جرى تجديد اللجان الدائمة، في برلمان الجزائر، وكما كان متوقعاً سيطر حزب متدين على لجنة التربية، التي تختص في شؤون المدارس، في مراقبة القوانين المتعلقة بها ومساءلة وزير القطاع. فمنذ الاستقلال (1962) لم تسلم المدرسة من حروب وتجاذبات. هي البؤرة التي تدور من حولها النقاشات، وتخضع للكم الأوفر من الصراعات. كثرة الصخب من حولها أفقدها قواها، فالأحزاب المتدينة لا تهمها شؤون الثقافة أو الرياضة أو الاقتصاد، بقدر ما تهمها شؤون المدرسة، ما حتم على هذه المؤسسة أن تخضع إلى تغيرات، بحسب أهواء القائمين عليها أو تحت ضغط المتدينين في البرلمان، الذين لا يخفون امتعاضهم من تنشئة الأطفال، يرون في العلمنة خللاً ومناقضاً للتربية. يودون محو مواد تعليمية واستبدالها بأخرى، يريدون حجب مناهج وتعويضها بغيرها. يريدون مدرسة تتماشى مع مشاريعهم المستقبلة، في تنشئة طفل سوف يصير منخرطاً في أحزابهم وعاملاً فيها. يميلون إلى شيطنة الغرب، وهذه «الشيطنة» الغاية منها سحب العلوم المستوحاة من الغرب، أو النصوص المستوحاة من أعمال غربيين، من الكتاب المدرسي، يظنون أن مأساة البلاد من علاقته بالغرب، ويريدون كتاباً مدرسياً يحتشد بنصوص شيوخ الفقه والمفتين، بأشعارهم وحكاياتهم. يريدون «أدباً إسلامياً» كما يسمونه.
مع ذلك لا تزال المدرسة تقاوم، على الرغم من أن قواها قد أجهدت، لا تزال تعلم الأطفال توفيق الحكيم، إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة أو مفدي زكرياء، تعلمهم البعد الأمازيغي في هويتهم، لكن الضغط زاد، ما حتم عليها إدراج نصوص بعض رجال الدين، من ناشطي القرن الماضي. كما تضاعفت ساعات ما يطلق عليه «التربية الإسلامية». ولا أحد يعرف ما هي الغاية من تلقين الطفل تربية إسلامية، بحكم أن المساجد في كل مكان، وأبوابها مفتوحة لمن شاء، فلماذا نقلص من ساعات العلوم والآداب، من أجل تربية دينية، يتلقى الطفل مثلها في الشارع أو البيت؟
لقد مكّن الضغط الديني من تجريد الكتاب المدرسي من نصوص رجال التصوف المحليين، لأن خصم الأحزاب المتدينة، بعد الغرب، هو التصوف. لذلك عزلوا الطفل من فضائه الحيوي، وصار يتخرج في المدرسة وهو يظن أن الأمير عبد القادر كان محارباً فحسب، لا متصوفاً ولا شاعراً. هكذا إذن خضعت المدرسة إلى متغيرات، أفرزتها ضغوطات، وصارت تخرج طلبة يعرفون نصف التاريخ ويجهلون نصفه الآخر. طلبة يسيرون بساق واحد، وينظرون إلى الأمور بعين واحدة، فهل ستتحرر هذه المدرسة من المعارك الخفية، التي يشنها فقهاء ينتحلون صفة سياسيين؟
الإفلات من المراقبة
تاريخياً، كانت الدولة تراقب القطاعات كلها، من الثقافة إلى الصناعة، لم يفلت منها عدا قطاع التربية، بالأحرى هو القطاع الوحيد الذي رضيت فيه بالتفاوض مع الأحزاب الدينية. في الماضي كانت المدارس تحشو عقل الطفل بطاعة النظام والامتثال له، باحترام الرئيس ومن يحوم حوله، ثم تنازلت عن هذا الدور، وتشاركت مع المتدينين، من أجل تلقين الطفل الدين، من أجل أن يتعامل مع العلوم والآداب من منظور ديني، أن يبغض داروين ويعتبر عبد الحميد بن باديس عالماً، في مصاف علماء الفيزياء والأحياء، فالمدرسة مثل الجامعة، هي أكثر الأمكنة حرجاً في نظر الأحزاب الدينية. في سنوات العشرية السوداء، كان الأساتذة مستهدفون (اغتالوا امحمد بخبزة وجيلالي اليابس) كما كان المعلمون في المدارس أيضاً هدفاً للنيران والخناجر، ويتذكر الجزائريون كلهم ما وقع عام 1997، في مجزرة راحت ضحيتها 11 معلمة. لماذا هذا التكالب على قطاع التربية والتعليم؟ ببساطة لأنه الباب الذي يفضي إلى الهيمنة. من يهيمن على المدرسة سوف يهيمن على العقول، وهذا هو الميدان الذي تريد الأحزاب الدينية أن تبسط فيه نفوذها. إذا كانت الدولة تسن قوانين تحمي الحق في المواطنة، فإن المتدينين يريدون مدرسة تحمي حقهم في أطفال يتبعون نهجهم.
تاريخ مشوه
يتخرج الأطفال في المدارس وهم لا يعرفون شيئاً عن القديس أوغستين، لا يعرفون مصالي الحاج ولا جان سيناك، يتخرجون في المدرسة من غير أن يسمعوا عن كتاب جزائريين ولا موسيقيين (سوى الحد الأدنى منهم) لكنهم في الأثناء سوف يحفظون القرآن ويتعلمون شؤون الدين، يجهلون الكثير من العلوم، لكنهم يعرفون أسماء رؤساء أحزاب دينية، لأن هذه الأخيرة توصلت إلى حيلة تستدرج بها الأطفال. فقد شاع في السنين الأخيرة ما يطلق عليه «دروس تقوية». الغاية منها هي إفادة التلاميذ بدروس في مناهج يعانون فيه من ضعف في التلقين، ثم توسعت العملية وصارت دروس التقوية تشرف عليها جمعيات تتبع الأحزاب الدينية، تمرر من خلالها خطابها السياسي في عقول الأطفال. هكذا صارت المدرسة محاصرة، بين تنازلات الدولة من جهة، وضغط المتدينين من جهة أخرى، والخاسر ببساطة هم الأطفال. وكلما جرت مبادرة من أجل تغيير المناهج التربوية، في الرفع من ساعات اللغات الأجنبية، بدل التربية الإسلامية، أو في تغيير محتوى المناهج، تندلع زوبعة في الأوساط المتطرفة، تجعل الأمر، كما لو أنه كارثة، وتستفيد تلك الأحزاب من شعبيتها في المجتمع، ونشاطها على السوشيال ميديا، ما يكسبها تضامناً من الناس، وكل خطة من أجل التغيير يصير مآلها الإخفاق.
هذا الضغط الذي تتعرض له المدرسة يؤجل مشروعها الأساسي في صناعة المواطن، لأن الطفل يجد نفسه مشتتاً بين خطاب تربوي يود الانفتاح على الآخر ويود فهم التاريخ، وإسراف في ساعات تلقين الدين، تحت مسمى تربية إسلامية، وفي إفراغ المواد العلمية والأدبية من محتواها المستلهم من كبار الأدباء في الخارج، ما يحيلنا إلى صناعة مواطن بلا بوصلة، لا يعرف ماضيه، فكيف نريد منه أن يستشرف مستقله؟ مواطن يظن أن طاعة الأحزاب المتدينة من طاعة الله. هذا الحال يطيل من عمر الأزمة في المدرسة الجزائرية، التي لا تزال تنظر دورها في التحرر، في صناعة المواطن، لا الخضوع لأهواء الأحزاب.
كاتب جزائري