مطاردة المعذبين شرط لوقف انتهاكات حقوق الانسان

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

جلس كل من سيندي وكريج كوري في قاعة المحكمة بمدينة حيفا على امل مقابلة قاتل ابنتهما، ريتشيل، ولكن لم يتمكنا من ذلك بسبب الحاجز البلاستيكي الذي فصل بين الطرفين. جاء الزوج والزوجة من امريكا لسبب واحد: مقاضاة سائق الجرافة الاسرائيلية التي سحقت ابنتهما الشابة، ريتشيل، قبل سبعة اعوام، عندما اعترضت الطريق لمنعها من هدم بيوت الفلسطينيين. وسعى الوالدان طوال تلك الفترة للحصول على اجابات حول تلك الجريمة، ولكن بدون جدوى. فحكومة بلدهما رفضت مساعدتهما في ذلك، ووجدا نفسيهما مضطرين للانفاق من جيبيهما لكشف ملابسات الجريمة. تقدم الزوجان في 2005 بالشكوى المدنية للمحكمة طالبين من الجاني تعويضا قدره دولار واحد مع دفع تكاليف المحكمة التي تقدر بحوالي 100 الف دولار، واستغرق انعقاد اولى الجلسات اربع سنوات، قضاها الزوجان في التعرف على القضية التي فقدت ريتشيل حياتها من اجلها. وبرغم محاولات اسدال الستار على قصة تلك الشابة التي ارتبطت بـ ‘حركة التضامن مع الفلسطينيين’ لوقف العدوان الاسرائيلي ضد اهل فلسطين، فقد بقيت حية في اذهان النشطاء والمثقفين. فقد كتب الممثل البريطاني، آلان ريكمان، مسرحية حول قصتها، وسميت احدى سفن الاغاثة التي تسعى لكسر حصار غزة باسمها. مع ذلك ما يزال ثمة شعور بان هذا العالم يعاني من الجبن والفشل في القيام بمسؤوليته لوقف الاعتداءات والانتهاكات التي تمارسها الانظمة العدوانية وفي مقدمتها الكيان الاسرائيلي. هذا الفشل هو الذي يشجع تلك الانظمة على الاستمرار في سياساتها غير الانسانية. فمثلا لم تمر سوى بضعة شهور على مقتل الآنسة ريتشيل كوري، حتى ارتكبت قوات الاحتلال الاسرائيلية جريمة اخرى باطلاق النار على الناشط البريطاني الشاب، توم هاندل، واصابته في رأسه. وبقي الشاب في غيبوية لم يستيقظ منها حتى وفاته بعد تسعة شهور. وقتل قناص اسرائيلي المخرج السينمائي البريطاني، جيمس ميللر، بينما كان يعد فيلما وثائقيا حول العنف الاسرائيلي. ولم تتخذ الحكومة البريطانية اجراءات قضائية او دبلوماسية او اقتصادية رادعة ضد الكيان الاسرائيلي حتى الآن.

هذه القضايا تطرح تساؤلات مهمة حول مدى استعداد العالم للتصدي للعنف الذي تمارسه انظمة الاحتلال والقمع في عالم اليوم، الذي يدعي تطور انظمته السياسية والحقوقية والقضائية، ولكنه ما يزال عاجزا عن تحقيق عدد من الامور: اولها عولمة العدالة لتصبح قانونا دوليا يطبق على الجميع بدون تمييز، ويساهم في وقف الانتهاكات التي تمارس في زمن الحرب او السلم. وكان من المفترض ان يكون تشكيل المحكمة الجنائية الدولية رادعا عن ارتكاب جرائم التعذيب والابادة واساءة معاملة اسرى الحرب او استهداف المدنيين. ولكن رفض التوقيع عليها من قبل بعض الدول خصوصا الولايات المتحدة الامريكية، حال دون تلك العولمة. ومع ان هناك بعض الاجراءات والقرارات التي اتخذتها تلك المحكمة، ولكن عملها ما يزال ‘انتقائيا’، وما يزال مرتكبو جرائم التعذيب او الحرب بعيدين عن سلطتها. وتتمثل انتقائيتها في بعض جوانبها بما يجري حاليا من استهداف بعض القوى اللبنانية في قضية اغتيال رئيس الوزراء السابق، رفيق الحريري واصدارها ما اصطلح على تسميته ‘القرار الظني’ وتجاهلها ممارسات المسؤولين الاسرائيليين بحق الشعب الفلسطيني. بينما لا يتوقع رفع دعوى قضائية ضد القوات الامريكية التي اتهمت بممارسة التعذيب والقتل خارج القانون في الوثائق التي بثها موقع ويكيليكس مؤخرا. ثانيها: إصلاح النظام السياسي العالمي الذي يتمثل بالامم المتحدة، وابعادها عن اساليب الابتزاز وتجنب اضعافها عبر سياسات ‘التجويع’ والحرمان من الدعم المالي المترتب على الدول. كما ان مجلس الامن الدولي كان، وما يزال، بحاجة للاصلاح، اذ ما تزال عضويته الدائمة محصورة على خمس دول منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبرغم التطورات التي حدثت في العالم خصوصا تشكيل التكتلات الاقليمية كالدول الاسلامية، وصعود نجم بعض الدول، مثل الهند واليابان، فما يزال مجلس الامن ناديا خاضعا لارادة تلك الدول. فهو يستهدف المشروع النووي الايراني السلمي، ولكنه لم يناقش قط المشروع النووي الاسرائيلي الذي لم يخضع للرقابة الدولية تحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي تحول الى مشروع تصنيع عسكري مكشوف. ثالثها: عدم التوجه لتطوير انظمة الحكم في بعض الدول، خصوصا التي تمتلك ثروات طبيعية كالنفط، وذلك مراعاة للمصالح الاقتصادية. هذه الحقيقة من أشد الحقائق ايلاما، اذ ما تزال انظمة الحكم في بعض تلك الدول خارج العصر وروحه التحررية، وما تزال انظمة الحكم فيها محكومة بأطر من الاستبداد والديكتاتورية والتسلط المقيت. ومع ادراك ما يطرح حول ‘الخصوصيات الثقافية’ و’الابتعاد عن التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول’ فان اصلاح الانظمة السياسية اصبح مطلبا لا يقل شأنا عن عولمة العدالة وحماية حقوق الانسان. وبدلا من توجيه الارادة الدولية لتطوير مستوى المشاركة السياسية في تلك البلدان، اصبحت الاموال النفطية وسائل فاعلة لشراء مواقف الدول والاشخاص، والتشويش على الحقائق، وابعاد الانظار عن معاناة الشعوب التي تعيش تحت الاستبداد، والممنوعة من التمتع بحقها في تحديد مصائرها او المساهمة الفاعلة في ادارة شؤون بلدانها. وهكذا اصبحت الديكتاتورية مدعومة بقوة من قبل الانظمة التي طالما بررت وجودها بانها تمثل ذروة التطور السياسي البشري بانتهاج الديمقراطية واشاعة قيم المجتمع المفتوح، وانهاء ظاهرة ‘المجتمعات السرية’ المحكومة بانظمة استبدادية ديكتاتورية.

رابعها: تطبيق مستلزمات الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وبالتحديد قرارات قمة فيينا لحقوق الانسان التي عقدت في 1993. تلك القمة اصدرت قرارات مهمة اعتبرت مدخلا لعالم جديد تتقلص فيه انتهاكات حقوق الانسان، خصوصا في ما يتعلق باستهداف النشطاء. كما انها قررت مبدأ جديدا وهو ‘عالمية حقوق الانسان’ وتجاوزها مبدأ ‘السيادة الوطنية’. هذا يعني ان انتهاك حقوق الانسان يلغي تلك السيادة ويعطي الحق للدول الاخرى في التدخل لحماية ضحايا تلك الانتهاكات. فلا سيادة اذا تعرضت حقوق الانسان للانتهاك على ايدي مسؤولي تلك الدولة.

واذا كانت قضايا عولمة العدالة واصلاح النظام السياسي العالمي، وانظمة الحكم المحلية، بعيدة المدى وتنطوي على تعقيدات تتطلب جهودا كبيرة وترويجا لثقافة دولية جديدة، فان التصدي لانتهاكات حقوق الانسان والاعتداءات الحكومية على طلاب الحرية والنشطاء، امر لا يحتمل التأخير. لقد اصبحت الانتهاكات تمارس علنا، ولم يعد ممكنا احاطة الانباء حولها بالتعتيم والسرية. ففي العصر المعلوماتي الحاضر اصبح كل شيء مكشوفا، فما ان يعتقل شخص او تساء معاملته على ايدي عناصر التعذيب في سجون بلده، حتى تصك هذه الانباء اسماع النشطاء والجهات المعنية بتلك الحقوق. واصبحت مكاتب المنظمات الحقوقية الدولية مكتظة بتفصيلات التعذيب وسوء المعاملة. هذه المنظمات تبذل جهدها للكشف عن هذه الانتهاكات، واغلبها يعمل بقدر من الشفافية والحرفية، وان كان بعض الانظمة القمعية قد استطاع التأثير على بعض موظفيها من خلال الاغراءات المالية. ومن المؤكد ان هذه الجهود تساهم بقدر ما في تسليط الاضواء على ما يجري في غرف التعذيب من انتهاكات للحقوق الاساسية للبشر، خصوصا التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة الانسانية. ولا يمكن التقليل من شأن هذه الجهود والاصدارات خصوصا من المنظمات المعروفة مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووج والهيئة الاسلامية لحقوق الانسان، وكذلك جهود اللجنة الدولية للصليب الاحمر. بعض الدول اصبح يخشى من هذه التقارير خصوصا انها تشوه صورته في الخارج، وتلقي بظلال من الشك على مدى انسانية مسؤوليه. غير ان بعض الانظمة لم تعد تبدي اهتماما بهذه التقارير والبيانات، فلم ترد عليها الا نادرا، ولم تتخذ خطوات ايجابية لوقف المعاملة غير الانسانية بحق السجناء. هؤلاء المعتقلون، في اغلب الاحيان موقوفون بسبب التعبير عن آرائهم ازاء سياسات القمع والاستبداد، وليس لاسباب اخرى. مع ذلك لا بد من الاشارة الى ان المواثيق الدولية لا تسمح بانتهاك حق اي سجين، مهما كانت التهم الموجهة اليه. فهي تعتبر المتهم بريئا حتى تثبت ادانته، وهو مبدأ ثابت يعتبر من اهم الاعمدة التي تقوم عليها العدالة. ولكن يلاحظ في بلداننا العربية والاسلامية ان الاعتقال او التوقيف كثيرا ما يستعمل لمحاكمة السجين علنا خصوصا من قبل وسائل الاعلام والمسؤولين الرسميين بذلك النظام. وفي هذه الظروف يستحيل توفير محاكمة عادلة للمتهم. وهذا انتهاك آخر يضاف للانتهاكات الجسدية خصوصا التعذيب.

المسألة الجوهرية هنا تتمثل بغياب الادوات الفاعلة التي تمكن المنظمات الحقوقية الدولية من وقف الانتهاكات الفاضحة لحقوق الانسان. فالانظمة التي تواجه معارضة او مقاومة متواصلة تكتسب مناعة ضد هذه الادانات، وتستمر في اساليب قمعها. وما لم تتوفر لدى الجهات الحقوقية الدولية ادوات ضغط فاعلة فسوف تستمر اساليب المعاملة السيئة ومعها التعذيب. فالحماس الذي ظهر لحقوق الانسان بعد قمة فيينا بدأ يتلاشى تدريجيا، ونجحت الحكومات في اضعاف وجود المنظمات غير الحكومية وتأثيرها على آليات الامم المتحدة التي تسعى من خلالها لمنع الانتهاكات. ونجم عن ذلك الغاء لجنة حقوق الانسان التابعة للمنظمة الدولية واستبدالها بمجلس حقوق الانسان الذي اصبح اقل حماسا لمواجهة الانظمة القمعية، وتقلص تأثير المنظمات غير الحقوقية على مجرياته. ولذلك حان الوقت لمنظومة حقوقية جديدة توفر للمنظمات الدولية القدرة على تفعيل مواقفها الهادفة لمنع الانتهاكات خصوصا في البلدان التي تمتلك سجلا اسود في مجال الانتهاكات، مثل ‘اسرائيل’ ومصر والسعودية والبحرين. هذه الآليات، فيما لو توفرت، سوف تتيح للمنظمات التدخل العاجل ليس لمنع الانتهاكات فحسب، بل لمساءلة المعذبين انفسهم. ان استهداف مرتكبي جرائم التعذيب امر ضروري لانجاح مهمة المنظمات الحقوقية. فعندما اعتقلت السلطات البريطانية في ليلة 16 تشرين الأول/اكتوبر 1998 أوغسطو بينوشيه، بناءً على أمر قضائي إسباني بالقبض على الدكتاتور السابق بتهمة ارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان في تشيلي إبان فترة حكمه التي دامت 17 عاماً، ابتهج نشطاء حقوق الانسان، واعتبروا ذلك بداية مهمة لحقبة جديدة من استهداف المعذبين. وعندما صدر في شهر كانون الاول/ ديسمبر الماضي امر توقيف من محكمة وستمنستر ضد وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة وزعيمة حزب كاديما تسيبي ليفني، التي كان من المقرر أن تشارك في مؤتمر للصندوق القومي اليهودي الذي يدعم إسرائيل، تحرك اللوبي الصهيوني لتغيير مواد القانون البريطاني التي تسمح باعتقال مرتكبي جرائم الحرب. وصدرت مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين الاسرائيليين قبل ذلك. وصدرت مذكرة من المحكمة نفسها بتوقيف ايهود باراك بموجب قانون العدالة الجنائية لعام 1988، الذي يسمح للمحاكم البريطانية بمتابعة المتهمين بجرائم حرب حتى لو لم يكونوا بريطانيين أو مقيمين في بريطانيا. لا شك ان صدور مذكرات توقيف كهذه كان وسيلة فاعلة لمواجهة مرتكبي جرائم الحرب والتعذيب. ولو تكرر توقيف عدد اكبر من المتهمين بارتكاب جرائم التعذيب لشعر المسؤولون في الانظمة القمعية بخطر حقيقي ولاتخذوا خطوات لمنع التعذيب او التخفيف منه على الاقل. من هنا، فان المنظمات الحقوقية لن تنجح في مهمتها الا اذا وسعت اهتمامها وقررت ملاحقة المعذبين اينما كانوا. ويحتاج وصول رسالة المجتمع الدولي الى الانظمة التي تمارس التعذيب كسياسة ثابتة ضد السجناء من مناوئيها لإصدار ادانات قضائية بحق بضعة اشخاص سنويا في محاكم محلية ام دولية، خصوصا المحكمة الجنائية الدولية. وكانت اسبانيا وبلجيكا من بين اكثر الدول انفتاحا على هذه الفكرة، اذ تسمح قوانينها بمقاضاة مرتكبي تلك الجرائم، ولكن هناك، في المقابل، ضغوطا من الدول ذات النفوذ لتغيير تلك القوانين ووقف استهداف المسؤولين الامنيين العاملين ضمن انظمة سياسية قمعية. وبدلا من حصر نشاطها باصدار البيانات والتقارير حول ما يتعرض له المعارضون من معاملة حاطة بالكرامة الانسانية، فان من الاجدر بهذه المنظمات ان تلتقي على ارضية جادة تنطلق منها مجددا لملاحقة الاشخاص الذين يثبت تورطهم سواء في شرعنة المعاملة الحاطة بالكرامة ام التعذيب، ام في ممارستها فعلا. اذا استطاعت تلك المنظمات ان تحدث اختراقا في هذا الجانب، فسوف تضعف ارادة المسؤول الامني عن القيام بتلك الممارسة. لقد اصبحت السجون (خصوصا العربية منها) تضج بالانتهاكات والتعذيب، وحان الوقت للمنظمات الحقوقية لاستهداف المعنيين بهذه الممارسة، سواء المسؤولين الذين يشرفون على تلك الممارسة ام الذين ينفذونها بايديهم. وما لم يحدث ذلك فمن الاجدر للانسانية الاعتراف بفشلها في التصدي لانتهاكات حقوق الانسان، وعدم التلويح بها كشعارات جوفاء لا تحمي الضحايا ولا تخيف مرتكبيها.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية