معارضو العراق وعقدة النقص تجاه الثورات العربية

حجم الخط
0

د. مثنى عبدالله

لنسمهم هكذا بعد أن أنطبق الوصف عليهم تماما. فلم يكونوا يعارضون النظام السياسي الذي كان قائما قبل العام 2003، بقدر ما كانوا يعارضون بقاء العراق كوطن واحد وهوية أصيلة، وتاريخ مجيد وحضارة عظيمة وعروبة حتى النخاع. فلقد برهنوا على ذلك وهم خارج السلطة عندما تعاونوا مع الاعداء، الى الحد الذي اختلقوا فيه القصص والاساطير عن خدعة ما سمي أسلحة الدمار الشامل، والتهديد العراقي القادم لتدمير البشرية، بشهود زور قبضوا الثمن بضعة دولارات من أجهزة مخابرات أقليمية ودولية. وعندما حان الغزو ملأت وجوههم الكالحة شاشات التلفاز العربية والاجنبية، فراح من كانوا يوما ما قادة يحملون الرتب العسكرية يصوبون للاعداء ضرباتهم كي تأتي أكثر صوابا ودقة لقتل أكبر عدد ممكن من أهلهم، وتدمير كل شيء موجود على الارض، في حين كان ينعق من يسمون أنفسهم زعماء طوائف وقوميات، كي يحشدوا من يدعون تمثيلهم طالبين منهم أن يكونوا أذلاء للغزاة، بينما كانت السنتهم يسيل لعابها أمام خيال مغريات السلطة القادمة لهم. وعندما أحال الغزاة العراق الى تلال خراب وسط بحر من الدماء بمعونتهم، عادوا مرة أخرى وهم في قمة السلطة ليشمروا عن سواعدهم كي يثبتوا للعراقيين وللانسانية جمعاء، بأنهم معارضة ضد الوطن، وأنهم لم يحملوا يوما شرف المعارضة السياسية اطلاقا. فانطلقت حملات خصخصة مناطق العراق من الشمال حتى الجنوب، ومن الشرق الى الغرب، وفقا لقياسات وحجوم الاحزاب القادمة من أوروبا وايران. فأصبحت أقطاعيات سياسية ترفع في سمائها أعلام ورايات دون علم العراق، وبات سكانها عبيدا للزعماء الجدد. أما الثروات فقد تم تقسيمها بينهم وفق مبدأ (الاجر حسب المشقة). أي وفق ما قدمه هذا وذاك الى الغزاة من حجج وتقارير كاذبة، ومعلومات مزورة من شخصيات مفبركة جرى تقديمهم على أنهم خبراء وعلماء هاربون من مؤسسات التصنيع العسكري، أضفت على غزوهم بعض الاقناع لهذا الطرف الدولي أو ذاك، فاستصدروا بها بعض القرارات من المنظمة الدولية سهلت الحصار ثم الغزو والاحتلال. ثم انطلقت التصفيات والاغتيالات والحروب الطائفية. فأصبح لكل طائفة مدن وأحياء تسورها الحواجز الكونكريتية كي يمنع الاختلاط. وباتت لدينا مناطق متنازع عليها بين القوميات بعضها سمي قدس الاقداس. وجرى ترسيخ الاغلبية الطائفية في الحكم وليس غالبية صندوق الانتخاب. وبني لرجال الدين صرح جديد يشخصون من خلاله مصلحة النظام.

ومع كل هذه المآسي والخطايا والآثام يظهر علينا بعض أعوان السلطة في العراق، الذين مازالت أيديهم ملطخة بدماء الابرياء وأعناقهم تنوء باثم خدمة ومساعدة الغزاة، ليتفاخروا بأنهم سبقوا شعبنا العربي في تونس ومصر في الثورة، لانهم ثاروا على النظام السياسي في العراق في العام 1991. بل انهم يضعون ذلك الموقف المخزي موضع الحقيقة التاريخية، متناسين بأن التاريخ سجلها لهم في نفس الصفحة التي سجل فيها لهولاكو غزوه لبغداد، مما حدا بالمرجع الشيعي الاعلى في العراق والعالم الاسلامي المرحوم أبو القاسم الخوئي، الى أطلاق تسمية (الغوغاء) في وصفه للذين قاموا بذلك الفعل، بعد أن نقل له وكلاؤه في المحافظات العراقية التي حصل فيها ذلك الحدث، صورا واضحة وجلية عن ممارسات أولئك. ان الوقائع التي يسردها هؤلاء المدعون بأنها أسبق الثورات العربية، انما هي أدعاءات عارية عن الصحة تماما. فلم تكن بداية تلك الحادثة باطلاق جندي عراقي عائد من الكويت النار على صورة كبيرة للرئيس صدام حسين في البصرة كما يدعون، لان القوات الامريكية المتواجدة في المطلاع كانت تقتل كل عسكري عراقي يحمل في يده أية قطعة سلاح، كما أن بداية الحادث لم تكن اطلاقا في محافظة البصرة، بل كانت البداية في قضاء الحي التابع الى محافظة واسط على الحدود الادارية لمحافظة ذي قار، حيث هاجم عدد من الاشخاص مخازن الاغذية لسرقتها، بعد أن ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني نتيجة فرض الحصار، ثم أنتشر هذا الفعل الى بقية المحافظات، وكي يتسلح هؤلاء لمواجهة حراس تلك المخازن المدافعين عنها، فقد بدأوا بتسليب الخطوط الخلفية للجيش العراقي المنتشرة في كل جنوب العراق من السلاح، ولعدم سيطرة أجهزة الدولة على هؤلاء في ظل انعدام الاتصالات السلكية والاسلكية مع بغداد، بسبب الضربات الجوية لدول العدوان الثلاثيني، فقد استغل فيلق بدر الموقف تماما واندفعت كتائبه من أيران الى كل محافظات الجنوب وبعض محافظات الوسط، وتم حرق دوائر الدولة المدنية والعسكرية وقتل من فيها، وأحرقت سجلات النفوس وسجلات الملكية العقارية وسجلات المرور وسيارات الاسعاف والشرطة، كما تم نصب العديد من السيطرات على الطرق الخارجية بين المحافظات، لقتل الضباط والجنود العائدين من الكويت الى محافظاتهم الاخرى، بل جرى أقتحام العديد من (مضايف) شيوخ العشائر في الجنوب التي كان يقدم فيها الطعام والماء وحتى بعض المال، الى الجيش العراقي المنسحب من الكويت، كي يساعدوهم للعودة الى ذويهم، حيث جرى خطف العديد منهم، حسب شهادات حية من شيوخ المنطقة ثبتها الدبلوماسي الروسي سيرجي ميخائيلوف وكاتب هذه السطور في كتاب (هولاكو يبعث من جديد). وبعد أن تمت السيطرة الفعلية على الارض لهؤلاء، وغياب أجهزة الدولة نتيجة عمليات القتل العشوائي، بدأوا بتهديد سكان تلك المحافظات وخاصة من العمال المصريين، طالبين منهم الخروج في تظاهرات تهتف (يحيا الرئيس الجديد) في محافظة ذي قار. لكن عرس الدم الوحشي هذا لم يستمر طويلا، حيث حال سماعهم عودة الدولة الى تلك المناطق، هرعوا للانسحاب الى ايران مجددا بعد أن خطفوا العديد من المواطنين معهم، كما لاذ الباقون منهم خاصة في محافظتي البصرة وذي قار، الى تسليم أنفسهم الى القوات الامريكية التي كانت متواجدة هناك، وتم نقلهم الى معسكر اللجوء في رفحة السعودي.

ان الادعاء بان صدام حسين كان قد حزم حقائبه تمهيدا للهروب الى الجزائر في تلك الفترة، أنما هي فبركة، بل الذي حصل كان عكس ذلك تماما حيث خاطب رفاقه قائلا (ان قتل صدام في هذه المعركة فليكن في موقع المسؤولية من بعده الرفيق فلان، وأن قتل هذا فليكن الرفيق فلان من بعده.. وهكذا)، مما يعني أنه موقف متواصل لا مجال للرجوع عنه. كما لو أن النية موجودة هكذا أذن لماذا لم يفعلها في العام 2003 عندما طلب الامريكان وحلفاؤهم خروجه؟ الم يكن الموقف العراقي والعربي والدولي أقسى شرا من موقف العام 1991؟ ان ثورات شعبنا العربي في تونس ومصر وغيرهما من التي مازالت مستمرة في أقطار أخرى، كانت تحشيدا شعبيا وطنيا وضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل الاعتبارات الاخرى. وكانت تعبيرا حضاريا رائعا عن رفض لظلم وقع عليهم وظالم باتوا غير قادرين على العيش في ظل سلطانه. لذلك تضامن معها العرب في كل الاقطار، واعتبروا أن من الواجب عليهم دعم أشقائهم من خلال فتح جبهات لثورات شعبية أخرى في أقطارهم، اضافة الى تضامن العديد من شعوب العالم معهم. ان بريقها كان في خيمتها الوطنية ولم يتم فيها رفع شعار طائفي كالذي رفعه (ثوار) 1991 وقتلوا تحت رايته الكثير من الابرياء. كما أن الثائرين لم يمتهنوا كرامة ضباط وجنود جيشهم، بل كانوا يقدمون باقات الزهور اليهم في تلاحم وطني رائع. ولم تأت المعارضة في تلك الاقطار من خلف الحدود مدججة بالاسلحة الثقيلة كفيلق بدر. كما لم يستغلوا ظرف عدوان خارجي على البلد للقيام بتحركهم ضد السلطة. ولم يعط المتظاهرون لانفسهم الحق في تنفيذ عمليات الاعدام في الشوارع والساحات العامة ومراقد الائمة، لمواطنين كل ذنبهم انهم موظفون في دوائر الدولة المدنية والعسكرية، كما فعلتها (ثورة 1991) في العراق.

فهل بعد كل ذلك يمكن لعاقل ان يدعي بأنها سبقت ثورتي تونس ومصر؟ وأن يطلقوا عليها تسمية ثورة، وأن يتساءلوا باستغراب لماذا لم يقلدها أحد في بقية الاقطار، أو أن يقدموا لها الدعم؟ اليس روح الجريمة والحقد على العراق الذي كانت رايات تلك (الثورة) ترفعه، هو نفسه الذي طبقه (ثوارها) عندما عادوا الى العراق، تحت رايات الامريكان وحلفائهم في العام 2003؟ وهم أنفسهم الذين يقمعون تظاهرات أبنائه السلمية اليوم، بالرصاص الحي والاعتقالات.’ باحث سياسي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية