ظنَّ «القيصر» أن لديه قدرة الاستيلاء بيسرٍ على أوكرانيا، وتلقينها درساً، وتنصيب نظام حليف له. أغلب الظن أنه تَيقَّنَ من السقوط في الفخ الأمريكي. لن يكون بإمكانه، في احتفال عيد النصر على ألمانيا النازية في التاسع من أيار/مايو، أن يُعلن النصر مجدداً على «النازيين الجُدد» في أوكرانيا، حتى إن جيشه لم ينجح في فصل الشرق الأوكراني لتقديمه كـ»نصر مُنجز» بعدما كان الهدف قلب العاصمة. فالمعارك في الدونباس مستمرة، والمعلومات الروسية تُقدِّر أنه لا يزال هناك ما يزيد على مئة ألف من الجيش الأوكراني في دونتيسك، وتقول إن الخطة العسكرية تقضي بمحاصرتهم حتى استسلامهم. الحال في أوديسا ليست أفضل، بعدما تكشَّف أن الحسابات الزمنية لإسقاطها خاطئة.
يُدرك فلاديمير بوتين أن الغرب يحشدُ كل إمكاناته خلف أوكرانيا، ويُقدِّم لها شتى أنواع الدعم. يعلم أن واشنطن تُجنِّد ما أمكنها من الدول المؤثرة في خدمة هزيمته، وفي مقدمتها إسرائيل التي كانت تُصارع لعدم الانغماس في هذه الحرب والاضطرار إلى تأييد طرف على حساب الطرف الآخر. حاول رئيس الوزراء، نفتالي بينيت، البقاء في موقع الوسط عبر لعب دور الوسيط بين روسيا وأوكرانيا، لكنه دورٌ لا يُرضي أي من الطرفين، فكلاهما يضغطان عليه.
ثمّة علاقة معقدة بين روسيا وإسرائيل. البعض يعزو الإرباك الإسرائيلي إلى حاجة تل أبيب للحفاظ على الترتيبات المتعلقة بسوريا وحرية حركتها فيها. هذه مسألة حيوية، غير أن كثراً من المراقبين يرون أن المسألة تتخطى سوريا وأوكرانيا، ولها ارتباط قوي بالأوليغارشية الروسية التي تُحيط ببوتين، وغالبية هؤلاء من أصول يهودية يحملون الجنسية الإسرائيلية، وتُشكِّل إسرائيل ملاذاً ضريبياً آمناً لهم. وقد قصدَ كثر منهم تل أبيب بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، وبعدما بدأت أمريكا وأوروبا بفرض عقوبات عليهم.
لكن في ظل الحديث عن ضغوط تتعرَّض لها تل أبيب من قبل واشنطن، يرتفع منسوب الهجوم الروسي على إسرائيل. منبع ذلك هو الاقتناع بدور دولتين في حسم اتجاهات الحرب، هما تركيا وإسرائيل. من هنا يمكن فهم ما تتعرَّض له العلاقات الروسية – الإسرائيلية ووصف ما تمر به بـ«مطبّات هوائية» ذات ارتجاجات شديدة القوة، وهي مطبّات ستقوى وتخفّ على وتيرة الحرب الدائرة بين موسكو وكييف. لكن في نهاية المطاف ستُسوَّى الأمور، بحسب أحد منظري «محور إيران» الذي يُبدي الكثير من الحذر حيال رهانات على تحوُّل كبير في الموقف الروسي تجاه إسرائيل.
في المعلومات أن روسيا قامت، في سوريا، بعملية إعادة انتشار في مناطق حيوية عدة، من بينها مطار تدمر ومحيطه. وقد ملأت الميليشيات الإيرانية الفراغ. أتت هذه الخطوة نتيجة الحرب في أوكرانيا، ويمكن إدراجها في إطار إجراءات الحذر وإعادة التموضع على ضوء المتغيّرات والظروف، ويمكن أن تُقرأ على أنها رسالة تحذير إلى إسرائيل، أو أنها نتاج تطوُّر إيجابي في مترتبات العلاقة الروسية – الإيرانية على خلفية الملفات المفتوحة والمتشعبة، من أوكرانيا، إلى الاتفاق النووي، إلى وضع الإقليم.
ما هو أكيد أن الساحة السورية ستكون «صندوق بريد» ومسرح عمليات مرتبط بقوة بالمشهد الأوكراني، سواء لجهة تركيا أو إسرائيل، أو حتى أمريكا، حيث ارتفعت فرص الاحتكاك الأمريكي – الروسي فوق تلك الساحة. ولا يزال من غير الواضح كيفية ترجمة انعكاسات التأزم بين موسكو وتل أبيب على قواعد الاشتباك في سوريا، وعلى جملة مسائل حيوية، تبدأ من مصير المصالحات في المنطقة الجنوبية، وتمر بحرية حركة الطيران الحربي الإسرائيلي وضرباته لمواقع عسكرية للنظام والميليشيات الإيرانية وشحنات الأسلحة الإيرانية، ولا تنتهي عند تخفيف الضوابط التي كانت تُقيِّد تحرّكات النظام، وعند الحضور الإيراني الذي كان خاضعاً للتوازنات التي فرضتها روسيا.
الانطباع السائد أن روسيا بدأت تتصرَّف في سوريا على أن الحرب في أوكرانيا هي حرب استنزاف طويلة، وهي تفهم مغزى إقفال تركيا البحر والجو أمامها، بحيث منعت أنقرة في بداية الحرب – بموجب تطبيقها «اتفاقية مونترو» – السفن الروسية من عبور مضائقها بين البحر المتوسط والبحر الأسود، فيما أعلنت قبل أسابيع عن إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية المدنية والعسكرية التي تُقل جنوداً، والمتوجهة إلى سوريا. سيلجأ الجميع إلى استخدام ما لديه من أوراق قوة وأوراق ضغط في الساحات المؤثرة، وسيلجأ كل طرف إلى الإفادة من خلق وقائع جديدة وتحسين مواقعه ونفوذه.
تذهب الحسابات القريبة من إيران إلى توقع حصول «حدث ما» في سوريا في حال تفاقم التوتر الروسي- الإسرائيلي، الحديث عن حدث يزعج تل أبيب، ولا يحدث انقلاباً. فموسكو لا تريد ولا تستطيع أن تقفل الأبواب على إسرائيل، حتى لو جنحت الأخيرة صوب أوكرانيا، التي يميل إليها الرأي العام الإسرائيلي، والتي تحصد تل أبيب من خلالها مكاسب على أقله في إبعاد كأس صفقة الملف النووي الإيراني بين أمريكا وإيران.