مطلوب نصر سياسي للدولة الصهيونية بإعادة احتلال لبنان دوليا !! هل يتحلل الشيخ حسن نصر الله من التزامات القرار 1701 الملغومة؟

حجم الخط
0

محمد عبدالحكم دياب

تتركز الجهود منذ لحظة وقف إطلاق النار، فيما أصبح يعرف بالحرب السادسة، بين الدولة الصهيونية ولبنان، تتركز هذه الجهود علي إجهاض النصر العسكري العظيم الذي أهدته المقاومة الإسلامية للشعب اللبناني وللأمة العربية وللمسلمين، ونظرائهم من المستضعفين والرازحين تحت وطأة الاحتلال أو الاستغلال أو الحروب في أماكن متفرقة من العالم، وأهم هذه الجهود هو ذلك الحشد الذي تولته الإدارة الأمريكية، لحلفائها الأوروبيين، واستكملته كونداليزا رايس برص الصف الصهيوني في المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط، سواء علي المستوي العربي، المتمثل في حكومات السعودية ومصر والأردن ولبنان والسلطة الفلسطينية، أو علي المستوي الصهيوني في تل أبيب. والهدف الأول لهؤلاء جميعا هو تحويل الهزيمة العسكرية التي منيت بها الدولة الصهيونية إلي نصر سياسي يقوم علي إجهاض انجازات المقاومة، بعد أن أثبتت التجربة العملية أن الدولة الصهيونية لا قبل لها بمحاربة مقاومة من النوع الذي قاده السيد حسن نصر الله وطبقه حزب الله، علي الرغم من القوة الهائلة للآلة العسكرية الصهيونية، ومن الطبيعة العدوانية للدولة الاستيطانية، المصممة كثكنة عسكرية جبارة، لها تعبيرات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، في صورة أحزاب وحكومة ومؤسسات، تشريعية ونقابية، ومنظمات أهلية، ومشروعات اجتماعية وصحية وتعليمية. والعمل العسكري بالنسبة لها هو أساس وجودها وبقائها واستمرارها، واهتزازه يهز هذا الأساس ويصدعه.

ومنذ وقف إطلاق النار والإدارة الأمريكية تعبئ وتحشد وتوظف ما يعرف بـ المجتمع الدولي لتنجز بالدبلوماسية والتدليس ما عجزت عنه بالحديد والنار، والسبب واضح وهو أن الإدارة الأمريكية ومعها حلفاؤها يرون أن الهزيمة حلت بهم جميعا، ونحن ندعي أن لعب كونداليزا رايس لهذا الدور والحضور إلي المنطقة من أهم مؤشرات هذه الهزيمة.. فما قامت به يمثل، في جانب منه، رد اعتبار لأنظمة وقوي، وصفتها، هي نفسها، بالاستبداد والفساد والعجز، وفي ذلك تراجع كامل وإراقة لماء الوجه، أمام أنظمة فقدت الشرعية والحياء والنخوة، ورُفضت من مواطنيها، وتناست رايس أن الأنظمة المستبدة والفاسدة والعاجزة، علي حد قولها السابق، كانت، وما زالت، عبئا عليها وعلي إدارتها، وسببا في زيادة كراهية السياسة والممارسات الأمريكية. والملفت للنظر أن البيت الأبيض غطي علي هذا الدور الجديد بخطاب سياسي ممل ومكرر، يبرر به إعادة الاحتلال المباشر للدول العربية والإسلامية، وتقف المنظومة الصهيوغربية، بقضها وقديدها، علي قلب رجل واحد لمعاقبة الشعب الفلسطيني بأكمله، لأنه مارس فعلا ديمقراطيا نظيفا ونزيها، في المقابل كوفئ بالحصار والتجويع والفتنة وتأليب الفلسطيني ضد الآخر.. ولم يسأل واحد ممن التقتهم رايس، كيف لشعب واجه ما واجه الشعب الفلسطيني ولا يختار أو ينتخب من يقاوم ويفتح أمامه بابا للأمل في العودة للأرض، واستخلاص الحق، ومواجهة الفساد.

وهذا الخطاب المكرر لم يكن إلا غطاء لـ التطهير العرقي، الذي تقوم به المنظومة الصهيوغربية علي نطاق واسع، وتشويها لحركات الرفض والمقاومة المشروعة، وزعم أن محاربتها هي محاربة للإرهاب!! وهو في حقيقته خطابا تحريضيا علي إشعال الحروب، وبث الفتن الدينية والعرقية والثقافية. ودعوة لتطبيق أيديولوجية صدام الحضارات، التي في ظلها أصبح مجرد اعتناق دين مخالف، أو الأخذ بثقافة مغايرة، أو ممارسة حياة غير مماثلة، اصبح ذلك مبررا للتفرقة والاضطهاد والتمييز والتطهير العرقي، وأضحي واضحا للعيان أن الحرب العالمية ضد الإرهاب قد وُجهت بكاملها ضد كتلة بشرية وإنسانية كبيرة، ومساحة سياسية وجغرافية عريضة، هي بحجم الوطن العربي والعالم الإسلامي.. وطن يزيد سكانه عن 300 مليون نسمة، وعالم إسلامي يقدر بثلاثة أضعاف هذا العدد، فالهوية العربية والدين والثقافة وأسلوب حياة هذه الكتلة، ومن يعيشون في هذه المساحة، المتنوع والمتباين، كل هذا دُمغ باعتباره خطراً داهماً، علي العالم.. العبادات والشعائر والعادات والتقاليد والزي وطرائق الحياة، تحولت إلي مادة للتمييز والاحتقار والسخرية والتندر والتشويه. بسببها تتم الملاحقات وعمليات الاضطهاد وأبشع أنواع التعذيب، والترخيص بالقتل علي الهوية، ومهما أنجزت حضارة، وتزخرفت وأبدعت، ووصلت إلي هذا المستوي المتطور من الرفاهية، فإنها تتدني كثيرا في سلوكها الإنساني والأخلاقي، ويدينها ما تقوم به المنظومة الصهيو غربية من أفعال مشينة. فأي خير ونفع تقدمه هذه الحضارة بيد التقدم، تأتي يد الشر والكراهية لتأخذه وتوظفه في أكثر المجالات توحشا وبدائية، ونظرة سريعة علي العالم، من أقصاه إلي أقصاه، تؤكد ما نقول، فالزخرف والتقدم والإبداع أسال الدماء أنهارا، وأشعل السماء نارا، تشوي الأجساد وتحرق الأبدان، ويجد ضالته في أجهزة صحافة وإعلام عنصرية، استمرأت الكذب والتدليس.. تنشر وتبث كل ما يحض علي الكراهية.. تصريحات مسؤولين سياسيين وغير سياسيين، ومواعظ شيطانية لرجال دين وغير رجال دين، وعليه يتبين لنا أن ما يجري ليس عفوا، وأن ما قامت به رايس، جزء من مخطط شيطاني شديد البأس.

لم يكن المواطن العربي أو المراقب المنصف في حاجة إلي جهود السيدة رايس ليكتشف التوظيف الخبيث لـ الشرعية الدولية.. فهو يتابع قادة المنظومة الصهيو غربية وهم يمنحون قوات الأمم المتحدة، في جنوب لبنان، صلاحيات وسلطات، لم ينص عليها قرار مجلس الأمن 1701، مثل حق استخدام القوة في غير مجال الدفاع عن النفس، ومثل التصرف بناء علي معلومات خاصة!! إذا لم يلب الجيش اللبناني ما يطلب منه، والتصدي لـ قوي معادية، ليست الدولة الصهيونية!! ، إذا ما ظهرت في الجنوب، هذا بعض ما جاء في بيان صادر عن القوات الدولية، ومنه نستشف أنها أعطت لنفسها حقوقا ليست لها، لم يأت بها نص ولا صدر بها قرار.. وهذا كشف نوايا خفية لنزع سلاح المقاومة وتصفيتها، ووضع أبناء الجنوب، وكل لبناني مؤيد للمقاومة، ضمن تصنيف القوي المعادية، يتم التعامل معه بالسلاح، مثلها مثل الجيش الصهيوني في فلسطين، وقوات الاحتلال في العراق، وجاءت الترجمة العملية في وصول بوارج وقطع بحرية أوربية، ألمانية تحديدا!! ، إلي المياه الإقليمية اللبنانية، ومن المعروف أن المياه الإقليمية جزء من التراب الوطني، ومسؤولية الدفاع عنها مسؤولية الجيش الوطني، والمياه الاقليمية اللبنانية استبيحت باسم الشرعية الدولية.. وأي قوات موجودة علي أرض دولة، ذات سيادة، تقع خارج نطاق سيادة هذه الدولة، يعني أنها قوات احتلال معادية، تعطي الحق للمقاومة في الاشتباك معها.

وكشف السفير الألماني الجديد في حوار له مع صحيفة النهار، في بداية هذا الشهر، (نقلا عن مقال لجوزيف سماحة في صحيفة الأخبار اللبنانية 5/ 01/ 60)، كشف عن نوايا مقلقة، عندما تحدث عن الحصول علي كل الضمانات التي كانت تحتاج إليها ألمانيا، ونسب إلي مجلس الأمن ما لم يرد في القرار 1701، بأنه يطلب قوات بحرية تلحق بقوات الأمم المتحدة، وهي ضمانات بدت شبيهة بالتي حصلت عليها القوات الفرنسية، وجعلت الرئيس شيراك يوافق علي المشاركة. والواضح من كلام السفير الألماني أننا أمام هجمة جديدة، تقودها الولايات المتحدة، بتعاون ومشاركة أوربية كاملة، تحقق الأمان والحماية للدولة الصهيونية، وتعيد العالم إلي عصر الاحتلال المباشر، وتجعل من الأمم المتحدة منظمة شبيهة بـ عصبة الأمم، بعد الحرب العالمية الأولي، عندما خيبت الآمال التي تعلقت بها، فشرعنت للاحتلال والاغتصاب والاستيطان، وفرضت كل أنواع الانتداب والوصاية والحماية علي الدول المحتلة والضعيفة. وفي ظلها وقع الانتداب علي فلسطين، وهو ما مهد لتسليمها لليهود، وقصرت مهمتها علي توزيع التركة العثمانية، وخذلان العرب، لم تحقق آمال مصر التي علقتها علي مبادئ ويلسون، في طلب الجلاء والدستور، أما عرب المشرق الذين راهنوا علي الهاشميين، لم يقبضوا منها إلا الريح، ونفي كبير الهاشميين، الشريف حسين، إلي استنبول، وضياع ملكه في الحجاز، وتنصيب ابن سعود، حامي المصالح الأمريكية الصاعدة محله، وكان ذلك ثمن خدمة الانجليز والعمل معهم!!. وعلينا ألا نهمل الامتداد اللبناني للمنظومة الصهيو غربية، ممثلا في تيار المستقبل المعروف بتيار 14 آذار، وهو يوجه أنظاره إلي قوس المقاومة، ويتخذ موقف العداء الحاد من حزب الله وسوريا وحماس وإيران.. هم، في نظره، أخطر علي لبنان من الولايات المتحدة والدولة الصهيونية، وبهذا الموقف استقطب دعما أمريكيا وعونا صهيونيا وعربيا (حكوميا) واسعا، ويتصور هذا التيار أن إعادة احتلال لبنان دوليا، ينتقم له من حزب الله، ويأخذ بثأره من سوريا، ويبعد عنه إيران.. وهم يقرون بتجاوز القرار 1701، باتفاقات وبيانات، خارج سياقه، ولا يمانعون من تحويل قوات الأمم المتحدة إلي رديف للقوات الصهيونية. وإذا كانت الشرعية الدولية في حقيقتها شرعية صهيونية فقد أنيط بها أن تلعب دورا سرطانيا خبيثا يستوجب الاحتراز وإعادة النظر في موقف المقاومة وقوي إسنادها ومؤيديها وأنصارها. والرد علي سؤال عن مدي وجوب الالتزام بقرارات دولية غير منصفة ومنحازة، ونذرت نفسها للقيام بكل ما هو ضار بالعرب والمسلمين، وإن أمكن إبادتهم، كما يباد الشعب العراقي الشقيق، الذي فقد ما يقرب من سبعمئة ألف من أبنائه منذ بداية الغزو، وصار وجوده السياسي والجغرافي والبشري مهددا، بفعل الفيدرالية والتقسيم والتطهير العرقي والطائفي والتهجير الترنسفير، وإذا ما استمر هذا المعدل، فخلال ربع قرن يكون العراق قد اختفي وطنا وبشرا، من خريطة العالم، كما اختفت فلسطين، ولن يكون لبنان استثناء. ليس هناك ما يجبر أي حركة مقاومة علي الالتزام بقرارات همها الأول والأخير هو وضع البرامج العملية والخطط التنفيذية لتصفيتها، والشيخ حسن نصر الله هو نفسه الذي قال، في أول خطاب له بعد اندلاع المعارك، في 14/7: ولن أقول كلمة للمجتمع الدولي لأنني لم أؤمن يوما من الأيام، كما كثيرون من أمتنا، أن هناك شيئا اسمه مجتمع دولي فهل يجدها فرصة للتحلل من عبء قرار ملغوم ومسموم، يحمل الرقم 1701، خاصة أن المتواطئين من الصهاينة العرب وجدوه فيه فرصة أعادت الإدارة الأمريكية إليهم.. ردت لهم اعتبارا غير موجود، وساوموها علي ثمن لن يكون أكثر من وعد بحماية مقاعدهم وعروشهم ضد غضبة شعبهم، والتاريخ والتجربة الإنسانية تقول أن هذا ليس في مقدور أحد، حتي لو كان بحجم الإدارة الأمريكية، ببطشها وتجبرها ووحشيتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية