جمع فيها بين حياته الشخصية وفانتازيا الواقعمحمد الظاهر’انها عمل رائع. فهي واحدة من القصص التي لا تنسى والتي تبقى معك لسنوات وسنوات. كل الثيمات العظيمة في الادب والحياة تدخل في نسيج هذه الرواية الاستثنائية: الحب والوفاء الشعور بالذنب والخوف والخلاص. انها من القوة لدرجة ان اي عمل قرأته بعدها بدا لي باهتا ورتيبا’. بهذه الكلمات استقبلت الكاتبة التشيلية ازابيل اليندي رواية ‘مطير الطائرة الورقية’ للكاتب الافغاني خالد حسيني، والتي تحولت الى فيلم لاقى نجاحا كبيرا، وهي من الاعمال الروائية الهامة التي ترصد ملامح الحياة الافغانية المعاصرة. في هذه الرواية انجز خالد حسيني ما لا يمكن ان ينجزه الا القليل من الروائيين المعاصرين، فقد استطاع هذا الكاتب ان يقدم لنا صورة متكاملة عن الاضطراب السياسي الذي تعيشه بلاده من خلال شخصيات قادرة على التعبير عن عواطفها بطريقة تترك صدى عميقا لدى قرائها حتى بعد ان يقلبوا الصفحة الاخيرة من صفحات هذه الرواية.’مطير الطائرة الورقية’ تتبع قصة ‘أمير’ ابن احد رجال الاعمال الاثرياء في كابول، و’حسن’ ابن خادم ابي امير. بالنسبة لأيام الاستقرار التي شهدتها افغانستان في السبعينات من القرن العشرين فان هذين الطفلين يبدوان غير منفصلين، فهما يقضيان ايامهما الشاعرية وهما يطيران الطائرات الورقية، ورواية القصص عن الأماكن الغامضة والمحاربين الشجعان الى ان جاءت الاحداث التي غيرت طبيعة علاقتهما الى الابد، وربط عاداتهما بطريقة لم يتوقعها اي من الصبيين.
تنبئنا الرواية انه حتى بعد ان تمكن ‘امير’ من الفرار مع والده الى الولايات المتحدة الامريكية، لم يستطع هذا الصبي ان يتخلص من شبح اعمال الجبن والخيانة. مما ادى الى عودته مرة اخرى البلد الذي مزقته الحرب تحت حكم طالبان.
يقول ‘أمير’ في الرواية:’لست ادري فيما اذا كان ذلك برعما للتسامح، لا ينبت في الاحتفالات والاعياد بل في جمع الالم لاشيائه وامتعته ويهدرها فجأة في منتصف الليل’. صحيح ان بعض حركات الحدث في الرواية تبدو غير قابلة للتصديق، ولكن خالد حسيني استطاع ان يبدع لنا شخصيات تبدو حقيقية تماما مما يجعل المرء ينسى ان ‘مطير الطائرة الورقية رواية وليس مذكرات. ففي الوقت الذي كانت فيه افغانستان متعطشة الى الضمير الجمعي الامريكي، كان الناس ينظرون بقلق الى ما يجري في معركة قندوز، وفي الرواية يعرض علينا خالد حسيني تصوره الصادق والدقيق، بالرغم من تراجيديته في بعض الاحيان، وسخريته في ايحان اخرى، كي يقدم لنا مشهدا أمينا لتلك الارض الساحرة. وهذا هو الذي دعا غيسيل توغ للكتابة على غلافها الخارجي: ‘ربما يكون الخلل الوحيد في هذه الرواية، انها تنتهي بسرعة كبيرة’. هذه الرواية المذهلة لخالد حسيني تعتبر رصدا لتجرية المهاجرين الافغان الى امريكا في اواخر القن العشرين، وتعبير عن التناقض الرهيب بين الحس بالخلاص والحس بالخيانة اللذين تعاني منهما شخصيات الرواية في هذا المجتمع الجديد. الراوي في هذه الرواية هو الكاتب ذاته، وهو يعود الى افغانستان بعد ان يعرف ان والدي صديق طفولته قد قتلا على يد حركة طالبان بعد استيلائها على السلطة في منتصف التسعينات. فهذا الصبي أمير الذي هاجر مع والده التاجر الثري الى امريكا، ويتزوج هناك، ثم ينتقل الى كاليفورنيا، ويصبح روائيا ناجحا، يظل متعلقا باحداث طفولته، ويظل مخلصا لصديق طفولته زهراب الذي يتعرض للاذى في بلاده. وحين يصل الى كابول بعد رحلة شاقة وطويلة، يعرف ان صديق طفولته قد اصبح عبدا لأحد مسؤولي طالبان البارزين وعليه ان يدفع الثمن من اجل استعادة حرية ذلك الصديق.
هذه الحبكة المبدعة هي التي تجعل من الكتاب كتاب مذكرات فريد من نوعه، وتجعل منه في الوقت ذاته حكاية سياسية تاريخية تمس القلوب.
يقول خالد حسيني عن هذه الرواية:’الخط الروائي في هذه القصة هو خط خيالي، فالشخصيات الرئيسية مخترعة، والحبكة متخيلة. ربما يكون هناك بعض عناصر السيرة الذاتية في نسيج هذه الرواية، وهي من نسج الراوي ذاته، ولكن هذا لا ينفي ما اشرت اليه سابقا. انا لا انكر ان هناك بعض المقاطع التي يمكن ان تكون شبيهة بحياتي الخاصة في الولايات المتحدة الامريكية، فأمير وأبوه جاءا الى الولايات المتحدة الامريكية من اجل ات يبنيا حياة جديدة لهما، وانا ايضا جئت الى تكل البلاد كمهاجر، ولا ارى غضاضة في استعادة ذكريات السنوات الاولى لي في كاليفورنيا.
بقي ان نشير الى ان خالد حسيني ولد في افغانستان عام 1965، وهو اكبر خمسة ابناء لعائلته الثرية. عملت والدته معلمة للغة والتاريخ في المدرسة الثانوية للبنات في كابول حتى عام 1976، ثم انتقلت عائلته الى العاصمة الفرنسية باريس، حيث شغل والده منصبا دبلوماسيا في السفارة الافغانية هناك، ولكن بعد الانقلاب الشيوعي في افغانستان، طلب والده حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة، وانتقلت الاسرة الى سان خوسيه بكاليفورنيا، ودرس في جامعة سان دييغو. وهذه الرواية هي اول رواية له.