مصنع العالم: الصين وثقافة الانضباط الجديدة

أثارت قضية اضطهاد عرقية الأيغور في الصين تساؤلات كثيرة عن طبيعة النظام الصيني، والدور الذي يلعبه بوصفه أحد أكبر الأنظمة الشمولية المعاصرة. سبق للملياردير الأمريكي المجري جورج سوروس التنبؤ بأن الصين هي الخطر الأكبر على «المجتمع المفتوح»، باعتبارها تجمع بين الديكتاتورية السياسية، والتطور التقني، فهي قادرة على توظيف آليات الذكاء الصناعي والهندسة الحيوية، لتطوير أساليب جديدة للقمع والتحكم، لا قبل للمجتمعات البشرية بمواجهتها.
الأخبار الواردة عن المعسكرات الجماعية التي يُحتجز فيها مئات الآلاف من المسلمين الأيغور، في سبيل إعادة تأهليهم، واجتثاثهم من «هويتهم الإسلامية»، تذّكر بتاريخ طويل من ممارسات الأنظمة العقائدية في الهندسة الاجتماعية القسرية، أي محاولة إعادة تشكيل المجتمعات وثقافاتها التقليدية وأحوالها الديموغرافية بشكل فوقي عنيف، إلا أنه من الصعب اعتبار الصين ببساطة «دولة معادية للإسلام»، كما يحاول تصويرها جانب كبير من إعلام الدول ذات الأغلبية الإسلامية، وبعض الدول الغربية. فقضية الأيغور تتداخل فيها الجوانب الدينية والقومية والمناطقية بشدة. يتعلق الموضوع بإقليم تركستان الشرقية «شينجيانغ»، الذي يشهد دعوات انفصالية منذ عقود، ما يجعل قضيته مشابهة نوعاً ما لقضية إقليم التيبت، ذي الأغلبية البوذية. فضلاً عن هذا فإن المسلمين من عرقية «الهوي»، وهم أغلبية المسلمين الصينيين، لا يعانون اضطهاداً مماثلاً، ولديهم حريات دينية لا بأس بها، دعك من «صناعة الحلال»، أي إنتاج السلع والأطعمة، وهي صناعة مزدهرة بشدة في الصين، تسوّق منتوجاتها في السوق الداخلي، كما في مختلف أرجاء العالم.
اختزال الصين بكونها معسكراً للعمالة الرخيصة والقمع السياسي والاجتماعي، يسقط كثيراً من جوانب الصورة المعقدة لهذه البلاد، التي تشهد نمواً كبيراً للطبقة الوسطى، وتطوراً في بعض جوانب الحريات الاجتماعية، التي تعتبر اليوم في صميم الليبرالية، مثل حقوق المرأة والمثليين وحرية السفر. فما هو التهديد الفعلي الذي تشكّله الصين على المسيرة المتعثرة لانتشار الديمقراطية – الليبرالية حول العالم؟ وهل يمكن اعتبار البلد، الذي بات بامتياز «مصنع العالم»، حالة استثنائية في قمعيتها؟

تحول الصين إلى «مصنع العالم» أثار الجدل حول «النيوليبرالية الاقتصادية» في البلاد، التي يبدو أنها لن تؤدي إلى ليبرالية سياسية أو أيديولوجية.

معسكر الانضباط الكبير

تحول الصين إلى «مصنع العالم» أثار الجدل حول «النيوليبرالية الاقتصادية» في البلاد، التي يبدو أنها لن تؤدي إلى ليبرالية سياسية أو أيديولوجية. بالنسبة لسلافوي جيجيك، فالشيوعيون الآسيويون، في دول مثل الصين وفيتنام، أثبتوا أنهم أفضل مديرين للرأسمالية، رغم أن هذه العبارة لا تخلو من صحة، فإن الشيوعيين ليسوا مجرد مديرين لمصلحة الرأسمالية في هذه الدول، فالقطاع العام، شديد الضخامة، يلعب دوراً كبيراً في الاستثمار والنمو الاقتصادي، كما تم إدماج جانب من مستثمري القطاع الخاص في الحزب الشيوعي. لم تعد الصين اشتراكية بالمعنى التقليدي، ولكنها لم تصبح رأسمالية تماماً، فالرأسماليون هناك لا يمكن أن يتحولوا لطبقة مستقلة ذات نفوذ سياسي، مفارق لهيمنة الدولة وحزبها الحاكم، وهم بالتالي لا يستطيعون أن يضمنوا سلامة ملكيتهم الخاصة، وهو حق مقدس في أي منظومة رأسمالية، وأساس أي منظور أيديولوجي ليبرالي.
ما هو أكثر أهمية في التجربة الصينية هو دلالتها على تقسيم العمل على الصعيد العالمي، فهي تلعب دوراً عضوياً في المنظومة الاقتصادية العالمية، بوصفها أحد أبرز المصدّرين للمنتجات الصناعية، وحضورها ساهم في نزع التصنيع في الدول الغربية، والانتقال نحو «المنعطف الأيكولوجي»، والاقتصاديات التي تسعى لأن تصبح خالية من الانبعاثات. من ناحية سياسية واجتماعية ساهمت هذه التطورات بتحلل المؤسسات الانضباطية في الغرب، والمصنع هو أحد أهم نماذجها، لحساب آليات تحكّم أكثر سيولة، لتصبح الصين بدلاً من الغرب هي الممثل المعاصر لانضباط المجتمعات الصناعية، بعد أن صارت المصنع الأكبر. بهذا المعنى فإن الرأسمالية، بوصفها منظومة عالمية، لم تتخل عن تقنيات الضبط القديمة، بل نقلتها جغرافياً فقط إلى دول لديها ميزة استثمارية: عمالة رخيصة، وتقاليد سياسية وثقافية واجتماعية، قابلة لإعادة إنتاج الانضباط بأكثر صوره قسوة. قمع العمال الصينيين لا يتحمل مسؤوليته المديرون الشيوعيون القساة فقط، بل أيضاً المديرون والسياسيون الرأسماليون حول العالم، المهتمون بالتنوع والاستدامة والمنتجات الصديقة للبيئة. ولكن الصين تتطور بسرعة، رغم كل الأزمات الاقتصادية التي تهددها، وتهدد المنظومة العالمية كلها بالتالي، وقد بدأت تنال نصيبها من نزع التصنيع والمنعطفات الأيكولوجية. اليوم يتوسع الاقتصاد الصيني عبر مشاريع «الحزام والطريق»، ليس فقط في الدول النامية في افريقيا وآسيا، بل يطرق أبواب أوروبا أيضاً، ما أثار نقمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. تستثمر الصين في مشاريع بنية تحتية هائلة، وتدفع الدول التي تستقبل استثماراتها، لرهن بعض أهم أصولها لضمان سداد القروض الصينية. من جانب آخر باتت الصين أحد أبرز المستثمرين والمنتجين في مجال «الطاقة النظيفة». معسكر الانضباط الكبير، إذن أصبح أكثر انفتاحاً وعدوانية في الآن نفسه، ولكن بكل الأحوال لا تستطيع المنظومة العالمية الاستغناء عنه، مهما تبرّمت من قمعيته.

ما بعد «الأخ الأكبر»

هذا التطور الصيني ترافق بتحسّن لا يمكن إنكاره في مستوى حياة الملايين، من الصحيح أن غالبية العمال الصينيين يعانون من ظروف عمل قاسية، وأن الحريات السياسية منعدمة إلى حد كبير، في حين تطور الحكومة آليات رقابة تذكّر بأدب الخيال العلمي ذي النزعة الديستوبية، ولكن في الوقت نفسه استطاعت سياسات الحزب الحاكم انتشال كثير من المواطنين من الفقر المدقع، وبناء طبقة وسطى قوية تتمتع بقدر معقول من الحريات الفردية، وبعد أن كان كثير من الصينيين لا يعرفون ما هو أكثر من قراهم التي ولدوا فيها، بات السياح الصينيون يملأون المدن السياحية حول العالم.

إلا أن الديمقراطية توفر الصيغة الأنسب لممارسة سياسية جذرية، يمكن من خلالها للفئات الاجتماعية المختلفة الدفاع عن مصالحها وتمثيل نفسها، والسعي لفرض هيمنتها السياسية، أو مواجهة الهيمنة السائدة.

لا يمكن مماثلة الأوضاع في الصين بما تخيّله جورج أورويل في روايته «1984»، التي يراقب فيها «الأخ الأكبر» الجميع في أدق التفاصيل، بل يمكن القول إن النظام يترك مساحات للحريات الاقتصادية والفردية، ما لم تتجاوز حداً معيناً، مثل الدعوة للانفصال وتحدي الأجهزة السيادية للدولة، كما في حالة «شينجيانغ»، أو انحراف الشركات الصينية عن المخططات الاستراتيجية والاقتصادية الكبرى للحكومة والحزب، إنه نمط فريد من الانضباط، غير رأسمالي، ولكن لا يتعارض مع الرأسمالية أو يهددها.
من الصعب الحديث أصلاً عن نمط إنتاج رأسمالي صرف، فـ»النمط» هو تجريد ذهني بالدرجة الأولى، ولطالما تجاورت عبر التاريخ عدة أنماط إنتاج مختلفة في المنظومة الرأسمالية، سواء داخل الدول الرأسمالية المركزية، أو في علاقتها مع دول ومجتمعات الأطراف. الأجدى الحديث عن تشكيلة اجتماعية – اقتصادية صينية خاصة، تتجاور وتندمج فيها أنماط إنتاج عدة على الصعيد الاقتصادي، وأشكال مختلفة ومعقدة من التحكم السياسي والأيديولوجي. الصين ربما تعيش اليوم مرحلة ما بعد «الأخ الأكبر»، تتراكب فيها الرقابة المتطورة مع أشكال متعددة من السماح بالمبادرات الذاتية والمساحات الخاصة للفردانية. وإذا كان هنالك «خطر صيني» حقيقي، فهو يأتي على الأغلب من ميل عالمي لتوجه مماثل: إهدار الحريات الجماعية والسياسية، ومبدأ السيادة الشعبية، الضروري للديمقراطية، لحساب نوع من الإدارة البيروقراطية – التكنوقراطية، التي لا تتقبل بصدر رحب إلا الحريات الفردية في المساحات الخاصة.

مشكلة الديمقراطية

بالعودة لسلافوي جيجيك، فقد كتب مؤخراً مقالاً عن خسارة حزب العمال الانتخابات البريطانية، يعتبر فيه صيغة «سنجعل الناس يقررون»، التي رفعها الحزب بخصوص إعادة الاستفتاء حول «بريكست»، صيغة كارثية. لأن البشر بحسبه، يريدون من القادة أن يشيروا لهم للطريق الصحيح، لا أن يحمّلوهم مسؤولية تقرير الأمور المصيرية. عموماً تزداد الانتقادات للصيغ الديمقراطية، إما لحساب الدعوة لـ»حلول عالمية» على طريقة جيجيك، أو لتبيان تعارض الديمقراطية أحياناً مع أساسيات الليبرالية، وعلى رأسها حقوق الأقليات والأفراد.
التلازم بين الديمقراطية والليبرالية، الذي نشأ في سياق الثورات الاجتماعية في الغرب خصوصاً، ليس أمراً بديهياً، ويمكن مؤخراً رصد بوادر مواقف سياسية تصبح فيها الديمقراطية أمراً غير مرغوب به من منظور ليبرالي، ولعل «بريكست» هي المثال الأهم على ذلك، فالإرادة الشعبية قد تؤدي، برأي البعض، لحلول «غبية»، أو تفتح الباب للعنصرية والأنظمة الشعبوية.
إلا أن الديمقراطية توفر الصيغة الأنسب لممارسة سياسية جذرية، يمكن من خلالها للفئات الاجتماعية المختلفة الدفاع عن مصالحها وتمثيل نفسها، والسعي لفرض هيمنتها السياسية، أو مواجهة الهيمنة السائدة. وربما كان الدفاع عن الديمقراطية والسياسة هو الخيار الأمثل لمواجهة التحكّم النيوليبرالي، القائم على الإدارة التكنوقراطية، التي تنزع السياسة من المجتمع وتحتكرها لفئات محدودة. وكذلك لتجنب مصائر ديستوبية، مثل «الخطر الصيني»، الذي يترافق فيه التقدم البطيء للحريات الفردية مع زيادة القمع السياسي. مناصرة حريات الأفراد والأقليات عالمياً، على أهميتها، قد تكون قاصرةً إذا لم تتلازم مع المطالبة بحق العموم بالممارسة السياسية الديمقراطية. وقد يكون هذا التلازم أفضل صيغة اجتماعية- سياسية نعرفها في عصرنا.
٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية