تفهم الغالبية الساحقة من الجمهور الإسرائيلي بأن الهجمة المفاجئة التي وقعت في “فرحة التوراة” لو بدأت من مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة، لما نجت دولة إسرائيل. لذا فإن قلة من سكان إسرائيل مستعدة للنظر في إقامة دولة فلسطينية. للمفارقة، تدفع الإدارة الأمريكية بقوة نحو إقامة مثل هذه الدولة، وتحظى بتأييد واسع من العالم. إن النتائج المحتمة لهذه الميول المتضاربة هي صدام جبهوي تنكشف بوادره بتوتر متزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
في المدى الفوري، لا مفر أمام إسرائيل من صد كل محاولة لإقامة دولة فلسطينية حتى بثمن مواجهة مع الأمريكيين. ولكن إذا أهملنا الساحة السياسية – الإعلامية، وبدون إسناد أمريكي، فسيفرض العالم إقامة دولة فلسطينية كما فرض على تشيكوسلوفاكيا اتفاقات ميونخ، وعملياً تفكيكها. لذا، على إسرائيل أخذ المبادرة السياسية، وفضلاً عن تأكيد المخاطر الكامنة في الدولة الفلسطينية، عليها أن تعرض سياسة توفر البديل، لأصدقاء إسرائيل في العالم على الأقل، عن المطلب المتزايد لإقامة دولة فلسطينية. لعمل هذا، على إسرائيل العودة إلى الموقف الذي كان مقبولاً من أقسام واسعة من الجمهور الإسرائيلي، لكنه أهمل لأسباب مختلفة، والقول بصوت عال بوجود دولة فلسطينية، هي الأردن.
إن الفهم بوجود دولة فلسطينية، وأن عرب “يهودا والسامرة” ليسوا شعباً بلا دولة، بل أقلية تعيش خارج دولتها، سيدفع قدماً باحتمالية إيجاد حلول سياسية لا تتطلب إقامة دولة فلسطينية (إضافية) غربي نهر الأردن، مثلاً حكم ذاتي للسكان العرب، يكونون مواطنين من المملكة الأردنية، وينالون حكماً ذاتياً محدوداً فيما تكون المسؤولية الأمنية الكاملة من غربي نهر الأردن في أيدي إسرائيل.
لقد هُجر هذا الموقف؛ كون حكام الأردن البدو، الذين لا يرون أنفسهم كفلسطينيين، لا يحبون أن يذكروا بأن مملكتهم أقيمت على القسم الشرقي من فلسطين (بلاد إسرائيل) التاريخية (Eastern Palestine)، عقب اتفاقات السلام مع الأردن تخلت إسرائيل أيضاً عن طرح هذا الادعاء.
إن سياسة “الأردن هو الدولة الفلسطينية” ستجر معارضة حتى في إسرائيل. أولاً، ثمة نهج مسيحاني يرى في إقامة دولة فلسطينية رؤية الآخرة. صحيح أن الحدث يدور عن نهج هامشي من ناحية جماهيرية، لكن يشارك فيه قادة كثيرون، وهؤلاء سيحاولون عرقلة سياسة تمنع تجسيد رؤياهم. كما أن قادة جهاز الأمن سيعارضون تغيير السياسة سواء لأن بعضهم يشاركون في الموقف آنف الذكر، أم لأنهم سيعارضون من ناحية اجتماعية كل موقف يعتبر كـ “يميني”، أم لأنهم لا يزالون معنيين بكسب الهدوء بأي ثمن ويخافون من انهيار الأردن وتحوله إلى دولة مواجهة. ولكن علمتنا أحداث 7 أكتوبر بأنه لا يجب الاعتماد على قادة جهاز الأمن في فهم الواقع في الشرق الأوسط فحسب، بل إن سياسة كسب الهدوء نهايتها الانفجار.
إن تحول الأردن إلى دولة مواجهة سيزيد المخاطر الفورية في حدودنا الشرقية، لكن الحكم في الأردن متعلق بنا أكثر تعلقنا به، وليس مؤكداً أنه سيسارع إلى تحطيم الأواني. فضلاً عن هذا، قد تستولي الأغلبية الفلسطينية على الحكم في الأردن في نهاية الأمر، وعندها تتحول الحدود على أي حال إلى “ساخنة”، والأهم من كل شيء: مهما كانت المخاطر التي تنطوي على انكشاف الهوية الفلسطينية للأردن، فإن المخاطر التي في إقامة دولة فلسطينية في مركز البلاد، فورية أكثر وأكبر بلا قياس.
على قيادة الدولة أن تتغلب على المخاوف وعلى معارضة كبار الموظفين، وتبلور سياسة “المشكلة الفلسطينية” في سياق أوسع وتمنع إقامة دولة فلسطينية غربي نهر الأردن.
البروفيسور أبراهام فاوست
معاريف 1/7/2024