مصلحون مستبدون: هل تُنجينا الدولة من الظلامية؟

يبدو الإصلاح الديني والثقافي، هماً أساسياً لكثير من الدول العربية، في مرحلة ما بعد الربيع العربي، فمن مصر إلى الإمارات والسعودية، مروراً بالمغرب وما تبقى من الدولة السورية، تبرز الأنظمة الحاكمة بوصفها المصلح الأبرز، ذي السمت المحافظ، الذي سيقي البشر من الظلامية والتطرّف، ويحافظ، في الوقت نفسه، على أفضل ما في الشرع الإسلامي والتقليد الثقافي.
بالتأكيد لا يقوم هذا «الإصلاح» على مجرد رغبة استبدادية للحكام، بل له جمهور واسع، وإن كان خاملاً سياسياً، من فئات ملّت الاضطرابات والتطرف، وتتمنى أن تحافظ على أنماط حياتها، في وجه دعوات إسلام راديكالي، يجرّم كثيراً من ممارساتها؛ ويسار ليبرالي يتهمها بالرجعية والأبوية، لذلك فالحديث عن أوتوقراطية «الإصلاح» العربي (اعتماده على الحاكم الفرد) قد لا يكون نقداً مناسباً له، أو لادعاء عدم فعاليته، فصاحب السيادة الأوتوقراطي، قد يمنح كثيراً من الحريات الفردية والجماعية، ويحقق إصلاحات حقيقية لرعاياه، معتمداً على تفويض فئات اجتماعية كبيرة، تتخلى عن حقوقها السياسية، مقابل حصولها على مكتسبات معينة، مثل الأمن، والازدهار الاقتصادي، والحفاظ على بعض حرياتها الدينية والاجتماعية.
لعب الأوتوقراطيون تاريخياً أدواراً مهمة للغاية في التحديث والعلمنة والإصلاح الديني، خاصة من خلال انتزاع حيز للملكية المطلقة، في مواجهة سلطة الكنيسة، ما أدى لإنشاء «العلماني»، عبر جعله، للمرة الأولى، مستقلاً تماماً عن «الديني» ومقابلاً له، ليس دائماً عبر التفكير العلمي أو التنوير العقلاني، بل أساساً عبر سيادة الدولة، وهي سيادة قائمة بدورها على تعالٍ قيمي، وأساطير مؤسسة (الأمة، القانون، الثقافة، الثورة، إلخ) شبيهة بالتعالي والأساطير الدينية، ولكن بعد علمنتها.
إلا أنه من الصعب تشبيه الوضع العربي الحالي بالأوتوقراطيات الأوروبية في عصر ما بعد حرب الثلاثين عاماً (1618-1648)، لسببين أساسيين: أولهما أن الدول العربية المعاصرة لم تعرف في تاريخها فرقاً بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية، بل كان الإسلام دائماً دين أجهزة الدولة بحد ذاتها، وليس دين الباباوات أو الملوك المقدسين، ولطالما تم تضمين «الشريعة» في دساتير وقوانين الدول، ومؤسساتها التنفيذية، ولذلك فالحكام الحاليون لا ينتزعون بأوتوقراطيتهم استقلالية للعلماني عن الديني، بل يكرّسون مزجهما معاً، ضمن تركيبة حكم ثيوقراطي حداثي؛ وثانيهما أن الممارسة الدينية الإسلامية الحالية، ليست قائمة على تقليد ثقافي وديني غير منقطع، فكثير من الطقوس والمفاهيم عممتها الدولة الحديثة، عبر وزارات الأوقاف والتعليم والإعلام وأجهزة الشرطة، على حساب محاربة طقوس ومفاهيم أخرى، أو الحد منها، مثل زيارة الأضرحة، وتقديم النذور والقرابين للأولياء، وبالتالي الدولة العربية كانت مصلحاً دينياً دوماً، فما الجديد؟ وهل يمكن التفاؤل بهذا النمط من الإصلاح الأوتوقراطي/الثيوقراطي؟

إصلاح لا ينتهي

قد يمكن الجدل بأن الدول العربية، ما دامت قد قامت بتضمين الشرع في القانون المدوّن والأجهزة التنفيذية المحتكرة للعنف، حققت بالفعل بعملية علمنة شاملة للإسلام، محولةً إياه إلى أسطورة مؤسسة لسيادتها الدنيوية المطلقة، إلا أن هذا الرأي يُغفل ركناً أساسياً في العلمنة، وهو المصدر النظري للسيادة: تعتمد الأوتوقراطية على سيادة الحاكم الفرد، والديمقراطية على السيادة الشعبية، مصدراً للسلطات، ولكن ماذا عن دول تقول في دساتيرها، إن السيادة للشعب والإسلام، بوصفه مصدراً أساسياً للتشريع، في الآن ذاته؟ هذا يعني بالضرورة المماهاة بين الإسلام والشعب، فليس بإمكان الأخير سوى أن يكون مسلماً في خياراته السياسية، ولا يمكن للإسلام إلا أن يكون معبّراً عن الشعب بأكمله. ولكن ما ضمانة هذا التماهي؟ ماذا إذا اتخذ الشعب خيارات غير إسلامية؟ أو لم يستطع «الإسلام» التعبير عن الشعب كله؟ حل هذا التناقض غير ممكن سوى باعتبار قوة معينة ممثلةً للشعب والإسلام معاً، سواءً كانت الحاكم الفرد؛ أو هيئة من الفقهاء والمشرعين؛ أو ربما مجموعة من الحركات والميليشيات الدينية، تُجري دائماً نمطاً من «الإصلاح»، لتحقيق تماهي الشعب مع الإسلام.

الإصلاح الديني، الذي لا نهاية له، سمة ملازمة لنموذج الدولة العربية الحديثة نفسه: يأتي حاكم معتدل، يخفف من وطأة الأحكام الشرعية عن البشر، يليه حاكم متشدد يعود بالناس إلى الأصول والإيمان.

السيادة الملتبسة في الشرط الحداثي العربي لا تجعل الدول العربية علمانية، أو قروسطية، بل تركيبة خاصة، يمكن لأي طرف فيها السعي لفرض نمطه من «الإصلاح الديني» على البشر، بناءً على دائرة مفرغة: الإسلام دين الدولة؛ والدولة تضع الإطار السياسي والحيوي لشعبها؛ والشعب، صاحب السيادة النظرية، مسلم وملتزم بالإسلام الصحيح بالضرورة، ولذلك لا بد من إصلاحه دينياً لتحقيق سيادته. لا مجال هنا لحيّز علماني مستقل، يحدد، عبر سيادة الدول، ما الديني، وما حدود مجاله، ولهذا فإن معظم الفاعلين بالشأن العام العربي كانوا مصلحين دينيين بالضرورة: محمد علي، الذي يُعتبر مؤسس الدولة المصرية الحديثة؛ حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين؛ سيد قطب، الذي حاول حل مشكلة التناقض في السيادة، من خلال جعل «الحاكمية» للإسلام وحده؛ وصولاً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، المُصر، رغم أن بلاده لا تملك دستوراً، على أن الشرع الصحيح هو الدستور، وأنه المصلح الذي يفصل الصحيح من الضعيف فيه.
بهذا المعنى فإن الإصلاح الديني، الذي لا نهاية له، سمة ملازمة لنموذج الدولة العربية الحديثة نفسه: يأتي حاكم معتدل، يخفف من وطأة الأحكام الشرعية عن البشر، يليه حاكم متشدد يعود بالناس إلى الأصول والإيمان، كما فعل صدام حسين أثناء «الحملة الإيمانية»، وأنور السادات في دولة «العلم والإيمان» التي شيدها، والكل، متشددين أو معتدلين، مصلحون، ما دامت المعادلة نفسها قائمة: يجب أن نحقق، في هياكل الدولة نفسها، نموذج «الإسلام الحقيقي»، الذي يدّعي الكل وجوده، ومعرفة كنهه، لأنه السيادة والشعب والتقليد والثقافة، ومصدر الشرعية، ولا وجود لأي مجال خارجه، أو بانفصال قيمي وعملي عنه.

كسر الحلقة

بناء على هذا فإن على المعولين على إصلاحات الحكّام المستبدين، أن يتحلوا بثقة غير منطقية، ليس فقط بنوايا الحكام الحاليين، بل بنوايا كل من سيستلم السلطة في المستقبل، فمن سيضمن، ما دامت السيادة لـ«الإسلام»، أن يأتي حاكم جديد، لديه تفسير آخر لـ«الإسلام الصحيح»، يدفعه لفرض موجة جديدة من «الإصلاح الديني»، لا تكون على هوى التنويريين؟ وبما أن الاعتماد على النوايا الطيبة غير ممكن، فالحل الوحيد هو كسر الحلقة المفرغة لـ«الإصلاح الديني»، من خلال اتباع خيار من اثنين: إما جعل السيادة لـ«الإسلام» وحده، باعتبار أن الإسلام كيان رمزي، لا ينطق، فيجب أن يصبح متجسداً بمرجعية ما، بابا أو ولي فقيه، يمتلك ضميراً ولساناً، يخبرنا من خلالهما ما «الإسلام» فعلاً، وكيف تتحقق سيادته؛ أو أن نعلمن السيادة تماماً، بمنحها علناً لحاكم أوتوقراطي، أو للشعب عبر الديمقراطية التمثيلية أو المباشرة، وهكذا يصبح هنالك مجال مستقل للعلماني، وتنتفي الحاجة الملحة للإصلاح الديني، فالدين لن يبقى عندها السيد على كل شؤون الحياة، وستُخصص له مواطنه المنفصلة، ويمسي «الإصلاح» شأن المتدينين وحدهم.
الحكام المستبدون الحاليون لا يجرؤون، أو يرغبون بإعطاء السيادة النظرية لأنفسهم، لأنهم لا يملكون أي أسطورة مؤسسة لشرعيتهم، باستقلال عن الإسلام، ولن يتخلّوا عن الدين، بوصفه سلاحاً سلطوياً للهيمنة الأيديولوجية، وبالطبع لن يسمحوا بسيادة شعبية عن طريق ديمقراطية تمثيلية أو مباشرة. رهان تنويريي الاستبداد إذن خاسر بشدة.

الرهان التحرري

ولكن ماذا إذا أعادتنا السيادة الشعبية، عبر الديمقراطية، إلى الحكم الإسلامي؟ تجربة انتخابات ما بعد الربيع العربي أوصلت غالباً الأحزاب الإسلامية إلى السلطة، ومن الصعب القول إنها كانت تجربة إيجابية. يقود هذا السؤال إلى توجيه نقد لحاملي القيم التحررية، المناهضة للاستبداد، شبيه بالنقد الموجه لمناصريه: لم يستطع دعاة التغيير الديمقراطي، مثل السلطات التي ثاروا عليها، حلّ مشكلة السيادة، فاستمروا باعتبار «الإسلام الحقيقي» أو «المتسامح» غير منفصل، أو متعارض مع السيادة الشعبية، واتخذوا مواقف مهادنة من كل عمليات الأسلمة، سواء أسلمة الدولة أو الحراك الشعبي. الرهان التحرري لا يمكن أن يكون منفصلاً عن المطالبة بالعلمنة، بوصفها شرطاً أساسياً للسيادة الشعبية، وبالتالي الديمقراطية، والحركات الدينية لا يمكن أن تكون حليفاً طبيعياً في النضال ضد الاستبداد. وهذا درس أساسي من دروس الربيع العربي، لم يستوعبه كثير من التحرريين حتى الآن، رغم الفاتورة الباهظة والمؤلمة التي دفعوها.
لا يعني هذا بالتأكيد المطالبة بنزع الحقوق السياسية عن أنصار الحركات الدينية، أو اضطهاد المتدينين، بل طرح خطاب واضح: إما قبولهم بالعلمنة شرطاً لازماً للانتقال الديمقراطي والنظام السياسي؛ أو اعتبارهم في صف الاستبداد وإصلاحاته الدينية الأبدية، وخصماً سياساً لا بد من مواجهته. أما «الإسلام» نفسه فقد استمر قروناً وسيبقى، مهما تقلّبت السيادة والسياسة، والملتزمون به وحدهم من يحق لهم تقرير طقوسه وعقائده، بعيداً عن فرضها سياسياً على الآخرين.

باحث سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية