معادلة تركيا المعقدة في ليبيا: دعم الحل السياسي مع الاستعداد الكامل لسيناريو «عودة الحرب»

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: مع توجهها للعودة إلى «سياسة صفر مشاكل» عملت الدبلوماسية التركية طوال الأشهر الماضية بشكل مكثف على إعادة تطبيع العلاقات مع جميع الدول التي دخلت معها في خلافات سياسية وعسكرية في العقد الأخير، حيث يعمل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على فتح صفحة جديدة في علاقات تركيا مع دول المنطقة والعالم عنوانها إنهاء أو تحييد الخلافات والتركيز على نقاط الاتفاق والتعاون في كافة المجالات.

وفي هذا الإطار، نجحت تركيا في إعادة تطبيع علاقاتها مع السعودية والإمارات فيما لا تزال تسعى لإعادة تطبيع العلاقات مع مصر وهي الدول التي شكلت بدرجة أساسية محور الدعم الإقليمي للقوى العسكرية والسياسية والليبية التي عارضت التدخل العسكري التركي في ليبيا في جولة قتال بالوكالة كادت أن تتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة لاسيما بين تركيا ومصر قبل أن يتم احتواء الأزمة.
وعلى الرغم من رغبة تركيا في إنهاء الأزمة السياسية في ليبيا، وتقديم ضمانات تساهم في إزالة العقبات المرتبطة بمسار تطبيع العلاقات مع مصر، إلا أن موقف أنقرة يبدو حاسماً وواضحاً باتجاه عدم التساهل أو التراخي في التعامل مع أي تطورات عسكرية أو سياسية قد تكون تهدف إلى ضرب النفوذ العسكري والسياسي التركي في ليبيا وهو ما يعني ضرب «الإنجازات» التي حققتها تركيا في ملف الصراع بشرق المتوسط والذي لا يزال يعتبر الأولوية الأولى لتركيا استراتيجياً في الوقت الحالي.
وعام 2020 تدخلت تركيا عسكرياً إلى جانب حكومة الوفاق في طرابلس ضد قوات حفتر والميليشيات المدعومة من مصر آنذاك ونجحت قوات الوفاق في الوصول حتى حدود مدينة سرت الليبية بدعم من الجيش التركي قبل أن تخيم أجواء توتر غير مسبوقة على العلاقات التركية المصرية، حيث استنفر الجيش المصري قواته وحذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من اجتياز القوات المدعومة من تركيا مدينة سرت  وهو ما فتح الباب واسعاً أمام التكهنات حول شبح المواجهة العسكرية بين البلدين.
وعقب قرابة عامين من تراجع التصعيد في الملف الليبي وتراجع الخلافات الإقليمية وخاصة بين مصر وتركيا، عاد التوتر مجدداً بين البلدين مع توقيع أنقرة وطرابلس على اتفاق للتعاون في التنقيب عن الغاز والنفط في حدود مناطق اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين البلدين والذي يتعارض ويتداخل مع مناطق اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وهو ما دفع البلدين لإعلان رفض الاتفاق والتلويح بإجراءات لمنع أي تحركات تركية في المناطق المتنازع عليها.
وفي خطوة «مضادة» أعلنت مصر ترسيم حدودها البحرية مع ليبيا من جانب واحد، وهو ما اعتبرته حكومة الوفاق المدعومة من أنقرة بانه «انتهاكاً» للمياه الإقليمية الليبية، ورغم استخدامها «لغة دبلوماسية حذرة» لعدم رغبتها في التصعيد مع مصر، إلا ان الخارجية التركية أدانت الخطوة المصرية وحثت الجانبين المصري والليبي على «إطلاق حوار ومفاوضات في أسرع وقت لتحديد الحدود البحرية بين البلدين وفق القانون الدولي».
وبالنسبة لتركيا، يعتبر التواجد العسكري التركي في ليبيا المحمي بمذكرة التعاون العسكري الموقعة مع حكومة طرابلس السابقة والمدعوم من الحكومة الحالية «حكومة الدبيبة» هو صمام الأمان الأساسي لضمان استمرار العمل بمذكرة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين والتي مكنت تركيا من تغيير موازين القوى في صراع شرق المتوسط ومنحها ما يشبه الفيتو لأي مشاريع استراتيجية كبرى هناك تحاول استبعاد وتهميش تركيا.
وبالتالي فإن تركيا وعلى الرغم من سعيها لإنهاء خلافاتها وتجنب أي صراع جديد في المنطقة، كل ذلك لن يدفعها للتراجع في الملف الليبي لمرحلة يمكن أن تعتبر خطراً على مستقبل مذكرة ترسيم الحدود البحرية الأمر الذي يتطلب استمرار العمل بمذكرة التعاون العسكري وضمان وجود حكومة تقدم ضمانات باستمرار العمل بهذه الاتفاقيات الحيوية جداً لتركيا.
وفي ظل هذه المعطيات، يشير المشهد الحالي إلى أن تركيا الراغبة في مسار سياسي سريع جداً للأزمة في ليبيا تضع في حساباتها كافة السيناريوهات وعلى رأسها احتمالية عودة الاشتباكات ومحاولات إعادة تأهيل حفتر وإمكانية مهاجمة طرابلس مجدداً وهي جميعها احتمالات ستجر تركيا للتدخل العسكري المباشر مرة أخرى.
وعقب الزيارة الاستثنائية التي قام بها رئيس المخابرات الأمريكية إلى طرابلس وبنغازي وأعقبها زيارة لمسؤولين عسكريين أمريكيين كبار سارع رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان قبل أيام لزيارة طرابلس ولقاء الدبيبة والمنفي في ظل الحديث عن خشية تركية من مساع لإعادة تأهيل حفتر المعادي لتركيا وهو ما يثير مخاوف أنقرة ويدفعها أكثر لمتابعة التطورات عن قرب والاستعداد لكافة السيناريوهات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية