مر أسبوع على المواجهة بين ترامب وهاريس، لكن أثرها يتواصل في وسائل الإعلام والخطاب الجماهيري. ترامب، على طريقته، بالغ في تنبؤاته المتشائمة حول المستقبل الإسرائيلي، لكنه يسمع ويبدو رئاسياً أكثر مقارنة بهاريس التي كانت مبرمجة ومروضة. إن تأييد مغنية بوب شعبية تدعى تايلور سويفت لهاريس حظيت بنشر في وسائل الإعلام، هو ما يقول شيئاً ما عن مستوى السياسة (والإعلام) في الولايات المتحدة. كان انتباهنا نحن إزاء مقاطع تعنى بإسرائيل والشرق الأوسط، وإن كانت قصيرة نسبياً، وكان فيها ظلال نتعرف منها على نوايا سياسية في المستقبل.
صحيح أن هاريس كررت شعار “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”، والذي يكاد كل سياسي في الغرب يكرره، لكن ملاحظاتها على شكل قتال إسرائيل قد تفسر كنقد مبطن على استمرار المعركة في غزة، وكذا التوازي بين معاناة الإسرائيليين ومعاناة الفلسطينيين، يثير علامات استفهام. فقد كانت دقيقة حين كررت جملة “لستُ بايدن”، وليس بالضرورة إيجاباً. كانت مقلقة الصلة في أقوالها بين إنهاء الحرب و”خطة الدولتين” التي تدل على تجاهل، أو على الأقل سوء فهم أساس لنوايا حماس في 7 أكتوبر، والتي انكشفت في وثيقة نشرتها الصحيفة الألمانية “بيلد” ويتضح منها أن هدف حماس كان إخضاع وسحق إسرائيل من الخارج والداخل وليس الوصول إلى تسوية سياسية لدولتين أو أي تسوية سياسية. هاريس ومستشاروها وإن حاولوا بث تأييد تقليدي لإسرائيل وبخاصة حتى يوم الانتخابات، لكن ينبغي الافتراض بأنها إذا ما انتخبت فلن تستطيع بل ولن ترغب في الابتعاد أكثر مما ينبغي عن الميول اليسارية في قسم من حزبها، بما في ذلك في شؤون إسرائيل.
لكن إذا ما عدنا إلى المواجهة، فإن طريق ترامب أيضاً في موضوع الحرب ليس منثوراً بالورود بالضرورة، إذ من شأنه، حسب تصريحات مختلفة، الضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب دون تحقيق أهدافها؛ لأنه بلا فرق عن هاريس، هدفه الأساس منع نزاع إقليمي واسع. جدير بالإشارة إلى أن بيرت ستيفنز، محلل كبير للسياسة الخارجية في “نيويورك تايمز” والذي لا يميل إلى الرقة مع رئيس الوزراء، يقضي بأن موقف نتنياهو محق بعدم الانسحاب من فيلادلفيا.
دون صلة مباشرة بالمواجهة، جرى حدث آخر له آثار على مستقبل الوضع العالمي وعلى السياسة الخارجية الأمريكية سواء فاز ترامب أم هاريس. رئيس السي.آي.أيه الأمريكية بيل بيرنز، ورئيس وكالة الاستخبارات البريطانية ام آي 6 ريتشارد مور، وقفا على نحو مشترك وبلا تردد على التهديدات التي يقف أمامها العالم الحر – تحذير يذكر لمن يعرف التاريخ بـ “البرقية الطويلة” التي بعث بها الدبلوماسي الأمريكي جورج كنان في 1946 من السفارة الأمريكية في موسكو وحذر فيها من النوايا الأيديولوجية والهجومية للاتحاد السوفيتي. يقف في مركز تحذير رئيسي الاستخبارات، التعاون العسكري بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية. لا أعرف مور شخصياً، لكن بيرنز ذو خلفية دبلوماسية وتجربة غنية، وهو شخص لا يميل للمبالغة والمراوغة.
تناول بيرنز أيضاً غزة، ووقف النار والمخطوفين، وكرر الموقف الأمريكي الثابت بخطوط عريضة، أي أن إسرائيل قبلت المنحى الأمريكي، لكن حماس ترفضه. الرسالة البارزة في أقواله وأقوال نظيره البريطاني، أن النظام العالمي بعمومه، ونتيجة للتعاون بين الجهات آنفة الذكر، هو في خطر كما لم يكن منذ الحرب الباردة، وأن القاسم المشترك بينها هو السعي إلى تقويض النظام العالمي القائم في كل المجالات. القوة المحركة والمؤثرة الأكبر هي الصين، فيما يعمل شركاؤها تحت مظلتها لتحقيق أهدافهم الخاصة: روسيا في أوكرانيا، وإيران في الشرق الأوسط. كما أن تهديد الإرهاب العالمي لم يغب عن تحذيرهما، بمعنى أن “التحديات في الصراع ضد الأركان تفاقمت واتسعت بسبب التغييرات التكنولوجية”.
مهما كانت أقوال رؤساء الاستخبارات الغربيين مهمة وحرجة أكثر، فإن الاستنتاجات العالمية التي ستستخلصها دول العالم الغربي منها، وأولاها أمريكا، التي ستتوج قياد جديدة بعد نحو 100 يوم، سيكون من الصعب تحديد اتجاهات سياستها. وكما ذكرتنا هاريس، فهي ليست بايدن، لكن بأي قدر سيكون ترامب ترامب؟ وشدد رئيسا الاستخبارات على العلاقات المصلحية بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، لكنهما لم يوضحا ما إذا كان هذا سيؤثر مثلاً على قادة الغرب في سياستهم المحددة، بخلاف تصريحاتهم، تجاه إيران الإرهابية. فهل سيفهم هؤلاء بأن حرب إسرائيل ضد إيران ووكلائها هي أيضاً حربهم، أم سيكتفون بطرح صيغ لا تستجيب للتهديدات منها؟ سيكون هذا أيضاً تحدياً مركزياً في السياسة الخارجية الإسرائيلية في السنوات القادمة، أي رؤية المصالح السياسية والأمنية القريبة والفورية، بما فيها الإقليمية، إضافة إلى زاويتها المحلية بما في ذلك في منظور المواجهة العالمية.
زلمان شوفال
معاريف 17/9/2024