مصيدة بريطانيا في شط العرب
مصيدة بريطانيا في شط العربتتصاعد حدة التوتر بين بريطانيا وايران بعد اسر البحارة البريطانيين في شط العرب. ويبدو ان ايجاد حل دبلوماسي لهذه الازمة ما زال متعذراً رغم استعداد الجانبين للتفاوض مباشرة للوصول اليه.البريطانيون يقولون ان بحارتهم الخمسة عشر كانوا في المياه الاقليمية العراقية عندما تم اسرهم، بينما يؤكد الايرانيون عكس ذلك تماماً، ويقولون انهم توغلوا في مياههم الاقليمية بهدف القيام باعمال تجسسية.استدعاء الحكومة البريطانية للسفير الايراني في لندن اكثر من مرة للاحتجاج لم يعط الثمار المرجوة منه، وكذلك اصطفاف معظم الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، دعماً للموقف البريطاني. واصبحت حكومة توني بلير العمالية مضطرة لدق باب طهران طلباً للتفاوض بشكل مباشر بعد ان عارضت ذلك طويلاً.الايرانيون لن يفرجوا عن البحارة بشكل مجاني ودون مقابل، وسيصرون علي مبادلتهم بخمسة دبلوماسيين اعتقلتهم القوات الامريكية في اربيل شمال العراق، عندما كانوا بصدد فتح قنصلية لبلادهم في عاصمة كردستان العراق.نفس الايرانيين التفاوضي طويل جداً، وهم علي عكس الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، اقل ترحيباً بالوسطاء الاجانب، مضافاً الي ذلك امتلاكهم براعة غير عادية في استخدام الاعلام بشكل فاعل لاحراج خصومهم. واتضح ذلك بجلاء من خلال الافراج عن صور للبحارة وهم يتناولون الطعام، او يدلون باعترافات عبر شاشات التلفزة يؤكدون فيها اختراقهم للمياه الاقليمية الايرانية. وعلينا ان نتذكر انهم اي الايرانيين يملكون خبرة طويلة في احتجاز الرهائن، تعود الي ايام اقتحام السفارة الامريكية في طهران قبل عشرين عاماً علي الاقل.مشهد المظاهرات الصاخبة امام السفارة البريطانية في العاصمة الايرانية وقصفها بالحجارة، والقاء متفجرات عليها، يؤكد ان الطرف الايراني يتعمد التصعيد واحراج الحكومة البريطانية، والظهور بمظهر التحدي.انها علامات المواجهة السياسية التي تمهد للمواجهة العسكرية. فالايرانيون يدركون جيداً ان وجود حاملتي طائرات امريكية واخري فرنسية في مياه الخليج، واجراء مناورات بحرية مكثفة لم يكونا من قبيل الصدفة، وانما في اطار الاستعدادات للاقدام علي الخيار العسكري اذا ما قررت القيادة السياسية الامريكية اللجوء اليه. عملية شيطنة ايران بدأت في الاعلام الغربي، والبريطاني علي وجه التحديد، وتتخذ الخطوات نفسها التي اتخذتها مثيلتها ضد نظام الرئيس صدام حسين في العراق. وتتمحور عملية الشيطنة هذه حول اسر البحارة البريطانيين، تماما مثلما تمحورت العملية السابقة حول الرهائن البريطانيين في العراق قبيل الحرب الاولي عام 1991 التي اسفرت عن تحرير الكويت.توني بلير رئيس وزراء بريطانيا هو الاكثر تضرراً علي الصعيد الشخصي من هذه الازمات المتواصلة، فقد خطط الرجل لتقاعد مريح، وانسحاب من السلطة في الصيف المقبل باقل قدر ممكن من الضجيج. ولكن لعنة العراق ستظل تطارده طالما بقي حياً.الشعب البريطاني يجب ان لا يسأل عن اسباب اسر ايران لهؤلاء البحارة، وانما عن اسباب وجودهم اساساً في العراق، وتورط بلادهم في حرب دموية غير قانونية وغير اخلاقية.شط العرب ليس الفولكلاند، ولا هو ببحر المانش، ولذلك قول بريطانيا ان قواتها كانت في مياهها الاقليمية يبدو مضحكاً، خاصة ان جنوب العراق الذي كان مضرب المثل في الامان ومصدر فخر القوات البريطانية وطريقة تعاملها مع السكان المحليين يخضع بالكامل للنفوذ الايراني والميليشيات التابعة له.بريطانيا بدأت تغرق في المصيدة الايرانية التي نصبت لها باحكام في العراق، ولعل الحل الافضل والاقل خسائر بالنسبة اليها، هو الانسحاب، وبأسرع وقت ممكن، قبل حلول الكارثة الكبري.9