفايدرز) من مستوى عال ويوفّرون خدمات مأمونة وقوية؛ ويحتاجون أيضا إلى اعتراف مهني وإلى بطاقة صحافة توفر لهم الضمانات المرجوة حتى لا يتم التعرض لهم. كما أنهم يحتاجون إلى ضمان حرية الوصول إلى المعلومة، وفي الآن نفسه يحتاجون إلى مساعدات من أجل التحديث والتأهيل، حتى يصبحوا مقاولات صحافية حقيقية تخضع للقوانين الجاري بها العمل والمنظمة للشركات والعمل، مثل زملائهم في الصحافة الورقية.

وبالإجمال، لا مناص من الإقرار بوجود مناخ عام إيجابي، وإن شاء الله سنتقدم في هذا المجال بشكل كبير.

ـ على حساب الصحافة المطبوعة؟

ـ لا، هذا الأمر يتم بشراكة جماعية ومن خلال نقاش عام. فيدرالية ناشري الصحف والنقابة الوطنية للصحافة المغربية كانتا حاضرتين في اللقاء الدراسي حول الصحافة الإلكترونية، لأن الغرض كان هو دخول مرحلة جديدة في تاريخ الصحافة الوطنية، عبر معانقة ما تتيحه الثورة التكنولوجية وتكنولوجيا المعلومات من فرص وإمكانات.

قريبا.. الإعلان عن مجلس وطني للصحافةـ يلاحظ وجود تأخر في إخراج القانون المنظم للصحافة بصيغته المعدلة؟

ـ فعلا، حصل تعثر لعدة سنوات، كان هناك حوار في النصف الأول من العشرية الماضية، الآن ثمة حوار جديد انطلق، ابتدأنا بمشروع قانون للمجلس الوطني للصحافة بلغنا فيه مرحلة متقدمة، وسيكون جاهزا ـ بإذن الله ـ في غضون الأسبوعين المقبلين. سننخرط فيما بعد في حوار حول قانون الصحافة على أساس مستجدات الدستور، وسيخصص حيز منه للصحافة الإلكترونية لكونها تتوفر على خصوصيات مغايرة لاسيما على المستوى التكنولوجي. وسننخرط في عقد برنامج جديد وفي مراجعة قانون الصحافي المهني حتى يواكب المستجدات المرتبطة بقانون الصحافة. هنالك اتفاق حول ضرورة إنجاز إصلاحات جوهرية، تكون في مستوى ما جاء به الدستور في مجال حرية المعلومة وحرية الصحافة، وضمانات ممارسة الصحافة، وتعزيز التنظيم الذاتي للمهنة، وإرساء علاقة قوية بين قطاع السمعي البصري والصحافة المكتوبة. ـ كانت هناك نقاط خلاف حول القوانين السالبة للحرية في قانون الصحافة، هل ثمة تصور لمراجعة المسألة وحسم الخلاف؟

ـ من السابق لأوانه أن نجزم في الموضوع، لكن التأويل الديمقراطي للدستور يقتضي أن نتقدم إلى تقليص العقوبات السالبة للحرية. في القانون الحالي توجد حوالي 24 عقوبة سالبة للحرية، هناك طموح لأن يتم تقليصها إلى ثلاث عقوبات أو اثنتين فقط. وهنالك رأيان: العقوبات المتبقية إما أن تحال على القانون الجنائي، وآنذاك يحاكم الصحافي في الحالات المرتبطة بالإساءة أو بالقذف أو التشهير، أو أن تبقى في قانون الصحافة على أساس أن تصبح هناك سلطة تقديرية للقاضي، بحيث يكون له خياران في نفس العقوبة، أن توضع عقوبة سالبة للحرية أو تعويض مالي أو صيغة تجمع بينهما. أما حرية التعبير فليست خاضعة لأحكام العقوبات السالبة للحرية.

التجارب الدولية سارت في هذا المنحى بما فيها التجربة البريطانية. ثمة بعض الأمور التي تصدر عن الصحافي وتكيف جنائيا تخضع للقانون الجنائي، ويبقى قانون الصحافة إطاراً مرجعياً لتعزيز ضمانات ممارسة المهنة واحترام أخلاقياتها.

ـ وماذا عن استمرار اعتقال الصحافي رشيد نيني الرئيس المؤسس لصحيفة ‘المساء’؟ ـ السيد وزير العدل والحريات كان قدم ملتمساً في الموضوع لإطلاق سراحه، وما زال لدينا أمل في أن تقع الاستجابة، حتى نستطيع طي هذه الصفحة من التوترات التي شابت علاقة الصحافة بالسلطة في المغرب.

ـ هل صحيح ما يقال إن مصطفى الخلفي مكلف بإنهاء وزارة اسمها وزارة الاتصال؟

ـ لا، أنا مكلف بجعل وزارة الاتصال تواكب استحقاقات تطبيق الدستور وتضطلع بمهام جديدة ترتبط بوظيفتها، مثلما هو موجود في دول مثل إسبانيا التي توجد فيها كتابة الدولة في الاتصال ودول أخرى كفرنسا التي تتوفر على وزارة تجمع بين الثقافة والاتصال. لا بد أن نستوعب طبيعة التحولات التي حصلت في العالم، والتي تجعل من وجود جهاز حكومي يضطلع ببعض المهام الحيوية في قطاع الاتصال مسألة مطلوبة، لكن في الوقت نفسه دون أن يكون ذلك مدعاة للمساس بمفهوم الخدمة العمومية في الإعلام السمعي البصري أو بضمانات الحرية في الصحافة المكتوبة.

ـ كانت توجه دائماً انتقادات لتدبير الشأن السينمائي بالمغرب، بحيث تثار مفارقة غير مفهومة تتمثل في تراكم في الإنتاج على حساب الجودة.

ـ فعلا، هنالك حاليا اشتغال مكثف على هذا الموضوع، وقد عقدنا سلسلة لقاءات مكثفة مع المسؤولين عن القطاع السينمائي والمعنيين به، وتم الاتفاق على التحضير لعقد مناظرة وطنية حول السينما لمناقشة موضوع الجودة، وإحداث إصلاحات جديدة وعميقة في دفاتر التحملات على مستوى الدعم والمهرجانات على أساس قواعد الحكامة، وتطوير نظام الدعم وفق التقييم الذي خرج به المجلس الأعلى للحسابات، وإدراج آليات تمكّن من الانتقال من الكم على مستوى عدد الأفلام المنتجة إلى منطق الكيف، أي الجودة بآليات معينة، من خلال الاستفادة من تجارب دولية كالتجربة الفرنسية والتجربة البريطانية وغيرها… كما تم اعتماد آليات استعجالية تهم التكنولوجيات الحديثة، خاصة على مستوى القاعات السينمائية وما يرتبط بها من تقنيات وتجهيزات، وكذا إنشاء مؤسسة عمومية للتكوين (التدريب) في مجال مهن السمعي البصري والسينما، وقد تم إعداد مرسوم لهذا المعهد وتمت المصادقة عليه.

ـ أثير أخيرا سجال حول المهرجانات الفنية والموسيقية وخاصة مهرجان ‘موازين’ باعتباره يستفيد من الخدمة العمومية رغم طابعه الخاص، هل تتجهون إلى تقنين الإعلام العمومي مع مهرجان كهذا الذي يحظى بتعامل خاص من لدن الإعلام السمعي البصري؟

ـ لقد سبق لرئيس الحكومة أن أوضح أن الحكومة لم تحدد موقفاً من أي مهرجان. مبدأ الاحتكام إلى الحكامة الجيدة في كل المهرجانات، هذا مبدأ أعلنت عنه الحكومة في برنامجها ويحكم علاقتها مع المهرجانات. أما بخصوص علاقة الإعلام العمومي مع الحراك الثقافي والفني الموجود بالمغرب فهذا من بين القضايا التي تم الاشتغال عليها بمنظور إيجابي، حتى يكون الإعلام مواكبا لذلك الحراك، وذلك وفق القوانين التي تنظم هذه العلاقة والتي هي سابقة على تنظيم المهرجانات.

ـ وماذا عن التصريحات الصادرة عن بعض وزراء الحكومة الحالية، ألا تؤدي إلى إرباك العلاقة مع هذه المهرجانات؟

ـ هذا الأمر قد يكون نظرياً سليماً؛ لكن، بعد التوضيح الذي صدر من رئيس الحكومة انتهى الإشكال، فنحن الآن نشتغل كمؤسسات، المواقف الرسمية تصدر عن الهيئات الرسمية وهي التي ينتج عنها تحمّل لمسؤولية الدولة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية