اضطر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مكرها امس الى قبول استقالة الدكتور رامي الحمدالله رئيس الوزراء بعد اقل من عشرين يوما من تعيينه في هذا المنصب خلفا للسيد سلام فياض الذي شغله لما يقرب من ست سنوات، بعد ان فشلت جميع الوساطات والضغوط لاثنائه عنها.
الدكتور الحمدالله قدم استقالته احتجاجا على تعيين الرئيس عباس نائبين له من المقربين منه، الاول هو الخبير الاقتصادي محمد مصطفى والثاني هو زياد ابو عمرو وزير الخارجية الاسبق، ورأى في هذا التعيين تجاوزا له، وسلبا لصلاحياته.
الازمة بالدرجة الاولى ازمة صلاحيات فالدكتور الحمدالله لا يريد ان يكون رئيسا صوريا للوزراء بل يريد ان يكون رئيسا فعليا هو صاحب الكلمة الاخيرة في وزارته.
من المفارقة ان الرئيس عباس واجه المأزق نفسه عندما جرى تعيينه من قبل الرئيس الراحل ياسر عرفات، ووجد نفسه دون صلاحيات فعلية، وان الرئيس عرفات يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ويجتمع مع الوزراء خلف ظهره، ودون التشاور معه، ويوجه اليهم تعليماته، ولهذا اضطر، اي الرئيس عباس لتقديم استقالته بعد اشهر معدودة، واعتكف في منزله احتجاجا.
التاريخ القريب يعيد نفسه، ولم يفعل الدكتور الحمدالله اكثر مما فعله الرئيس الحالي، اي الاستقالة احتجاجا، والعودة الى جامعته (النجاح) رئيسا لها حاملا لقب رئيس وزراء سابق، وربما يدخل سجل غينيس للارقام القياسية كأقصر رئيس للوزراء عمرا في منصبه.
السيد فياض استقال كرئيس للوزراء احتجاجا على تدخل الرئيس عباس في مهامه واعتراضه على اصرار الاول، اي السيد فياض، على فصل وزير المالية نبيل قسيس من منصبه.
لا نعتقد ان الرئيس عباس سيشعر بالحرج من اجراء هذه الانتكاسة، فسيجد الكثير من المستوزرين المتلهفين على هذا المنصب حتى لو كان دون اي صلاحيات حقيقية، ولن يعترضوا على تدخلات الرئيس في وزارتهم، فهناك طابور طويل من هؤلاء يقف امام مكتبه في المقاطعة سواء من داخل حركة ‘فتح’ او من خارجها، لان هذا المنصب يعني الكثير من الامتيازات المالية والشخصية.
ما يمكن ان يحرج الرئيس عباس فعليا ان الدكتور الحمدالله ليس من المغضوب عليهم من قبل حركة ‘فتح’ ولا هو متهم بانه مفروض من قبل الامريكان مثلما كان الحال في عهد السيد فياض، وانما هو رجل معروف بتواضعه ووطنيته، حتى انه اصر على رفض الحراسة الاسرائيلية له اثناء زيارته للمناطق الخاضعة لادارة الجيش الاسرائيلي وتضم المستوطنين ومستوطناتهم في بعض اجزائها، وفضل استخدام سيارته الشخصية.
الرئيس عباس يصعب عليه فيما يبدو التعاطي مع شخصيات فلسطينية مستقلة لها رأي، وتريد التمسك بصلاحيات مناصبها، ويريد دائما ان يجمع جميع الصلاحيات في يده وهذا ليس غريبا عليه، فهو رئيس فلسطين، ورئيس السلطة الوطنية، والقائد العام الاعلى للقوات الفلسطينية، ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئيس اللجنة المركزية لحركة ‘فتح’.
تركيز السلطات جميعا في شخص واحد فقط يكشف عن عقلية غير ديمقراطية، في زمن تثور فيه شعوب عربية كثيرة على حكامها بسبب تفردهم بالسلطة، ولنا في مصر وتونس واليمن وليبيا واخيرا سورية بعض الامثلة في هذا الصدد.
سيظل يحمد للدكتور الحمدالله انه علق الجرس، وقال للرئيس عباس ‘لا’ كبيرة، وفضل ان لا يكون رئيس وزراء هامشيا تجري المياه من تحت قدميه دون ان يدري، ويرى وزراءه يتجاوزونه في وضح النهار.
نسينا ان نقول اننا نطلق لقب رئيس وزراء على السيد الحمدالله ووزراء اعضاء حكومته مجازيا، فالضفة الغربية مازالت تحت الاحتلال والسلطة الفلسطينية بلا صلاحيات ولا سيادة ولا تعطي لوزرائها حق التنقل بحرية.