د. خليفة قرطي
يبدو أن الأزمات العربية آخذة في التنامي والتعدد والتنوع، إذ لم يعد الحديث مع مطلع العام الجديد، يقتصر على القضية الفلسطينية، كما كان ذلك سائدا منذ عقود، فقد انضافت إليها أزمات عربية أخرى بعضها جديد كما هو الأمر في تونس، وبعضها الآخر قديم متجدد، كما هو الأمر في لبنان هذه الأيام. ولا تتخذ هذه الأزمات طابعا واحدا، وإنما هي تتنوع ما بين السياسية والاجتماعية والطائفية والعرقيـــة والأمنية. ولا يبدو أن هذه آخر الأزمات، بل يخيل إلي أنها بداية سلسلة لن تنتهي من الأزمات، ستطال البلدان العربية كلها، مادامت المعطيات الحالية الداخلية والخارجية، هي ثابتة من دون أن يلوح في الأفق مؤشر للتغيير.
وتشكل الأزمات العربية حالة استثنائية في الأزمات الدولية، بسبب تداخل العاملين الداخلي والخارجي فيها، فهي ليست أزمات داخلية بحتة ناشئة عن اختلافات طبيعية بين الأفرقاء، ولكنها أيضا أزمات تصنعها آلات صناعة الأزمات في مراكز القرار والتخطيط، في بعض الدول التي تبحث باستمرار عن تفوقها الاستراتيجي في المنطقة، والتي يعنيها من هذا التفوق هو الاستمرار في نهب الثروات والإبقاء على حالة التخلف العربي والتفوق الإسرائيلي، بالحرب والتدمير أولا، أو بأدوات السياسة القديمة والجديدة، إن وجدت الحرب مكلفة لأرواح جنودها ووجودها في المنطقة.
ويلعب العامل الخارجي دورا مهما ومؤثرا في توجيه الأزمات العربية، الحقيقية والمفتعلة، على حد سواء، فقلما نجحت العوامل الداخلية في احتواء أزمة عربية، ولكن ثمة بعض حالات النجاح نادرا ما يثمنها العرب أو يتخذونها نموذجا يمكن الاستفادة منه، وأنا أعني هنا تحديدا الحالة الجزائرية والحالة التونسية، التي نأمل أن تنتهي إلى حل داخلي بين التونسيين، مهما كانت قسوة الموقف ومرارته، كما انتهت إلى ذلك الحالة الجزائرية في نهاية القرن الماضي.
لقد عاش الجزائريون طوال عقد التسعينيات جحيما بسبب الاقتتال الداخلي الذي أودى بحياة أكثر من مائة ألف جزائري من مواطنين أبرياء واطراف متصارعة على السلطة، ولم تحظ الحالة الجزائرية آنذاك باهتمام ما يعرف بالمجتمع الدولي، لم يجتمع مجلس الأمن، لم يقرر اتخاذ عقوبات ضد هذا الطرف أو ذاك، لم يهدد بإرسال قوات حفظ السلام، ولم يعبر عن(انشغاله وقلقه العميقين) حول ما كان يجري في الجزائر، كما هو أضعف إيمانه، عندما يتعلق الأمر بشعوب غير مهمة في الإستراتيجية الأمريكية. ولم يزر مسؤول أمريكي الجزائر في سنوات الدم والنار، كما يفعلون، وتحت جنح الظلام، في بغداد وكابل.
واستسلم الجزائريون لقدرهم واستمروا يقتل بعضهم بعضا إلى أن سئموا وعلموا أن لا غالب أو مغلوب في تلك الحرب الطاحنة، فتهاتف الطرفان المتقاتلان على وضع حد لسنوات ضاعت من عمر الجزائريين دولة وشعبا، وتوصلا إلى الحل والوئام فيما بينهما، ولم يكونا بحاجة إلى طرف أجنبي ليحققا ذلك، وعلى الرغم من مرارة التجربة وتداعياتها على الجزائريين التي لا تزال قائمة إلى اليوم، فإن ما يواسي المرء فيها أن حل الأزمة الجزائرية كان جزائريا، وطالما كانت ترفض الحلول الأجنبية، حتى لو جاءت من أصدقاء أو أشقاء.
وإنني أرى الأزمة التونسية هذه الأيام تتجه نحو النموذج الجزائري، فإلى اليوم لا يزال العامل الأجنبي بعيدا، وأسأل الله ألا يرتفع في الغرب، لاسيما فرنسا والولايات المتحدة، صوت يزايد على الشعب التونسي، الذي هو من أكثر الشعوب العربية وعيا وتحضرا وثقافة، ويبدو أن التونسيين ماضون في الاستماع إلى صوت واحد فقط، هو صوتهم، لأنهم وحدهم يعرفون لماذا انتفضوا وماذا يريدون من النظام. وسيصلون إلى مبتغاهم مادام العامل الخارجي بعيدا. لقد تجاوز التونسيون حاجز الخوف.
وبالمقابل فإن الأزمتين الفلسطينية واللبنانية ستستمران ما استمر التدخل المباشر والعلني من الأطراف الخارجية الإقليمية منها والدولية. فالوضع الفلسطيني مستمر في الانقسام بين الأشقاء، بسبب اختلاف المبادئ والتوجهات السياسية لدى طرفي الأزمة: السلطة الفلسطينية المدعومة بالخارج الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي وبعض العربي، وفصائل المقاومة الوطنية بمختلف أطيافها المدعومة من شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، المحرومة من كافة أسباب القوة والتواصل، والمحشورة في سجن كبير تحرسه كل جيوش العالم. المشكلة في الحالة الفلسطينية أن توجهات الطرفين الداخليين لإيجاد حل للأزمة، متباينة، ولو أن الهدف قد تقلص إلى حدوده الدنيا، وهو ما يعرف بالمصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية. وإذا كان طرف المقاومة يؤمن بالحل الداخلي بين الأشقاء، فإن الطرف المقابل يصر على أن يكون حل أزمة الانقسام بإشراك عامل خارجي، الذي تمثله هذه المرة الدبلوماسية والأمن المصريان، نيابة عن إسرائيل وأمريكا والسعودية ‘وأنا حزين جدا لأن تكون السعودية في هذا المحور’. وإذا كان الطرف المقاوم يكتوي بنار الأجنبي كل لحظة ويحصد نتائج مواقفه الرافضة والمتصدية له، فإن الطرف الآخر لا يبدو واعيا بما جناه على نفسه وعلى شعبه جراء المراهنة على الحلول الخارجية والاحتكام إلى هذا الخارج، حتى لو كان عدوا حميما أو صديقا لدودا. لتنظر سلطة عباس الموالية لإسرائيل وأمريكا ماذا جنى الشعب الفلسطيني من حليفيها، وما سيكون مصيره بعد عشر سنوات إذا استمر هذا الارتهان للخارج؟ كيف وجد عباس فلسطين غداة استلامه السلطة، وكيف أصبحت اليوم؟ أين هي وعود أوسلو ومن بعدها الرباعية ورؤية بوش الابن وخارطة الطريق ومؤتمر شرم الشيخ، وغيرها من الوعود التي اصطادت بها إسرائيل وأمريكا السلطة، ثم جماعة فتح لوأد فكر المقاومة؟ إلى أين أوصلت السلطة برهانها على العامل الخارجي القضية الفلسطينية؟
ولا تقل الأزمة اللبنانية تعقيدا عن الأزمة الفلسطينية مع وجود فارق في حجم الطرف المراهن على الخارج الأمريكي والفرنسي والسعودي، والطرف المراهن على الداخل اللبناني وبعض القوى الإقليمية التي تسعى بصدق، إلى إيجاد حل دائم وجذري لأزمة لبنان المستمرة منذ عقود. وإذا كان هذا الطرف الثاني، الذي يقف في صف المقاومة والسيادة الوطنية، يملك جملة من الخيارات الممكنة والمقنعة للداخل اللبناني، فإن الطرف الآخر لا يملك سوى خيار واحد، هو المراهنة على العامل الخارجي والاستقواء به لتحصين مواقعه في السلطة، ولو كان ذلك على حساب السيادة والوطن والشعب والمستقبل.
وقد كشفت الأزمة الجديدة في لبنان، الناجمة عن استقالة وزراء المعارضة من حكومة الحريري عن التباين بين الخيارين، ففيما فضلت قوى المعارضة والمقاومة الحل المحلي والعربي، أصرت القوى الأخرى على أنه لابد من أن يكون الحل أمريكيا، ومن ثم إسرائيليا مستجيبة لإرادة العامل الأجنبي. وليته سيكون حلا، ذلك أن أخف توصيف له هو مزيد من تعقيد الأزمة والزج بلبنان في أتون المجهول. لقد أراد جناح في النظام السعودي أن يثبت حسن نيته تجاه الشعب اللبناني بانخراطه في مشروع تسوية بشراكة كاملة مع سورية، لكن القول الفصل في مصير هذا المشروع كان في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، حيث كان يوجد أحد أكبر أقطاب القوى المراهنة على العامل الأمريكي ‘وأنا حزين كذلك أن يتحول ميراث الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى هذا المحور’. لم يكن العامل السعودي قويا إلى النحو الذي يستطيع أن يفرض رؤيته ومشروعه على أمريكا، فلم تكن بيده ورقة يمكنه أن يساوم بها أمريكا، بل إن الأوراق كلها كانت بيد أمريكا، والأفدح هذه المرة، أن حياة الملك عبد الله كانت بيد أطباء أمريكا في أمريكا ذاتها، لذلك انهار مشروع التسوية، عندما أصبح الأمر متعلقا بحياة الملك. لقد ساومت أمريكا على مشروع التسوية بحياة الملك الذي لم يستطع، رغم الأموال التي يكدسها أو ينفقها على صفقات تسلح عبثية، أن يبني لنفسة وأسرته مستشفى في السعودية يجهزه بما يشاء من التجهيزات الطبية والأطباء السعوديين، فينأى بنفسه عن ضغوط أمريكا ووضع حياته بين أيادي أطباء أمريكا. لكن قوة الطرف المقاوم والمعارض المراهن على قدراته الذاتية المؤمن بالحلول الداخلية بدأت تتعاظم وتقلق العامل الخارجي، الذي لم يعد أمامه ما يفعله سوى التهديد والتعطيل والتشويش، وهذه أساليب الصغار وليس من يتزعمون العالم ويقودونه بقوة العسكر والتكنولوجيا والمال، وإذا تتابعت خطوات هذا الفريق على هذا النسق، من دون الالتفات لأصوات المشوشين، فإن لبنان سيعبر إلى شاطئ النجاة.. وإلى الأبد، وعلى المراهنين على الأجنبي أن يعيدوا حساباتهم.. إنهم يخسرون مواقعهم وشعوبهم وأمتهم، وحتى حلفاءهم الذين يزعمون أنهم يقفون إلى جانبهم.’ كاتب جزائري