القاهرة ـ «القدس العربي» : في صحف أمس الأربعاء 10 فبراير/شباط غابت الحقائق، وحضرت الأمنيات، وفي ما هاجم كتّاب الصحف الموالية للسلطة خصومهم، لكونهم لا يلقون الضوء على المشاريع الكبيرة التي يجرى تدشينها تباعاً، وقعت تلك الصحف في المأزق نفسه، إذ لهثت خلف العناوين والمانشيتات المثيرة لنجوم الفن والرياضة ومجرمين وضحايا في عالم الشهرة. بين خبر ارتداد الفنانة الكويتية “بسمة” عن الإسلام واعتناقها اليهودية، وتفاصيل مصرع صاحب أحد المطاعم على يد أربعة من الخطرين لرفضه دفع أتاوة، وثلة من الأخبار المثيرة، وهجوم على فريق النادي الأهلي بسبب تردي مستواه في مباراته مع بايرن ميونخ، استغرقت صحف القاهرة أمس كثيرا من الحبر والورق بغرض جذب انتباه القراء..
وشهدت الصحف اهتماما خاصا بجهود مصر في إعادة اللحمة بين القوى الفلسطينية، وسلطت الضوء على مجموعة من المشاريع الجديدة، وصفق الكتّاب لتقارير حول تعافي الاقتصاد الوطني، رغم الفيروس المدمر، الذي أنهك اقتصاديات دول العالم.. في ما نفى المركز الإعلامي لمجلس الوزراء شائعات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، حول نية الحكومة هدم قصور أثرية بدعوى إقامة مشروعات قومية. وقام المركز الإعلامي لمجلس الوزراء بالتواصل مع وزارة السياحة والآثار، التي نفت تلك الأنباء، مُؤكدةً أنه لا صحة لوجود أي نية للحكومة لهدم قصور أثرية بدعوى إقامة مشروعات قومية، مُشددةً على حرص الدولة على الحفاظ على الآثار المصرية كافة، بما فيها المباني والقصور، وعدم المساس بها نهائياً، باعتبارها ثروة لا تقدر بثمن. وأشارت الوزارة إلى أن هناك خطة لترميم القصور الأثرية في مختلف محافظات الجمهورية، بهدف الحفاظ على هويتها، حيث تم افتتاح قصر البارون إمبان في حي مصر الجديدة، بعد ترميمه، وقصر الأمير يوسف كمال في نجع حمادي بعد ترميمه، وجارٍ ترميم قصر محمد علي في شبرا تمهيداً لافتتاحه.
ومن أخبار الصحف: أشاد المهندس نجيب ساويرس رجل الأعمال، بأخلاق نجم النادي الأهلي ومنتخب مصر السابق محمد أبوتريكة، مشيراً إلى أنه لاعب عظيم، سواء كان إخوانيا أو غير إخواني. ومن تقارير المحاكم، حددت محكمة جنايات القاهرة، برئاسة المستشار مدبولي كساب، جلسة 17 مارس/آذار المقبل، للحكم على الناشطة سناء سيف، في اتهامها بـ«إذاعة ونشر أخبار كاذبة». ومن الراحلين أمس كرم زهدي رئيس شورى الجماعة الإسلامية، المتورط في قتل السادات الذي توفي عن 69 عاما متأثراً بفيروس “كورونا”، كما توفي المستشار مقبل شاكر رئيس شرف نادي قضاة مصر ورئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق، ورئيس نادي قضاة مصر الأسبق. وترأس شاكر نادي القضاة دورتين متتاليتين انتهت عام 2002.
تعلموا منه!
تابع أحمد رفعت أسئلته للمسؤولين في “فيتو”: كم جولة للرئيس كل يوم جمعة؟ كم جولة له غير يوم الجمعة؟ كم جولة هذا الأسبوع وحده من الكلية الحربية إلى متابعة إنتاج مدرعات جديدة إلى مركز النقل في طريق السويس، وأخيرا عزبة الهجانة، وربما اليوم نكون أمام جولة جديدة! وقبلها: كم مرة زار الرئيس السيسي مواقع العمل في العاصمة الجديدة لمنشآت هنا وهناك لطريق مصر إسكندرية الصحراوي لطريق بنها إلى العلمين الجديدة وغيرها وغيرها؟ هذا عن الزيارات الميدانية، ومثله تقريبا يفعل رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي. السؤال: كم وزيرا يفعل الأمر نفسه؟ مع كامل الاحترام لمن يتابعون الطرق والمستشفيات والقرى الفقيرة، لكن كم وزيرا غيرهم؟! كم وزيرا يزور ويتابع ويراقب ويفتش ويرى الناس ويراه الناس؟ وكم محافظا ينسف مكتبه ويخرج للناس يسمع ويراقب ويفتش ويوجه؟ وكم وزيرا وكم محافظا يلتقون الناس في لقاءات مفتوحة؟! كم رئيس هيئة عامة يفعل ذلك؟ كم برلمانا مباشرا في الأقاليم يتحدث فيه الناس للمسؤولين مباشرة ويستمع لهم المسؤولون؟ هل تعلمون – وهل يعلم الدكتور مصطفى مدبولي نفسه – أنه لولا الخطط والمشروعات القومية كان عدد غير قليل من المحافظين ظهروا على أدائهم الباهت الذي لا معني ولا قيمة له؟ هل يصح أن يخرج رئيس الجمهورية وعنده ألف التزام والتزام ليتابع مشروعات الدولة في كل مكان؟ وهل يضطر ليصطحب الوزراء معه أينما ذهب وجاء ولم يذهب منهم واحد؟ أو القليل حتي لا نظلم أحدا؟ قلنا قبل انعقاد البرلمان.. مارسوا دوركم في الرقابة.. ليس التشريع وحده مهمتكم. حاسبوا الوزراء والمحافظين.. وليبق منهم من يستحق البقاء مع رئيس لا يعرف الراحة.
ورطة الهجانة
لم تكن زيارة الرئيس السيسي إلى منطقة عزبة الهجانة، كما نظر إليها عماد فؤاد في “الوطن” ككل الزيارات السابقة لتلك المناطق التي تم تطويرها، أو المشروعات التي افتتحها، لكنها أكدت الفارق بين من يتعامل بواقعية مع ما يواجهه من مشكلات، ومن يعيش الواقع الافتراضي، ويتوهم قدرته على التغيير للأفضل. في مقدمة برنامجه الانتخابي عند ترشّحه للرئاسة عام 2014، قال السيسي إنه كان من الممكن أن يضع رؤية للفترة الرئاسية الأولى فقط، لكن إدراكاً منه لحجم التحديات الناتجة عن انعدام التخطيط وترحيل التصدي للمشكلات، فرض عليه أن يضع رؤية تؤسس لمصر العصرية. الرئيس السيسي وبحكم المواقع التي تولاها قبل توليه الرئاسة يعرف الواقع جيداً، اعتماداً على المعلومات التي تتيح له اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، ولا يدير شؤون الدولة، استناداً إلى الواقع الافتراضى الذي أفرزته ثورة الاتصال والمعلوماتية، وهو في حقيقته واقع رقمي وهمي، الرئيس في زيارته إلى عزبة الهجانة العشوائية يضع الحكومة ورئيسها الذي رافقه، أمام مسؤولياتهما لتغيير الواقع المؤلم، ويضع الناس – كل الناس – أمام الحقيقة المؤلمة أيضاً، ليقفوا على حجم التحدي، وما قد يصاحبه من تضحيات واجبة، وما يصاحبه أيضاً من محاولات تفجير الغضب الشعبي من وقت إلى آخر، سواء بحسن نية، باعتباره أسلوباً معتاداً للمعارضة، وفقاً للكتالوجات القديمة، التي تجاوزها الزمن، أو بسوء نية لحساب قوى الشر التي لا تريد الخير لهذا الوطن، وعلينا جميعاً أن ندرك أن الغضب العفوي مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولا ينجز هذا الغضب بقدر ما يدفع لليأس والإحباط، وهو ما لا يتفق مع آمال وطموحات شعب يسعى للبناء والتنمية، وإعادة بناء دولته على أسس قوية ومتينة، وليس على أساس واقع افتراضي أهبل.
لو نجح
قبل يومين، شهدت القاهرة عقد حوار فلسطيني شارك فيه 15 فصيلاً سياسياً، ورغم أنه لا يناقش المصالحة وإنهاء الانقسام بصورة مباشرة، فإن موضوع الحوار المتعلق بتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية، والمجلس الوطني الفلسطيني، بداية من مايو/أيار المقبل وبصورة تتابعية، لا يمكن إنجازه حسب رأي حسن أبوطالب في “الوطن” إلا إذا سادت إرادة سياسية جماعية، بتجاوز مرحلة الانقسام بكل تفاصيله وتعقيداته، مع الاحتفاظ بحق الاختلاف في مسائل إجرائية وليست استراتيجية، من قبيل كيفية تنظيم الإشراف العربي والدولي على الانتخابات، ودمج انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني مع الانتخابات التشريعية من عدمه، وعقد الانتخابات في القدس الشرقية، والعقبات الإسرائيلية المنتظرة، وتنظيم الحملات الانتخابية، وبحث تشكيل قائمة انتخابية موحدة بين حركتي فتح وحماس، والمحاكم التي يحق لها نظر الشكاوى الانتخابية. وهي كلها قضايا يتداخل فيها البعد التنظيمي مع الوضع السياسي. ومن غير المنطقي حكماً أن يتعاون الطرفان الرئيسيان وهما، حركة فتح وحركة حماس في إنجاز الانتخابات بعد حسم الإشكاليات المشار إليها، ثم قبول نتائجها بدون مصالحة، وبدون التوافق على عدة محاور رئيسية تتعلق بكيفية التعامل مع استحقاقات النضال السياسي لمواجهة إسرائيل في المرحلة المقبلة، في ظل إدارة أمريكية جديدة، تضع الدبلوماسية نُصب أعينها، وتميل إلى فتح حوارات جادة مع السلطة الفلسطينية، لتُنهي مرحلة ترامب السوداء، وإصلاح الجزء الأكبر من تداعياتها الظالمة للفلسطينيين. لقد جاء قرار إجراء الانتخابات في وقته المناسب تماماً، فإن نجح حوار القاهرة في الاتفاق على تفاصيل العملية الانتخابية، والالتزام بالتعاون الجاد لإنجاز انتخابات شفافة والقبول بنتائجها أياً كانت، فمن الطبيعي أن تدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز ترميم النظام السياسي الفلسطيني، وإدخال عناصر وكوادر جديدة في صلب العملية السياسية، واستعادة الوحدة المفقودة، وإرسال أكثر من رسالة إلى المجتمع الدولى كله تؤكد حيوية الشعب الفلسطيني ومؤسساته.
إلا إذا
هذا الزّخم بشأن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرّف كما أوضح حسن أبوطالب، تقابله تطورات الموقف الأمريكي، التي يمتزج فيها قدر من الانفراج وقدر من التراجع. ففي مجال الانفراج تأتي رغبة إدارة الرئيس بايدن في الانفتاح والتواصل مع السلطة الفلسطينية، وتقديم مساعدات للسلطة وللاجئين الفلسطينيين، وفتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، والأهم دعم حل الدولتين من حيث المبدأ. أما في مجال التراجع، فيبرز موقف مجلس الشيوخ الأمريكي بغالبية 97 صوتاً ضد 3 أصوات فقط، والداعم لاعتبار القدس الموحّدة عاصمة لإسرائيل، وهو القرار الذي اتّخذه من قبل الرئيس المهزوم ترامب. وفي ضوء قرار الشيوخ هذا يصبح على الفلسطينيين والعرب عبء تصحيح الأمر، وهو لن يكون سهلاً، لاسيما أن الرئيس بايدن لم يطرح أي تصور بشأن تنشيط عملية مفاوضات فلسطينية – إسرائيلية. هذه المتغيرات المتلاحقة تعيد تذكير الفلسطينيين والعرب أيضاً بأن من الصعوبة بمكان انتظار موقف أمريكي منصف على طول الخط. وأن الإفراط في التفاؤل بقدوم الرئيس بايدن ليس في مصلحة القضية الفلسطينية، في أي شكل من الأشكال. فصُنع السياسة الخارجية الأمريكية مرهون بتوازنات داخلية مؤثرة، ويلعب فيها اليهود الأمريكيون دوراً كبيراً في انتزاع المزيد من الدعم والمساندة المطلقة لإسرائيل، وبالقطع فإن الانقسام الفلسطيني لعب دوراً سلبياً للغاية طوال السنوات الماضية، ومنح قوى الضغط اليهودية والصهيونية في الداخل الأمريكي فرصة ذهبية لاقتناص المزيد من الهدايا المجانية لصالح إسرائيل وعلى حساب الحقوق الفلسطينية التي يقرها القانون الدولي بقوة.
أوهام شتوية
“التصويت الذي جرى في مجلس الشيوخ أول الأسبوع، ليس في صالح استقرار هذه المنطقة، ولا هو بالطبع في صالح القضية الأم فيها”. أما التصويت الذي يقصده سليمان جودة كما أخبر في “الوفد” فكان على مشروع قرار خاص بالسفارة الأمريكية في إسرائيل، وما إذا كانت ستعود إلى تل أبيب، كما كانت منذ البداية؟ أم أنها ستظل في القدس حيث نقلتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب؟ أما القضية الأم فهي قضية فلسطين، التي يبقى الوصول إلى حل عادل فيها كفيلًا بأن تعيش المنطقة في سلام، وقد كان الأمل أن يكون موقف موضوع السفارة في مجلس الشيوخ مختلفًا عند عرضه هذه الأيام، عنه في أيام إدارة ترامب، الذي لم يكن موضوعيًا عند تعامله مع الموضوع، كان هذا هو الأمل لأن الجمهوريين الذين ينتمي إليهم الرئيس السابق، كانوا أصحاب أغلبية في المجلس على مدى السنوات الأربع، وكان الديمقراطيون على العكس من ذلك، وبالتالي، لم يكونوا على وفاق مع سياسة ترامب في الكثير منها! ولكنهم مع ذهاب الرجل عن الحكم صاروا أصحاب أغلبية، وأصبح من المتوقع أن يعدلوا بعض الشيء في السياسات التي اتبعها ترامب، وأن يكونوا أكثر عدلًا وأكثر موضوعية وأكثر انصافًا في النظر إلى قضية شعب بالكامل في أرض فلسطين، ولم يحدث هذا بكل أسف، لأن التصويت كشف عن تأييد 97 عضوًا من بين مئة عضو، هُم كل أعضاء الشيوخ لبقاء السفارة في مكانها، واعتراض ثلاثة فقط من الأعضاء.. وهذه نتيجة غريبة على كل حال وغير مفهومة بالمرة، لأنها تعني في ما تعني أن حديث الديمقراطيين عن اختلافهم مع سياسات ترامب ليس حقيقيا، وأنه مجرد شكل لا مضمون فيه! الغريب أن بيل هاجرتي عضو الشيوخ الذي تقدم مع آخر بمشروع قرار بقاء السفارة، قال تعليقًا على التصويت، إن نقل السفارة إلى القدس مهّد للسلام في المنطقة! وهذا بدوره شيء أغرب، لأن السيناتور هاجرتي يعرف أن السلام الحقيقي هو الذي يترجم حل الدولتين إلى واقع حي.
الصليب والنهر
أجاب عماد الدين حسين في”الشروق” على السؤال الذي يشغل أذهان الكثيرين، هل هناك دور لإسرائيل في تشجيع إثيوبيا على التعنت في قضية سد النهضة؟ أم أن ذلك مجرد هواجس ومخاوف في عقول بعض المصريين؟ المؤكد أن من مصلحة إسرائيل الاستراتيجية أن تكون مصر ضعيفة دائما، حتى لا تتصدى لمشروعها الاستيطاني الاستعماري في المنطقة. لكن مشكلتنا مع إثيوبيا أكثر تعقيدا من اختزالها في «العامل الإسرائيلي» فقط، بحيث يعتقد الناس، أنه لو اختفت إسرائيل، فسوف يتم حل مشكلة المياه، وليس فقط مشكلة سد النهضة. ننسى أن مشكلة المياه بين مصر وإثيوبيا موجودة قبل قيام إسرائيل أصلا وزرعها عنوة في المنطقة عام 1948، بل إن محمد حسنين هيكل قال قبل وفاته، إن الغرب وبعد أن تصدت مصر للحملات الصليبية فكر في عمل هندسي يتم بموجبه تحويل نهر النيل ليصب في المحيط الأطلنطي، بدلا من إكمال طريقه إلى مصر، وأرسل خبراء لمنابع النيل، لبحث تنفيذ هذه الفكرة الجهنمية. هل معنى ذلك أن إسرائيل لا تسعى للإضرار بنا في هذه القضية أو غيرها؟ الإجابة أيضا هي لا. قال الكاتب إن ما دفعه لكتابة هذا الكلام رسالة عثر عليها على (جروب) لمجموعة من الخبراء والمتخصصين تتحدث عن ندوة مهمة نظمتها السفارة الإثيوبية في تل أبيب نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وحضرتها السفيرة الإثيوبية في تل أبيب وكذلك سفيرا غانا وجنوب السودان، وكان من أهم المتحدثين فيها الدكتور حجاي أيلرخ المتخصص في الشؤون الافريقية في جامعة تل أبيب، ومؤلف كتاب «الصليب والنهر.. مصر وإثيوبيا والنيل». السفيرة الإثيوبية دينا اليمو تحدثت عن وجهة نظر بلادها المعروفة، وقالت إن الوقت حان لتأمين حصة عادلة من مياه النيل لبلدها.
للأسف سيحدث
واصل عماد الدين حسين قائلا، الكلام الأهم جاء على لسان الإسرائيلي أيلرخ، ومن بين ما قاله، إن «فكرة الحقوق التاريخية في النيل لاتزال تسيطر على عقل المصريين، وهم يتجاهلون إثيوبيا عبر التاريخ، رغم أن ماء النيل ينبع من أراضيها. وسد النهضة زلزال مدمر ضرب مصر، وعقل المصريين لا يستوعب بعد أن مرحلة جديدة في التاريخ تبدأ الآن بوجود سد النهضة، ولن يكون ممكنا بعد الآن استمرار اعتماد المصريين التاريخي على النيل في حياتهم الاقتصادية، وسوف نرى قريبا بحيرة السد العالي وهي تفرغ تماما من المياه خلال سنوات قليلة، ولن تولد كهرباء من السد العالي، وحينها سوف تنتظر مصر المياه الآتية من إثيوبيا». يضيف أيلرخ أنه مهما طالت المفاوضات فهي لا تعني الكثير، لأن السد موجود أصلا، وسيتم الملء، وستتحكم إثيوبيا في النيل، وأنه مثلما كان السد العالي هو مشروع ثورة 23 يوليو/تموز 1952 في مصر، فإن سد النهضة هو «مشروع الحضارة الحالية في إثيوبيا». في الندوة نفسها التي انعقدت عبر الإنترنت تحدث نائب رئيس الشؤون الأكاديمية في معهد هرتزل الإسرائيلي الدكتور عريف هايفري، وهو أيضا من تلاميذ أيلرخ وقال إن على مصر أن تستوعب الواقع الجديد، وتؤمن بأن من حق إثيوبيا استخدام حصتها من النهر، داعيا مصر إلى شراكة جديدة تستخدم التكنولوجيا الإسرائيلية، واستثمار محتمل من الولايات المتحدة سوف يكلف مصر 70 مليار دولار لتحلية 6 مليارات متر مكعب من مياه البحر سنويا. هذا أهم ما ورد في الندوة التي نشرها الموقع الروسى «سبوتيك» في 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ولم أجد لها رواجا في وسائل الإعلام المصرية والعربية.
خيبتنا الثقيلة
قدم عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” أدلة دامغة على تردي حال إعلامنا المحلي، منذ عدة أشهر اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قناة «الجزيرة» ليتحدث من خلالها عن قضية الرسومات المسيئة للرسول الكريم، وليس عبر قناة «فرنسا 24» أو غيرها من القنوات الفرنسية، وأثار هذا الاختيار جدلًا كبيرًا، وقد شهدنا الرئيس السيسي يتحدث إلى برنامج الإعلامي عمرو أديب، على قناة «MBC»، الذي يتمتع بنسب مشاهدة عالية، وبعيداً عن الأسباب والدوافع ظل السؤال مطروحا في حالة إعلامنا المصري، هل حان الوقت، كما تحدث كثيرون، ومنهم وزير الإعلام نفسه، لمراجعة أداء الإعلام وطريقة عمله؟ لقد ظلت مصر منذ عقود تعرف ظاهرة «الإعلام المؤثر» أكثر من الإعلام المهني، فإعلام الستينيات كان مسيّساً ويروج للنظام القائم، لكن عبر نماذج إعلامية وصحافية محترفة تعرف أبجديات عملها ومهنتها، حتى أصبح الإعلام الأكثر تأثيرا على الرأي العام المصري والعربي.. وقد قرأ العالم العربي لكُتاب مصر وصحافييها الكبار، وتابعوا برامجها «الموجهة» بكل حماس، ولم يلتفت الكثيرون لأهمية مهنية الإعلام، إلا عقب هزيمة 67، التي فتحت جروحاً كثيرة، وكان للصحافة النقدية دور كبير في تسليط الضوء على الأخطاء التي أدت لها، خاصة كتابات الراحلين الكبيرين محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين، وغيرهما. والحقيقة أن أزمة الإعلام المصري حاليًا مزدوجة، لأنها تتعلق بالتأثير والمهنية، فلو اكتفت الدولة بالنظر للإعلام من زاوية التأثير لخرجت بنتيجة أنه لابد من مراجعة حقيقية لأدائه. والمؤكد أنه في العصر الحالي، عصر السماوات المفتوحة، لا يمكن أن نستعيد تأثير الإعلام بدون مهنية ومعرفة وحرية نقل الخبر والمعلومة. المؤكد أن قضايا الإجماع الوطني، مثل الحرب على الإرهاب ومواجهة جماعات التطرف، قد تحتاج أساسًا إلى «إعلام التأثير والتوجيه والتوعية»، ولكن بالنسبة لقضايا أخرى تتعلق بالوضع الاقتصادي وأولويات التنمية وتطوير الأحياء، والحفاظ على تراث البلد، وقضايا السياسات العامة، مثل الصحة والتعليم والمواصلات، وأزمات الحياة الحزبية، وأداء البرلمان، كلها قضايا لا يمكن اعتبارها محل إجماع، وهنا لابد أن يكون هناك إعلام يلتزم بالدستور والقانون والقواعد حتى يستطيع التأثير.
بقرة حلوب
إذا كانت إدارة ترامب نجحت كما أوضح معتمر أمين في “الشروق” في حصد ما يفوق 400 مليار دولار في صفقات مع المملكة، فإن إدارة بايدن ستحاول الحصول على صفقات بالمقدار نفسه. وإذا كان الوضع الاقتصادي العالمي، والإقليمي، يساعد على تدبير أموال ضخمة بهذا الحجم فإن جائحة كورونا التي ألمت بالعالم غيرت الكثير في الوقت الراهن. ويحول تدني أسعار البترول التي هوت وتسببت في عجز ميزانية معظم دول الخليج، بدون تدبير المبالغ الضخمة المطلوبة. وإذا كان الحل في السابق هو مزيج من مكافحة الفساد، ورفع الضرائب، واستنزاف بعض من الاحتياطب في البنك المركزب، فإن تكرار هذه السياسات في الوقت الراهن قد يسفر عن تبعات سياسية داخلية غير حميدة. فمن ناحية، التضييق الذي تسببه الضرائب يضغط على قطاعات واسعة من الشعب. ومكافحة الفساد، عملية مرهقة لمجتمع المال والأعمال، لذلك تكرار السياسات نفسها التي مرت بسلام في السابق، قد تسفر عن تبعات غير حميدة. وفى كثير من الأحيان يكون الانتقال لملفات الخارج إسعاف لما يجرى في الداخل. لاحظ مثلا أن إدارة ترامب قبل الرحيل كانت تتباهى بقوة ومتانة الاقتصاد الأمريكي، وتتباهى بارتفاع مؤشر بورصة نيويورك لما يفوق 31 ألف نقطة في سابقة لم تحدث من قبل. وبعد أيام قليلة من رحيلها، وجه الرئيس الجديد خطابا للشعب تحدث فيه عن أسوأ أزمة اقتصادية تواجه بلاده منذ عقود، بالإضافة لثلاث أزمات أخرى كبرى، لم تجتمع من قبل في التاريخ الأمريكي، وأهمها جائحة كورونا. والاثنان، ترامب وبايدن، وجدا حلا داخليا في تشغيل ماكينة طباعة أوراق الدولار النقدية، لكى تسعف البورصة، وتمد المواطنين بأموال معونة تمكنهم من تغطية بعض من أساسيات الحياة، ثم انفرد ترامب بصفقات مع المملكة بعد أن أطلق لسانه بتحذيرات للسعودية تخرج عن العرف الدبلوماسي المتبع بين الدول.
فتح عكا
كان السؤال الخفي الذي حاول عبد الله عبد السلام البحث عنه مع الوزير هشام توفيق.. هل التصفية مصير كل مؤسسات الدولة الخاسرة مهما يكن تاريخها ودورها ومهما نقل فيها من شعر؟ اكتشف الكاتب في “الأهرام” أن الدولة قد تصبر وتداوي خمسين سنة.. لكن حين “تزك الزكة” كما قال الشاعر جمال بخيت، تعبر سينا وتفتح عكا، لهذا صفيت القومية للإسمنت، وأغلقت الحديد والصلب والبقية تأتي إذا فشل العلاج. تابع الكاتب: للأمانة.. نفى الدكتور هشام توفيق في البداية الاتهام بأنه وزير التصفية فهو لم يغلق إلا شركتين فقط من أصل 120، أصلحنا بالفعل 73 شركة، ترنحت القومية للإسمنت 12 سنة ثم سقطت بسهولة في يومين، لأنها غير مسجلة في البورصة، أما الحديد والصلب فاستغرق نزيفها وخنقها أكثر من خمسين سنة، حتى توقف قلبها في مارس/آذار الماضي، وشرح توفيق بمرارة: الحديد والصلب لها بعد أيديولوجي وهى ليست أقل من الأهرام التي نجلس فيها، مربوطة بعهد الزعيم جمال عبدالناصر، وظلت الوحيدة في السوق المصرية حتى الثمانينيات.. لكنها منذ 1997 تخسر، وكان الجهاز المركزي يعرف أن الخسارة الحقيقية ضعف الخسارة المعلنة، لكن محاولات تجميل الصورة انتهت في 2014 حين أوقفنا التعيينات وخفضنا العمالة واستمرت وزارة المالية تضخ 50 مليونا كل شهر في ميزانيتها، لكن فيروس التصفية أوقف جهاز التنفس إلى أن وصلت للحالة التي وصفت مجازيا بأنها لا تساوى شيئا.
نهاية متشابهة
هاجت الأسئلة نيابة عن الناس خلال ندوة وزير قطاع الاعمال.. سأل ماهر مقلد في “الأهرام” : لماذا نجح حديد القطاع الخاص وفشل حديد «الحديد والصلب»، فأجاب توفيق: فرق التكنولوجيا..ولعلمك هي أيضا تخسر.. اتبعنا روشتات تطوير مضنية وشملت خطط الإصلاح إسقاط ديون وتسوية منازعات وخبراء أجانب لإعادة الهيكلة.. فكانوا ينتجون المشاكل ولا يصدرون الحلول، لكننا نجحنا في شركات الغزل والنسيج ووضعت وزارتنا خطة تطوير مدتها 3 سنوات لتحويل الخسائر إلى أرباح، وإعادة القطن المصري إلى مكانته ووقف تصديره خاما لاستعادة أسواق المنسوجات القطنية المصنعة في مصر، وسأله إبراهيم سنجاب: قرار بيع الحديد والصلب يعطى مؤشرا بأن برج الجزيرة والسد العالي في الطريق.. ولم يراع مصالح سبعة آلاف عامل.. فقاطعه الوزير: «ماتقولش بيع قل تصفية».. وإن الحديد والصلب تتكبد خسائر منذ 1979، لكن تجميل الميزانية له أحكام، والخطأ كان في إدخال صناعات الحديد والصلب في مصر منذ البداية لأن هذه الصناعة تنجح في بلاد تتوافر فيها الطاقة ونسبة تركيز الخام في مناجمها تتعدى الـ60%، يحتاج إنتاج طن الحديد من 300 إلى 600 كيلو فحم، بينما مناجمنا نسبة تركيز الخام فيها ضعيفة جدا، يحتاج إنتاج الطن نفسه إلى 1300 كيلو من الفحم ما أوصل الخسائر إلى 15 مليار جنيه. ورجتنا الزميلة إيمان عراقي مديرة الندوة أن نضغط الأسئلة، فلم أستطع كتمان ما يتعلق بدور الصحافة.. خاصة حين اكتشفت لماذا سموه وزير التصفية، فقد ظلت النار تغلي في مراجل هذه الشركات خمسين سنة بدون أن تبوح الوزارات المتعاقبة بحقيقة الأوضاع للناس، وأول ما سمعه الرأي العام والعاملون في هذه الشركات هو قرار التصفية في مارس/آذار الماضي، أين كانت الشفافية ولماذا همشت الصحافة؟وكان سؤال عبد الله عبد السلام الأخير: ماذا ينتظر المؤسسات الصحافية القومية وما الضامن ألا تلقى نفس مصير الحديد والأسمنت؟ قال الوزير التحدي الحقيقي للصحف صار الحركة السريعة في الاستثمار وتخفيض الديون.
أكل عيش
البحث العلمي في الجامعات لا يرتبط فقط كما رصد محمد أحمد طنطاوي في “اليوم السابع” بنقص الإمكانيات أو الروتين وغياب المعامل وما يحتاجه الباحثون، بل يرتبط بصورة أساسية بندرة الأفكار وجودة الموضوعات والقضايا محل الدراسات، ولك أن تتصور أن هناك 32 ألف بحث علمي مصري منشور في مجلات ودوريات علمية، خلال عام 2020، وفق بيان رسمي لأكاديمية البحث العلمي، بمعدلات نمو 25٪ عن عام 2019، وبالطبع لا يمكن أن نعتبر هذا مؤشراً سلبياً، ولكن السؤال الأهم: “ما انعكاسات هذه الأبحاث على المجتمع؟ وماذا قدمت لخدمته؟ وكيف أثرت في مستوى جودة التعليم؟، خاصة أن المعادلة ليست كمية وعددية بقدر ما ترتبط بجودة الأفكار. الخبراء يؤكدون دائماً أن “الأفكار المجنونة تغير العالم”، إلا أن المتأمل في وضع الرسائل العلمية، خاصة بالكليات النظرية فيجد عددها كبيرا جداً وعناوينها متشابهة ومكررة، لدرجة أن بعض الأساتذة قد يجد نفسه مسؤولاً عن المتابعة، والإشراف على نحو 30 رسالة علمية سنوياً، وهذا رقم كبير جداً وغير موجود في أي دولة في العالم، فكيف يوفر الوقت للجلوس مع كل هؤلاء الباحثين؟ وكيف يقدم لهم التوجيه اللازم؟ وكيف يطور معهم الموضوعات البحثية والأطروحات التي يقدمونها. تابع الكاتب: خطر كبير أن يتم ربط البحث العلمى بفكرة “أكل العيش”، فبعض الباحثين بدأ ينظر إلى الموضوع بمنطق تجاري بحت، بدون أن يكون للموضوع علاقة، بالإضافة العلمية أو العائد على المجتمع، من الدراسات والأبحاث المقدمة، فمثلاً نجد الباحث يسارع إلى الماجستير، ثم الدكتوراه حتى يحصل على “سبوبة” تدريس في جامعة خاصة، أو معهد خاص، وبات الأمر تجارة رائجة، لتبقى فكرة الرسالة، والعلم مجرد شعارات بدون جدوى. خطر آخر داهم يتمثل في اتجاه البعض إلى البحث العلمي من باب “التسلية وتمضية أوقات الفراغ”، فبدلاً من الجلوس في المنزل بدون عمل، أو المحاولة في الحصول على فرصة، يسلك البعض طريق التحول إلى “باحث ماجستير” أو “دكتوراه”، ليصير البحث العلمى وظيفة.
سجن بلا قضبان
أن تدخن هذا أمر سهل وطريقه مفروش بالمغريات. أن تتحرر من سجن التدخين هذا أمر بالغ الصعوبة، لكنه ليس مستحيلا، تابع صلاح منتصر في “الأهرام”، في الغالب فالتدخين يبدأ بضحكة هزار.. سيجارة من أحد أفراد الشلة الذين سيضحكون عليك، وأنت تكح، وكلما تزايدت كحتك تزايدت ضحكاتهم، ومعها تزايد شعورك برغبة التحدي. ومن سيجارة شحاتة إلى علبة سجاير تشتريها إلى دخولك سجن الإدمان. وإدمان التدخين في مختلف صوره سيجارة أو سيجار أو بايب أو شيشة، سببه النيكوتين وهي مادة تعطي صاحبها المزاج، لكنها في الوقت نفسه تنافس المادة الطبيعية التي منحها الله للإنسان وهي الأندروفين التي تخفف تحملك لصدمات الحياة وهمومها بتوازن وحساب دقيق. وتشعر مادة الأندروفين بمزاحمة النيكوتين لها فتتوقف عن الإفراز، وتكون النتيجة زيادة اعتماد المدخن على النيكوتين، ومن عشر سجاير يوميا مثلا إلى عشرين وثلاثين وهكذا. وبسبب احتراق التبغ يصبح على المدخن أن يبتلع مع النيكوتين الذي أصبح يعتمد عليه مادة القطران، أو الزفت التي تترسب في الرئتين، وتسد منافذ الهواء وتصبح النهاية معروفة. ولا بد أن يلحق المدخن نفسه قبل أن يصعب عليه الأوكسجين الذي يسره الله لكل البشر، وهي رحلة ليست سهلة لأن المدخن أصبح مرتبطا بالنيكوتين، الذي يوفر له مزاجه، وكي يحرم نفسه من هذا النيكوتين، لا بد أن يعاني صعوبة المزاج السيئ لفترة قبل أن يعود الأندروفين الذي عطل إنتاجه إلى استئناف إفرازه. والآن هل أنت مستعد للمحاولة، لقد شرحتها لك علميا كي تعرف حقيقة رحلة الخروج من سجن إدمان التدخين. إنك ستعاني قلة المزاج عندما تبدأ رحلة التحرر، وقد عرفت لماذا وأنها لفترة محدودة وأنها لن تقتلك، بل على العكس ستخلصك مما هو أسوأ وأكثر عذابا. وأعرف أنك لست وحدك الذي يبدأ هذه الرحلة وأن كثيرين بدأوها ونجحوا في دخول حياة جديدة أمتع وأجمل وأصح، وأنت أيضا تستطيع أن تفعلها وكل 9 فبراير/شباط وأنت لا تدخن.