مالك التريكي
رغم الاعترافات الواضحة التي وردت في كتاب ‘ألّفه’ رجل تشك البشرية في مجرد قدرته على القراءة، فإن من المستبعد، بل ربما المستحيل، أن يقدّم جورج بوش للمحاكمة بتهمة التعذيب. إلا أن هذا لا يقلل من أهمية الخطوة التي أقدمت عليها منظمة العفو الدولية عندما دعت إلى إجراء تحقيق جنائي في مدى تورط جورج بوش ومسؤولين آخرين في إدارته في استخدام أساليب التعذيب المسماة (في لغة البيروقراطية الأمنية الأمريكية) ‘تقنيات الاستجواب المعززة’ والتي يدخل في عدادها أسلوب ‘محاكاة الغرق’. وقد أطلقت منظمة العفو هذه الدعوة عقب اعتراف بوش في كتابه الصادر قبل أيام بأنه أصدر تعليماته بالموافقة على ممارسة أسلوب ‘محاكاة الغرق’ (ضد ثلاثة من المحتجزين فقط، حسب زعمه). لكن مركز الحقوق الدستورية (وهو منظمة أمريكية) والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية والإنسانية كانا قد بكّرا منذ مدة بتحريك دعوى قضائية في إسبانيا ضد بوش ومساعديه بتهمة المسؤولية عن انتهاكات للقانون الدولي تشمل التعذيب. وقد أعلنت المنظمتان الأمريكية والأوروبية أخيرا أن اعترافات بوش في كتابه تسهّل قضية التحقيق الذي لا يزال مستمرا في إسبانيا. وأكدتا في بيان أن ‘ما من حصانة تحمي بوش من المقاضاة بتهمة اقتراف أعمال تنتهك القانون الفدرالي والدولي. إذ إن سابقة بينوشيه تثبت أن يد القانون لا تلبث أن تطال الرؤساء السابقين- حتى أولئك الذين يتبجحون بأنهم في منجى من الحساب والعقاب’. وبلغ من تفاؤل المدير القانوني لمركز الحقوق الدستورية بيل كويغلي أنه كتب مخاطبا بوش: ‘فلتمض في بيع تلك الكتب يا بوش. إنك قد تحتاج المال لتحمل تكاليف المحامين!’. ربما يكون لهذا التفاؤل موجباته في مستقبل يرجى ألا يكون بعيدا. أما اليوم فإن العدالة لا تزال عاجزة أمام السياسة. والدليل أن وزير العدل الأمريكي الحالي أريك هولدر قال إن ‘محاكاة الغرق’ هي من التعذيب، كما أن المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية هارولد كوه أكد أخيرا في جنيف أن ‘إدارة الرئيس أوباما تعدّ محاكاة الغرق تعذيبا بمقتضى التعريف القانوني’. لكن رغم هذا فإن اعترافات بوش قد تزامنت مع إعلان وزارة العدل (التي يديرها أريك هولدر المذكور آنفا) بأنه لن يتم توجيه أي تهم جنائية لأي من موظفي وكالة الاستخبارات المركزية بسبب إتلافهم عام 2005 حوالي مائة شريط فيديو تصور عمليات استجواب ‘أبو زبيدة’ ومعتقل آخر ويتضمن بعضها مشاهد استخدمت فيها ‘تقنيات الاستجواب المعززة’، بما فيها ‘محاكاة الغرق’! هكذا إذن فعلت وزارة العدل عكس ما يقول وزير العدل مع أن الواضح الفاضح أن إتلاف هذه الأشرطة إنما كان هدفه التستر على ما سمته منظمة العفو بـ’جرائم حكومية’… فإذا كان قد بلغ من احترام وزارة العدل للقانون في عهد وزير يقرّ رسميا بأن ‘محاكاة الغرق’ هي تعذيب في تعذيب، وبأن التعذيب جريمة، أنها لا ترى ضيرا في إتلاف الدليل على ارتكاب محققي سي آي ايه لهذه الجريمة وأنها تفتي قانونيا بتحصين صغار الموظفين ضد الحساب والعقاب… إذا كانت وزارة العدل تحمي النكرات من الموظفين في جيوش الاستخبارات الجرارة، فهل تراها تقبل يوما بمقاضاة السيد الرئيس؟
لهذا السبب فإن المنظمتين الأمريكية والأوروبية لم تكتفيا بدعوة إدارة أوباما إلى تحمل مسؤولياتها بمقتضى القانون الأمريكي، بل إنهما أعلنتا أنهما سوف تواصلان السعي إلى إحقاق العدالة بموجب مبدأ الولاية القانونية العالمية (أو الاختصاص القانوني الكلي) الذي يتيح في بعض البلدان، مثل إسبانيا، مقاضاة أي شخص بصرف النظر عن البلاد التي وقعت فيها الجرائم المنسوبة إليه. هنالك طبعا سابقة بينوشيه الباعثة على التفاؤل بإمكان انبثاق نظام عدالة إنسانية شاملة بحق. لكن هنالك أيضا حادثة شارون التي هي أقرب إلى القاعدة منها إلى الاستثناء. إذ إن بلجيكا كانت تقر مبدأ الولاية القانونية العالمية، لكنها لم تتردد في إلغائه عندما تأكدت لها صحة عزم المنظمات الحقوقية على مقاضاة شارون أمام محاكمها. أما أقرب الأمثلة، فهو اعتزام الحكومة البريطانية استصدار حكم قضائي بإلغاء القانون الذي كان يتيح اعتقال من يزور لندن من مجرمي إسرائيل وإرهابييها. هذا رغم أن القانون حديث ومحدود أصلا، حيث أنه لا يتعلق إلا بجرائم العدوان على غزة والهجوم على السفينة التركية.