مصير مليونير يقلق العالم … وموتى البحار مجرد عدد آخر … والحرب بانتظار الرحّالة المصريّة الشابة!

حجم الخط
16

معظم بلداننا العربية منكوبة وما عادت تتسع للحياة. أصبح الموت فيها هو الحقيقة الموجعة الوحيدة المتكاثرة. لا مقومات لحياة تليق بالإنسانيّة ولا مستقبل واعد وكل الأحلام مجهضة. نستفيق يومياً على كوارث جديدة أو متجددة. فرص العمل للشباب نادرة أو تكاد أن تكون شبه معدومة. لا ماء ولا كهرباء ولا دواء. وقد أصبح الحصول على رغيف خبز ساخن من الرفاهيات لعدد كبير من العائلات الجائعة. قد يختلف المشهد قليلاً بين بلد وآخر، حسب الحروب المندلعة هنا وهناك، وتحكم الميلشيات في تلك البلاد، وسرقات الطبقات الحاكمة وإفلاس الشعوب مادياً ومعنوياً ونفسياً. وفي ظل تراكم الوجع يكثر تجّار الموت وتتدفق مراكب الهجرة غير الشرعية. مراكب محملة بمواطنين خسروا كل شيء في بلادهم، ولا يملكون سوى أنفاسهم وخيط رفيع جداً من الأمل. الأمل بوجود أرض آمنة يلجأون إليها حيث يكتسبون حقوقهم الإنسانية التي هدرت في بلادهم.
بين الموت المحتم على أرض الوطن والموت في البحار، لقد اختار الكثيرون الموت في البحار. ربما لأن هناك احتمالا ضئيلا بالنجاة أو بسبب شعلة الأمل الوحيدة، التي تناديهم من الضفة الأخرى. أو لأنهم يموتون ألف مرة في اليوم في بلادهم والموت في البحار واحد.
هؤلاء المهاجرون فقدوا كل ثقة في أوطانهم وعاشوا اليأس بكل أطيافه قبل اللجوء لتجار الموت ودفع كل ما يملكونه مقابل رحلة يعرفون تماماً أنها قد تنتهي في أعماق البحار. لكن هناك في قعر المحيطات قد تكون الظلمة أقل حدة من ظلمة بلادهم، والأمواج أقل كلفة من تراب الوطن في دفن أشلائهم.
إنها الدول التي لا تهتم بحقوق مواطنيها، ولكنها تركز وبكل قوتها على احتفاظ الزعماء بكراسيهم، وقد تسحب من تحتهم قبل دخولهم القبر ليستلمها أولادهم، ثم أحفادهم من بعدهم. هؤلاء الساسة لا يقلقهم عدد الموتى في البحار ولا يؤثر على نومهم العميق أو حساباتهم البنكية. فهم يتمتعون بكل الحصان، التي تبعد عنهم أي مساءلات قانونيّة أو محاسبات. فيما يتراشقون الاتهامات بين بعضهم البعض. ويجنّدون الذباب الالكتروني لخدمة أجنداتهم وخطاباتهم المنافقة.
مراكب كثيرة غرقت وأعداد لا تحصى من المواطنين ومن بلدان مختلفة لقوا حتفهم وهم يصارعون أنفاسهم الأخيرة بين أمواج البحر المرتفعة.
كان آخرها القارب، الذي غرق يوم الأربعاء الماضي في المتوسط قبالة السواحل اليونانية، فيما كان متجهاً من ليبيا إلى إيطاليا.
هكذا مات ضحية القهر والجوع والألم حوالي 78 من ركاب القارب المشؤوم وما يزال 500 آخرون في أعداد المفقودين. لا نعرف إن ابتلعهم سمك القرش أو توقفت قلوبهم من الخوف أو ماتوا غرقاً. لقد كان مجرد مركب صيد غير مؤهل لمثل هذه الرحلات البعيدة، ومع ذلك كان محملاً بمئات المهاجرين. عدد يفوق قدرة استيعابه. ولكن تجار الموت لا يهمهم سوى النقود. وكل ما زاد العدد ارتفع المكسب.
غرق المركب أمام أعين خفر السواحل اليوناني، الذين لم يتحركوا لإنقاذ الركاب. وقد أكدت «بي بي سي» تخاذلهم في تقرير حصلت عليه يتضمن أدلة واضحة. وقد برر خفر السواحل تقاعسهم ببيان جاء فيه: «راقبنا الأمر من مسافة آمنة والمركب كان يحافظ على مساره وسرعته بثبات. حاولنا الصعود على متن القارب لتقييم الخطر، لكن من كانوا على متن المركب أزالوا حبلاً كان مربوطاً بقاربهم ولم يرغبوا في المساعدة».
لا نعرف كيف يمكن أن يرفض ركاب يغرقون المساعدة ويفضلون الموت على النجاة. كيف يمكننا تصديق تلك الرواية وهم فروا من بلادهم بعد أن تعبوا من ملاحقة أطياف الموت الشرسة لهم. إن رواية خفر السواحل اليوناني لا يمكن أن يهضمها عاقل.
لقد أوضحت التحقيقات أن المركب لم يتحرك لساعات طويلة من قبالة السواحل اليونانية قبل غرقه، ولكن خفر السواحل لم يهتز له ساكن. وقد دعت الأمم المتحدة لفتح تحقيق يتعلق بتعامله مع الكارثة.
أول أمس قرأت خبراً عن اختفاء غواصة صغيرة فيها خمسة أشخاص، أحدهم رجل الأعمال البريطاني هاميش هاردينغ، وهو من الأثرياء. كانت الغواصة تتجه نحو ركام سفينة «التايتانك» في رحلة سياحية. مازالت فرق الإغاثة الأمريكية والكندية تسعى ليل نهار وتحاول بجهد الوصول إليهم قبل أن ينفد الأوكسيجين.
نعم لقد أقلق مصير رجل الأعمال الغني العالم بشدة وحرك السلطات. أما موت المهاجرين الفقراء فلم يكترث له أحد سوى أهالي الضحايا!
لن يكون المركب الغارق قبالة السواحل اليونانية هو مركب الموت الأخير.. ستستمر المراكب بالغرق إلى أن يصبح لون البحر أحمر أو أن تبتلع الأوطان زعماءها الفاسدين وتدفنهم في باطن الأرض.

موت في البحار أو موت على اليابسة

من رحلة مركب إلى رحلة شابة مصرية رحالة تدعى خديجة منصور، يبلغ عمرها 21 سنة. قررت السفر من مصر إلى جنوب أفريقيا عن طريق البر في رحلة استكشافية لمدة سنة. لأنها تحب القيام بالمغامرات وتهتم بالعلاقات البشرية، ولديها الكثير من الفضول حول كل الأشياء التي تحيط بها.
هكذا حملت حقيبتها على ظهرها وغادرت مصر في بداية مارس/آذار عام 2023.
كانت تشعر بالقلق، ولكنها كانت سعيدة بخوض تجربة تتعرف من خلالها على أماكن وشعوب جديدة. لم تكن تعلم أن الحرب ستكون بانتظارها. فبعد أيام قليلة من وصولها إلى الخرطوم اشتعلت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الردع السريع، فوجدت نفسها تنقل لمتابعيها أحداث حرب السودان ومعاناة أهلها بدل تفاصيل مغامرة سفر ممتعة.
لقد أمطرت القنابل، ومن دون سابق إنذار، فوق شوارع المدينة. وانتشرت الجثث في الطرقات وانقطعت المياه والمواد الغذائية. فكان عليها مغادرة الخرطوم بسرعة متجهة إلى أثيوبيا.
روت خطوات الرحلة وعذاباتها بتفاصيلها الدقيقة. وقد تدونها يوماً ما في كتاب يحمل مصداقية أكثر من كتب التاريخ المسيسة.
لقد تعلمت من تلك المغامرة المرونة والتعامل مع الألم.
إنها بطلة من نوع آخر. لا تخشى الموت في بحثها عن الحياة.

٭ كاتبة لبنانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية