“معاداة السامية”: بين المفهوم وحقائق التاريخ

مع تنامي الأزمة الأخيرة في حزب العمال البريطاني التي أدت إلى استقالة تسعة برلمانيين عماليين من حزبهم، تعود موجة ما يعرف بـ”معاداة السامية” مرة أخرى إلى واجهة الأخبار في بريطانيا. فقد انشق سبعة برلمانيين عن حزبهم 18 شباط/فبراير الجاري، وفي تصريح لهم بعدما باتوا يعرفون بـ “المجموعة المستقلة” في البرلمان، تحدثوا إلى وسائل الإعلام وبينوا إن أسباب مغادرتهم الحزب: “تضمنت قضايا تتعلق بمعالجة حزب العمال لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومعاداة السامية والمعتقدات السياسية للقيادة”.

وعلق جيرمي كوربن زعيم حزب العمال في بيان رسمي رد فيه قائلا: “خاب أملي، لأن هؤلاء النواب شعروا بأننا غير قادرين على مواصلة العمل معا من أجل سياسات حزب العمال التي ألهمت الملايين في آخر انتخابات”. ويواجه كوربن، المدافع القديم عن السلام، اتهامات من بعض النواب بالإخفاق في معالجة معاداة السامية في حزبه، وهو اتهام خطير لازم كوربن المؤيد لحقوق الفلسطينيين منذ أصبح زعيما للحزب عام 2015.

في المصطلح

وإذا أردنا فهم مصطلح ملتبس وخطير مثل “معاداة السامية” لابد من اللجوء إلى تفكيك علمي قائم على معطيات تاريخية رصينة ليتسنى لنا فهم ما يدور من ألاعيب سياسية في هذا المضمار. ولذلك وجب أن نفهم في البدء ما المقصود بالسامية، وما هو جذر المصطلح، وهل له دلالة علمية في علوم الآثار والانثروبولوجيا وتاريخ الأديان المقارن؟

تمثل السامية والساميون مصطلحا حديثا لا وجود تاريخيا ملموسا له، فلم تتسم به جماعات بشرية، ولم تنشأ تحت هذا المسمى حضارات، ولا توجد مدن بهذا الاسم ينتسب لها من أطلق عليهم هذا المسمى. فالاستعمال الأول حسب ما يذكره الدكتور حسن ظاظا في كتابه المهم “السامية والساميون” ظهر عام 1781 عندما اقترحه اللغوي الألماني شلوتزر واصفا الشعوب التي نشأت في غرب آسيا ومنطقة الشرق الأوسط حضارات ترتبط لغويا وتاريخيا، كما ترتبط إلى حد ما من حيث الأنساب أو الأعراق، أي التقارب الاثني بين سكان هذه المنطقة المتحدرين من أصول متقاربة.

ولا أحد يعلم سبب اختيار عالم اللسانيات الألماني هذا المصطلح مستندا لمعطيات توراتية محضة، إذ أعتمد على ما ورد في العهد القديم من الكتاب المقدس في الاصحاح العاشر من سفر التكوين، الآيات من 21 إلى 31 التي ورد فيها تفصيل نسل سام بن نوح. وبالتالي لا إشارة انثروبولوجية أو آثارية تشير إلى وجود شيء تاريخي اسمه “ساميون”. وحسب شلوتزر مجترح المصطلح نفسه، إن هذه التسمية ما هي إلا محض تقسيم موضوع لتسهيل فهم الفروقات اللغوية بين المجموعات البشرية. كما يذكر الأب هنري فليش في كتابه فقه اللغات السامية: “ينبغي ألا نفهم من استعمال مصطلح (سامي) أي شيء أكثر من اصطلاح المقصود به تيسير الأمر على الباحثين، دون ان نعتقد أن له دلالة عنصرية أو اثنية”.

كما يتسائل عالم الانثروبولوجيا السويسري بيتار في كتابه “تاريخ الأعراق” عن مدى علمية أو دقة ادعاء البعض الانتماء إلى أعراق نقية عبر تاريخها الطويل، ويبين في معرض إشاراته إلى اليهود الذين يراهم جميعا بعيدين كل البعد عن الانتماء إلى ما يسمى جنس يهودي ويزيد ذلك إيضاحا عندما يقول: “إنهم ينتمون إلى طائفة دينية واجتماعية اندمج فيها على طول الأجيال المتعاقبة أشخاص ينحدرون من سلالات متنوعة، وهي طائفة قوية ومتماسكة بدون شك، ولكن العناصر المكونة لها مختلفة”.

مفارقة تاريخية

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت موجة معادية لليهود اجتاحت أوروبا وذكرت بموجات سابقة مثل الموجة التي حدثت مع سقوط الأندلس بيد الاسبان الذين طردوا المسلمين واليهود من آخر إمارة عربية في قرطبة عام 1492 والمذابح التي حدثت عام 1660 في بولندا وأوكرانيا. والمفارقة التاريخية إن الدولة العثمانية المسلمة كانت دائما الملاذ الآمن لموجات النزوح اليهودية الهاربة من تعسف وكراهية الغرب المسيحي في تلك الحقب، ودائما يتذكر المؤرخون المقولة المنسوبة للسلطان العثماني بايزيد الثاني الذي قال‏: “سذاجة الملوك الاسبان تتمثل في طرد أفضل رعاياهم وتركهم لأعدائهم اللدودين‎”‎ عندما استقبل عشرات الآلاف من يهود الأندلس الهاربين من محرقة محاكم التفتيش الاسبانية والذين تم توطينهم في مدن سلانيك وإسطنبول وإزمير في قلب الدولة العثمانية.

لقد ظهر مصطلح “معاداة السامية” على أساس التمييز بين ‏عرقين، الآري والسامي، ونسبة صفات معينة متميزة لهذين الجنسين، وانتشر هذا ‏الاعتقاد في بداية الأمر في ألمانيا حيث أدى النشاط اليهودي في كل مجالات الحياة إلى إثارة كراهية الألمان ‏وحقدهم على اليهود. وكان الصحافي وليم مار أول من استخدم مصطلح “معاداة السامية” عام 1879 في الإشارة إلى حركة ‏كراهية اليهود التي عكستها الكتابات الصحافية في ألمانيا والتي وجدت دفعة قوية على يد ‏المستشار الألماني بسمارك. ‏

ونتيجة تداعيات موجة كراهية اليهود تم إنشاء جمعية “معاداة السامية” في ألمانيا التي تمكنت من جمع 255 ألف توقيع يطالب بطرد ‏اليهود، وقامت مظاهرات عدة في بعض مقاطعات بروسيا مؤيدة لهذا الاتجاه، وقد أعيدت إلى الأذهان بعض الاحقاد الدينية الموجهة ضد سلوكيات يهودية دينية مثل تهمة القتل الطقوسي التي يتهم اليهود بممارستها في عيد الفصح فيما يعرف بـ “الفطير المقدس” الذي يجب ان يعجن بدم طفل مسيحي يتم اختطافه في الأحياء المغلقة أو الغيتوات التي يعيش فيها اليهود الألمان في عزلة ورفض اجتماعي من محيطهم.

وقد حصل حزب “معادة السامية” الألماني على 15 مقعدا عام 1893 في الرايخ الثاني إبان عهد المستشار الحديدي بسمارك، ومن ثم انتقلت حركة اضطهاد اليهود التي باتت تعرف إعلاميا بـ “معاداة ‏السامية” من ألمانيا إلى بقية البلاد الأوروبية وتجددت في روسيا عام 1881 وتم تكوين جماعة ‏معادية لليهود في النمسا عام 1895 وتكونت إدارات صريحة معادية لليهود في فيينا، كما ‏وصلت الظاهرة إلى فرنسا التي توجت بحادثة مقتل الضابط درايفوس بأحداثها المهمة خلال الفترة ‏من 1894 – 1899.

يشير الدكتور محمد خليفة حسن إلى ان دائرة المعارف اليهودية تذكر في تعريف مصطلح “معاداة السامية” بأنه مصطلح مستخدم منذ نهاية القرن ‏التاسع عشر للإشارة إلى أي حركة منظمة ضد اليهود أو أي شكل آخر من أشكال العداء لليهود. ويعني المصطلح كراهية اليهود بشكل عام، وهو عداء موجه إلى أشخاص يدينون باليهودية أو يعودون ‏إلى أصول يهودية، ولذلك فـ “معاداة السامية” مختلفة عن التعصب ضد اليهود في العصر الوسيط لأن هذا التعصب ‏ديني وكان من الممكن أن ينتهي بدخول اليهود في المسيحية‎.‎

وهنا يجب التوقف عند مجموعة من المفاهيم التي يتم التلاعب بها، إذ يسعى الصهاينة اليوم في إسرائيل أو خارجها إلى خلط متعمد للمفاهيم، إذ يقودن الحملات على كل من ينتقد النهج العنصري للحركة الصهيونية، او الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني أو السياسات العنصرية التي تنتهجها دولة إسرائيل، إذ يتم وضع كل ذلك في خانة (اليهود) واعتبار أي انتقاد تصرفا عنصريا يندرج تحت لافتة كبيرة هي “معاداة السامية” التي بات اليهود يحتكرونها حصريا، إذ أصبح معنى “السامية” اليوم في الأدبيات السياسية يعني اليهودية وانزياحاتها الصهيونية والإسرائيلية.

وربما لم يلتفت الباحثون إلى ان المستفيد الأكبر من حملات كراهية اليهود التي بات يطلق عليها “معاداة السامية” هم الصهاينة في المقام الأول، وهذا ما دعى له الأب الروحي للحركة الصهيونية العالمية تيودور هرتزل بكل وضوح، إذ بين بما لا يقبل اللبس في مؤتمر بازل في سوسيرا عام 1897 ذلك بقوله: “إن القوى الكبرى يجب أن تعمل من جانبها على مساعدة اليهود على التخلص من ‏العداء للسامية عن طريق إنشاء دولة يتم تهجير اليهود إليها فيتحقق لهذه الدول الخلاص من العنصر ‏اليهودي، وتنتهي بذلك ظاهرة معاداة السامية”‎.‎‏ وهكذا يجعل هرتزل معاداة السامية مشكلة العالم الغربي ‏وليست فقط مشكلة خاصة باليهود.

وربما كان خافيا على الكثيرين رأي هرتزل في هذا الأمر، فقد راسل ملوك ورؤساء العالم مطلع القرن العشرين وحاول اقناعهم بأن العنصر اليهودي في أي مجتمع من المجتمعات يمثل عنصرا مثيرا للاضطراب ‏والتمرد داخل المجتمعات الأوروبية، وهذا أمر يتعلق بطبيعة اليهودي، فهو بطبيعته لا يستطيع الحياة مع ‏الشعوب الأخرى، وإن عاش فلكي يكون عنصرا مدمرا لقوة هذه الشعوب ومحرضا على الثورة وقلب ‏الأوضاع، ونرى هنا ان هرتزل وكانه يحرض من طرفه على تأجيج “معاداة السامية” التي ستسفر بالنتيجة إلى هجرة الجاليات اليهودية إلى الوطن القومي المزمع انشاؤه لهم.

أما فيما يخص بريطانيا وما شهدته من موجات سياسية كان محركها الاتهامات بـ”معاداة السامية” فان الأمر كان يتراوح بين مد وجزر حسب المعطيات السياسية والتوترات الاقتصادية التي يمر بها المجتمع البريطاني، وعندما اثيرت وتثار موجات التهديدات بوجه زعيم حزب العمال جيرمي كوربن المتهم بانه لا يتخذ الإجراءات الحاسمة بوجه “معاداة السامية” المنتشرة في حزبه، نتذكر الأحداث التي حصلت منذ تزعمه الحزب، أذ شهد عام 2016 مجموعة أحداث بهذا الخصوص عندما علق حزب العمال البريطاني عضوية عمدة لندن السابق، كين ليفينغستون، بعد سلسلة تعليقات عن ‏إسرائيل، منها أن هتلر، الزعيم الألماني الشهير، كان مؤيدا للصهيونية قبل الهولوكوست، ‎وجاء هذا ‏القرار بعد تعليق الحزب عضوية نائبته في البرلمان عن برادفورد، ناز شاه أيضا، بعد الكشف عن تعليق ‏سابق لها يدعو إلى “نقل دولة إسرائيل إلى الولايات المتحدة‎” كما تعرضت رئيسة اتحاد ‏الطلاب الوطني، ماليا بوعطية، لانتقادات شديدة بسبب تعليقاتها عن الصهاينة‎.‎ كما علق حزب العمال عضوية كاظم حسين، العمدة العمالي السابق لمدينة برادفورد، وذلك بعد مشاركة ‏تعليقات على صفحته الخاصة على فيسبوك أشارت إلى “الستة ملايين صهيوني الذين قتلهم هتلر‎.”‎ وكان رأي كل الذين وقع عليهم القمع باسم مناهضة “معاداة السامية” يكاد يكون موحدا وهو: “إن توزيع اتهامات معاداة السامية تهدف لإسكات الأصوات التي تنتقد الحكومة ‏الإسرائيلية أو لتحقيق أغراض سياسية أخرى‎”‎.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية