معارضون لكنهم ‘ديكتوقراطيون’

حجم الخط
0

محمد صالح مجيّديوم 23 تشرين الاول/ أكتوبر باحت صناديق الاقتراع في تونس الجديدة بحقائقها التي لا تعترف بفنّ المجاملة ورفع المعنويات المنهارة. وانكشفت سريرة كثير من الأحزاب المتعاظمة زيفا، والمتصاغرة عُمْرا ورؤية رغم تطاولها. ومضى كلّ طرف إلى قواعده وعلى صفحة وجهه حقيقته العارية. فهتف البعض فرحا بانتصار ظرفيّ لكنّه مُنْعش بعد غياهب السجون ومحرقة النفي. ولعق آخرون دماء جراحهم لاعنين حظّهم وسوء تقديرهم لحقيقة التحوّلات التي عرفها هذا الشعب الموبوء بالديكتاتوريّة على مدى نصف قرن… ومن النتائج التي تمخضّت عن الاستحقاق الانتخابي الأخير، كشف حقيقة ‘الأحزاب الطفيليّة’ التي نمت كالفقاقيع بلا لون أو رائحة، وفتحت دكاكينها دون تخطيط أو رؤية سياسية أو إيديولوجيّة أو مجتمعيّة واضحة. ومن الواضح أنّ خروجها من الحفل بلا قطعة مرطبات واحدة يستدعي بالضرورة إعادة النظر في هذه الدكاكين السياسيّة الأسريّة التي فُتحت على عجل بعد أن تكرّمت الداخليّة بوليمة ‘الترخيص للأحزاب’ بدعم من بعض ‘السياسويين’ الذين اعتبروا فوضى انتشار الأحزاب حالة صحيّة تُحسَدُ عليها تونس. ويكشف الدرس الانتخابيّ أيضا، دون مواربة، أنّ نيل ثقة الشعب الكريم لا يكون عبر الظهور في صورة التقطتها ‘الجزيرة’ في شارع الحبيب بورقيبة بصدفة مبرمجة ولا يتحقّق بخطبة حماسيّة على وقع المطر أو في حرّ الشمس تصيب عواطف بعض الناس، وتخطئ طريق سرّ صناديق الاقتراع…. ومن الغريب، في زحمة الانفلات الكلاميّ، أن يعترف زعيم حزب معارض لا يُزايد عليه أحد في النضال، بأنّه لم يكن يأمل من هذه الانتخابات إلا في الحصول على نسبة 10′ من المقاعد في المجلس التأسيسيّ عامدا ـ عن قصد أو عن غير قصد- إلى كشف الحجم الحقيقي لحزبه ووزنه الانتخابيّ. ومما زاد الطين بلّة، أنّ تواضع سقف الطموحات هذا ارتدّ خيبة عندما لم يحصل الحزبالا على عُشْر العشر. ويبقى من الصعب على المتابع تفسير توقعات حزب يطمح إلى المزاحمة، واتخاذ مكان في المشهد السياسيّ التونسيّ ومع ذلك يكتفي بسقف متدنّ ومحدود لا يتناسب مع حضور أمينه العام في الإعلام الوطنيّ والخارجيّ، ولا يتماشى وَشرعيّة هذا الحزب النضاليّة التي اكتسبها من مواجهة الديكتاتور.

وإذا كان بعض السياسيين المخضرمين قد اعترفوا بالهزيمة في صوت خافت، وكشفوا عن احترامهم لقرار الشعب، وامتثالهم لقواعد اللعبة الديمقراطية وما تقتضيه من انتصار، هنا وهزيمة هناك، فإنّ البعض الآخر مازال يجدّف ضدّ التياّر، ويتحدّث عن تجاوزات أخلّت بشفافيّة سير عملية الانتخاب مبديا أنانيّة مفرطة ورفضا للاعتراف بالفشل المدوّي. ويبدو أنّ مَنْ اعترف في احتشام، بهزيمته قد تعلّم بعضا من دروس الديموقراطية التي تقضي بأن يهنّئ المنهزم الفائز، وأن يطوي صفحة الهزيمة بسرعة ليستعدّ إلى استحقاق انتخابيّ جديد. لكن بقيت خطوة ثانية يبدو أنّها عصيّة على ذهن الزعماء السياسيين في تونس. وهي فسح المجال للقاعدة الحزبية كيّ تقوّم النتائج، وتبيّن خلل القيادة بحثا عن السبل الكفيلة بتجاوز المرحلة الصعبة. ومن القرارات التي تتبع كلّ هزيمة مدويّة في الدول العريقة ديموقراطيّا تحمّل رئيس الحزب مسؤوليته، واستقالته مباشرة بعد انكشاف حقيقة عجزه عن قيادة الحزب إلى التتويج. والسؤال لماذا لا يستقيل زعيم حزب معارض في تونس إذا شعر بأنّ انفراده بالرأي، وتحويله الحزب إلى ضيعة أسريّة قد أضرّا بمستقبل الحزب؟ لماذا يُطالَب الرئيس الحاكم دائما بالتنحيّ ويُطْلَب منه أن يحقّق التداول السلمي على السلطة ولا يطبّق ذلك على زعماء أحزاب المعارضة في تونس؟

؟ هل مازال في العمر متّسعا كي يلعب – هؤلاء الزعماء- دورا في الساحة السياسيّة الجديدة خاصّة بعد ظهور كوادر جديدة من الشباب يمكن أن تحوّل في وقت وجيز الخيبة إلى انتصار.

الشعب قال كلمته الفصل الآن. ومَن لم يُعدّل عقارب ساعته السياسيّة سيجد نفسه مُطاردا من أنصاره كما حدث لكلّ ديكتاتور جاثم على الكرسيّ والرقاب والجيوب. لكن مازال الهوس بالوصول إلى السلطة يُعمي بصيرة أكثر من زعيم سياسيّ في تونس ويحوّله إلى ‘ديكتوقراطيّ’ ينادي بصوت عال إلى بإسقاط الحاكم المستبدّ وينسى في زحمة النضال ضد الديكتاتوريّة أن ينظر إلى نفسه ويذكّرها بأنّه في النهاية يَنْهى على فعل ويأتي مثله.

ومن مفارقات المعارضة التونسيّة أنّ بعض زعمائها قضوا على رأس أحزابهم مدّة تفوق زمن حكم بن علي؟ فكيف رفضوا أبدية الرئيس السابق ورضوها لأنفسهم؟

آن للمعارضين الذين طالت معارضتهم أن يتنحّوا مشكورين على نضالهم وسعيهم لتأسيس مناخ ديمقراطي تعدّدي ووقوفهم ضد الهمجيّة والديكتاتورية. وآن للأحزاب أن تحدّد في قانونها الداخلي مدة بقاء الزعيم على رأس الحزب وأن تعتمد انتخابات داخلية شفافة لاختيار مُرشّحيها. لا شرعية غير شرعية الصندوق والانتخاب وما عاداهما زائف… وكلّ ما ينجزه الزعيم المعارض يُسجّل في ميزان خدماته للحزب دون أن يتحوّل ذلك إلى عصا يتكئ عليها لتبرير تأبيده زعيما مدى الحياة في تونس الجديدة للأسف معارضون ‘ديكتوقراطيون’ يلوون عنق القيم الديمقراطية من أجل البقاء ويعارضون أنصارهم بحثا عن زعامة موهومة. وما أشبههم في هذا بالديك الذي يتوهّم أن الشمس لا تشرق إلّا بفضل صياحه.’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية