القاهرة – «القدس العربي»: في مشهد غير مسبوق في تاريخ السينما الفلسطينية، أعلنت مؤسسة «الكرمل للإنتاج الفني» في العاصمة السويدية ستوكهولم عن الانتهاء من إنتاج أول فيلم فلسطيني للرسوم المتحركة مخصص للأطفال، يعتمد بالكامل على تقنيات الذكاء الاصطناعي. يحمل الفيلم عنوان «اللجوء إلى المدرسة»، تبلغ مدته خمس عشرة دقيقة، ويشكل خطوة ريادية جديدة في مسيرة الفن الفلسطيني، إذ يزاوج بين الخيال الطفولي والابتكار التقني، ويقدّم قضية اللجوء من زاوية إنسانية شفافة بعيدة عن التقريرية أو الخطابة.
تدور أحداث الفيلم في يوم عاصف يجبر مجموعة جميلة من قصار القامة الذين يعيشون في الغابة على اللجوء إلى مدرسة القرية القريبة. وهناك يقضون أوقاتاً ممتعة مع أطفال المدرسة.
الفيلم من تأليف الكاتب والسيناريست الفلسطيني مصطفى قاعود، وإخراج محمد السهلي، حيث نجحا في تقديم تجربة بصرية تجمع بين الحس الإنساني والتطور التقني، في عمل يعيد تعريف علاقة الفن بالتكنولوجيا، ويمنح القضية الفلسطينية مساحة جديدة من الإبداع.
عرض للمرة الأولى في مدينة يوتوبوري (غوتنبورغ) يوم 18 الشهر الجاري ضمن فعاليات مهرجان «القراءة بلغات عدة»، المخصص للجاليات متعددة الثقافات في السويد، على أن يُعرض رسميًا في ستوكهولم يوم 24 الشهر خلال فعاليات معرض ستوكهولم للكتاب العربي.
حول هذا العمل الإبداعي، نحاور الكاتب الفلسطيني مصطفى قاعود، الذي يحدثنا عن تجربته الفنية، ورؤيته للذكاء الاصطناعي كأداة جديدة لخدمة الإبداع الإنساني الفلسطيني.
□ بدايةً، فلسطين حاضرة دائمًا في أعمالك، سواء كنت في الوطن أو في المهجر. كيف تعرّف علاقتك الإبداعية مع الوطن وأنت تعيش في السويد؟
■ فلسطين ليست موضوعًا أكتب عنه، بل هي تسكنني كروح لا تغيب. في العالم العربي كنا نكتب بطريقة تعبوية مباشرة، لكن في الغربة الأمر يختلف. هنا في السويد أكتب بلغة مختلفة، بلغة تُحاور الآخر وتعرّفه بثقافتي من خلال الأدب والفن، لا بالشعارات. أحاول دائمًا أن أخلق نوعًا من الفضول الثقافي لدى القارئ الأوروبي تجاه فلسطين، من خلال أعمال أدبية وسينمائية تمزج بين المحلي والإنساني.
□ كيف أثرت الغربة على وعيك الإبداعي والإنساني؟
■ الغربة منحتني قناعة بأن الإنسان قادر على امتلاك هوية ثقافية مركبة، ونحن كفلسطينيين وعرب عموما نمتلك مرونة ثقافية كبيرة تجعلنا نندمج دون أن نذوب. لدينا ما نضيفه إلى الثقافات الأخرى، والتبادل الثقافي بالنسبة لي فعل حياة، لا استسلام. لذلك لا أكون مجرد متلقٍ، بل أشارك في إثراء المشهد الثقافي الأوروبي بما أحمله من إرث عربي وإنساني.
□ عرفناك ككاتب وباحث في قضايا الأرض والبيئة وحقوق الإنسان. كيف انتقلت إلى مجال كتابة السيناريوهات للأطفال؟
■ الكتابة للأطفال كانت شغفي القديم. كتبت عدة قصص وأنا في سوريا، لكنها لم تُنشر حينها. وبعد قدومي إلى السويد، أتيحت لي فرصة عرض بعض تلك القصص ضمن فعاليات مهرجان مالمو للسينما العربية. من هناك بدأ الاهتمام بترجمة قصصي وتقديمها للأطفال السويديين والعرب، فكانت تلك نقطة التحول نحو الأدب السينمائي الموجه للصغار.
□ فيلمك الجديد يُعد أول فيلم فلسطيني للأطفال يُنجز بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي. كيف وُلدت الفكرة؟
■ بدأت الفكرة من قصة كتبتها بعنوان «أقدام في المدرسة»، تتناول قيم العطاء وإغاثة الملهوف. أثناء مناقشتها في مهرجان مالمو، قررت أن أستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بعض الصور التي تعبر عن الحكاية. بعدها تواصلت مع المخرج محمد السهلي، الذي عرض عليّ تحويل القصة إلى فيلم. استخدم بدوره تقنيات توليد الفيديو، وفاجأني بالنتيجة، عندما شاهدت اللقطات للمرة الأولى شعرت وكأنني أشاهد فيلمًا من إنتاج «ديزني». من هنا بدأ المشروع يأخذ شكله السينمائي، وأضفنا الأصوات والموسيقى ليكتمل العمل.
□ كيف كانت تجربتك مع المخرج محمد السهلي؟
■ كانت مثمرة جدًا. لم تكن هناك ميزانية تُذكر، لكن روح التعاون عوضت كل شيء. المخرج بذل جهدًا ضخمًا في تحويل النص إلى صورة، وفهم بدقة ما أردت قوله. عندما أرسل لي أول نسخة من الفيديو، شعرت حينها أن الرؤية التي حلمت بها تحققت تمامًا.
□ وماذا عن أغنية الفيلم؟
■ الأغنية تجربة خاصة جداً؛ فيها مزيج بين العنصر البشري والذكاء الاصطناعي. استخدمنا الأصوات الآلية في بعض المقاطع، لكن أضفنا لمسة إنسانية في الأداء لتبقى الروح حاضرة. الموسيقى التصويرية أيضًا كانت مزيجًا من إبداع الفنان يوسف البدر وذكاء الخوارزميات، أما الأداء الصوتي فقدمته الفنانة تِيمة حطيطة بروح دافئة وحقيقية.
□ تلفت الانتباه تسميتك لشخصيات الفيلم بـ«الحكماء الصغار»، بدلًا من الأقزام. ما دلالة هذا الاختيار؟
■ ببساطة لأنني لا أريد أن أكون جزءًا من خطابٍ قد يجرح فئة من الناس. كلمة «أقزام» قد تُعتبر تنمرًا، بينما هؤلاء الشخصيات في القصة يملكون حكمة خاصة، لذلك اخترت أن ألقبهم بـ»الحكماء الصغار»، وهو وصف يكرمهم ويعكس قيمتهم الحقيقية.
□ وما سبب اختيارك لعنوان «اللجوء إلى المدرسة»؟
■ العنوان مناسب لأحداث القصة، كما أنه يحمل دلالات مفتوحة. لم أذكر فلسطين في القصة بشكل مباشر، لكن العنوان وحده كافٍ ليُحيل المتفرج إلى مأساة الفلسطينيين. اللجوء في الفيلم ليس فقط مكانياً بل إنسانيا.
□ إلى أي مدى ترى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم القضايا الإنسانية دون أن يُفقدها بعدها العاطفي؟
■ الذكاء الاصطناعي هو في النهاية أحد منتجات الإبداع البشري، ومن حق الفنان أن يستخدمه لتسهيل العمل وتوسيع أفق الخيال. لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإنسان. في الفيلم استخدمناه كأداة، لكن القلب الإنساني ظل هو المحرك، سواء في الأداء الصوتي أو الموسيقى أو المشاعر التي تحرك القصة.
هناك من يخشى أن تحل التكنولوجيا محل الحس الإنساني في الفن. ما رأيك؟
هذه المخاوف مشروعة، لكنها مبالغ فيها. التكنولوجيا بلا روح بشرية تصبح جافة، والفن لا يعيش إلا بالوجدان. الذكاء الاصطناعي لا يبدع من تلقاء نفسه، بل يتعلم من الإنسان. لذلك أراه امتدادًا للأدوات الفنية لا بديلًا عنها، وسيساعدنا كفنانين فلسطينيين على تجاوز العقبات المادية واللوجستية في الإنتاج.
□ مؤسسة الكرمل ذكرت أن الفيلم هو بداية لسلسلة من الأعمال الموجهة للأطفال. هل من مشاريع قادمة بالفعل؟
■ نعم، لدي ما يقارب عشر قصص جاهزة للتحويل إلى أفلام. بعضها يحتاج إلى دعم مادي أكبر، لكننا سننتظر ردود الفعل على «اللجوء إلى المدرسة» لنحدد الخطوات القادمة. المؤسسة لديها مشروع شامل لإثراء المحتوى البصري الموجّه للأطفال ا بأساليب حديثة تواكب التطور الرقمي العالمي؟
هل هناك نية لعرض الفيلم في المهرجانات العربية؟
بالتأكيد. نخطط لعرضه في عدد من المهرجانات العربية والدولية، من بينها مهرجان غزة لسينما المرأة، الذي سيقام قريبًا في غزة.