مظاهرة حزينة

حجم الخط
0

ونمشي في شارع جانبي نتبع الظلمة. سيتساءل من هم في الصفوف الأمامية إن كان الشارع مفتوحا أو يفضي إلى مكان ما ولو إلى احدى الخرافات. نمشي بلا شعارات، بلا شيء في اليد ولسنا مستعدين ولو لرد الكلاب المطمئنة لحين في هذه الظلمة. نمشي وكفى، لسنا خائفين مع ذلك فالخطورة أصابتنا واكتفينا.
نمشي بلا هتافات، فبقايا الحناجر غير قادرة على انتاج أخف الحروف. كنّا فكرنا في ربط الشفتين الى بعضيهما البعض لكن قد نكون طمعنا في قبلة خاطفة، هكذا نحن في الظلمة نخال الجنس ضوءا والقبلة شرارة أولى!
نمشي بلا أعلام وكأننا لا ننتمي لأي وطن يذكر، كنا نفوح برائحة تربة ماطرة كأننا نريد محو التقسيم العالمي الأحمق أو كأن الله يلهمنا اسطورته الكبرى.
نمشي وكل ما يدلنا على أننا مظاهرة حاشدة هي رائحة تبغ بعضهم الجارحة لرائحة عطر بعضهن. المظاهرة فارغة في شارع لا يعرفه رؤساء الأحزاب ولا حتى الرئيس الذي هام طويلا مع الأشباح. يكفي أن نمشي وفي الظلام الرحيم ترقد وجوه الشرطة الأليمة.
نمشي لا نفرّق بين جسد وآخر. لا بيان، لا أهداف، لا مسار، لا تكتيك. لسنا بصدد التدرب على ثورة ما، أو هياج ما، قد نكون أقرب إلى المشي من أجل تعلّم الخطو. أصيبت أجسادنا بزهايمرها، قد نكون لهذا اندسسنا في الظلمة وفي شارع بعيد عن الرسميّات والرئيسيات فلا نريد لخطواتنا أن تتحزب ولا نريد للرئيس المتفرّغ للكتابة وصوغ الكآبة أن يوردنا في كتابه المقبل.
نمشي ولا نذكر إن كنا أحيانا نرفع البصر للبحث عن أفق أو للتأكد من أن السماء بمكانها. لا نذكر شيئا في الحقيقة. نمشي بأسئلة عديدة. لم نكن نسأل رغم ذلك لأننا متأكدون بأن كل الماشين في هذه الظلمة على هذا الشارع أسئلة!
نمشي ولا نعتبر أن الذين هم في المقدمة قادة ولا اللذين في المؤخرة أتباع ولا الذين بينهما طبقة وسطى…في الظلمة يستوى المشاة وفي شارع يقع برّ المكان والزمان لا يمكن إلا أن نفوح بالأرض أو بالكون إن شئنا.
الله فينا، تارة يمشي وطورا يحلّق من قلب إلى آخر ويحطّ نهائيا في قلبه الخاصّ.
الشيطان فينا تارة يصمت وطورا يزغرد كامرأة منتشية. ونمشي.
لسنا على علم بما يحدث ساعتها ولو في أقرب سوق ولاب ما تنقله القنوات التلفزيونية التي لم تتدرّب يوما على نقل المشية الفارغة فقط لأن لم يكن تلفزيوننا من أنصار الحزن أو الصمت يوما..هو مصنوع للصخب وللركض وتكسير الأواني الجميلة والبلور الهشّ خاصة إذا ما كسر على ذهب اليهود.
لا صحفي واحد قادر على مشي مشيتنا، الصحفيّ للشوارع الرئيسية كما جرت العادة، وسيتعلل بأنه لا يكتب تحت جناح الظلام!
لا كاتب واحد يندس بيننا، فقد تراجعت طرق اصطياد السرد والوصف وقد خيّل لجميع الكتّاب أن جون جاك روسّو لم يترك شأنا واحدا يمكن كتابته عن المشي.
لا سياسي ولو من الهواة، لا رياضي، لا عالم دنيا أو عالم آخرة بيننا، نحن نمشي صافين بلا صفة وبلا موصوف …نمشي على أرض كلّما يعرّفها أنها أرض تقعد في الظلمة ولغياب قي صفّ النجوم كنّا أحيانا نشكّ بالسماء. السماء توجد في العقول طبعا!
نمشي بلا نقّاد وبلا محللين، ولذلك كنا أحيانا نرتطم بخطوة بعضنا دون اعتذار ودون حسابات، نمشي ولا حتّى نتذكّر أوزان الخليل، فيمكن أن نولى ظهورنا للأمام ونمشي عكسيا، قد نقلّد سرطانات البحر، قد نقفز كما تقفز الفكرة، قد نفكّر في مشاهد الصيد المحفورة في كهوف البدء، قد نتصور أن ثعابين تتحرّك في الظلمة، ملائكة، مخلوقات سلفادور دالي إلخ..لا حدود للخيال في غياب النقد والمحللين أشباه الببغاوات الهندية المزيّنة!
نمشي بلا آباء ولا أمهات. الأرجح أننا نمشي كما لم يمش إنسان قبلنا. نحن نحوّل الشارع المظلم إلى كوكب وها إننا نقترف خطواتنا الأولى فيه، خطواتنا المجانية التي لن تصل!
لم يقدح شرارة مشيتنا أحد. لم تؤطرنا نقابة واحدة. لم تساندنا أجندة خارجية واحدة. أ لذلك نحن نفوح بالأرض وبالكون إن شئنا؟.
لم يحترق فينا أحد (الله أعلم بالقلوب وبالعقول والأكباد). لم نهدد بشن اضراب وحشي ولا حتى أليف، نحن نمشي متثاقلين ولا نعلم أيّ أغنية يردد كل ماش فينا إن وجدت. نمشي ولا بيت شعري واحد يقودنا، لا نريد الحياة، الحياة ملائكة تعمل في أحد المصانع الميتافيزيقيّة، الأمر أبسط من ذلك بكثير. نحن نريد أن نمشي، لا أكثر..نمشي مندسين في الظلمة تماما كما الأسرار.
نمشي ونخال الثورات تولد سرّا كبنت خارج الأطر. نخال الشوارع المضيئة حليفة للأنظمة. الضوء شرطي بلباس شفّاف. نمشي في الهامش مع الهامش يقودنا الهامش العظيم، صاحب اللاخطط.
نمشي وبخفّة القطن لقناعتنا أن للأرض وللشوارع الجانبية أحلامها وأوهامها. نمشي عالمين بأن ‘المعجزة ليس في مشينا على الماء أو فوق الغيوم’، المعجزة أننا مازلنا نمشي فوق الأرض!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية