معاريف: “حزب الله” يكتشف ضعفه والحوثيون تهزمهم “لغتهم البدوية”.. ولكن ماذا عن حماس بعد الحرب؟

حجم الخط
2

ضباب المعركة آخذ في التبدد من على شمال القطاع في الوقت الذي يكمل فيه الجيش الإسرائيلي سيطرته على المنطقة وتفكيك أطر حماس القتالية. لكن تنكشف في هذا الإيضاح الفجوة التي بين هدف الحرب الطموح والواقعي بتفكيك حماس بصفتها قوة عسكرية وسلطوية، وبين الإنجاز العملياتي المبهر الذي حققه الجيش الإسرائيلي حتى الآن وسيحققه. هذه الفجوة لن تغلق إلا بفعل سياسي فقط.
يقاتل الجيش الإسرائيلي في غزة في طابقين، مثلما أجاد التعبير زميلي ومعلمي رون بن يشاي: يسيطر على الطابق الذي فوق الأرض ويدمر ببطء وبمنهاجية الطابق السفلي. لكن إذا لم يبنَ عليهما طابق سياسي، فسينهار الإنجاز والمبنى.
بدلاً من البدء بعرض مبنى الحكم الذي سيحل محل حماس فيزاد الضغط عليها، يهرب المستوى السياسي من مسألة “اليوم التالي”. وتدخل إلى الفراغ اقتراحات سيئة من مصر وقطر، تبقي حماس جهة مسيطرة في القطاع، سواء علناً أم تحت غطاء “حكومة خبراء”. إذا واصلت إسرائيل التخندق في صمتها ولم تعرض بديلاً، فستضطر في النهاية لقبول إملاء أمريكي – عربي لإدارة غزة بعد الحرب.
من ناحية يحيى السنوار، فإن كل حالة إنهاء تنجو فيه حماس كقوة سياسية في غزة، ستشكل نصراً حتى لو لم ينجُ هو نفسه. أما من ناحية إسرائيل، فإن كل حالة إنهاء تخلو من جهة سلطوية في غزة تقاتل معنا ضد حماس، فسيبدأ العد التنازل نحو إعادة تسلح حماس بالمال القطري. الفوضى ليست حلاً مثلما ثمة من يخطئون في التفكير، لأن الفوضى ستنمي من جديد حماس – داعش، أو أسوأ من هذا – “داعش” نفسه.
قبيل الانتقال إلى المرحلة الثالثة من الحرب في شمال القطاع بالخروج من معظم المنطقة وانتهاج الاجتياحات المركزة، يصر وزير الدفاع يوآف غالنت على منع عودة سكان مدينة غزة وضواحيها إلى بيوتهم. 1.8 مليون لاجئ يتجمعون في جنوب القطاع هم أرض خصبة للاضطرابات التي ستتعاظم ضد حماس – ووسيلة ضغط أخرى على المنظمة.
صحيح أن سماح إسرائيل بتموين إنساني لجنوب القطاع يخفف الضغط قليلاً، لكن الشتاء الذي حل ومعه المطر والأمراض، ستفعل فعلها. مع كل انعدام الراحة التي يسببها التموين الإنساني لدولة العدو، يبدو أنه أكسب إسرائيل أيام قتال أخرى لتعميق الإنجاز العسكري في جنوب القطاع وربما أيضاً إلى ما بعد كانون الثاني 2024.
تقدير زائد في الشمال
إنهاء المناورة في شمال القطاع سيسمح بتحرير قسم من رجال الاحتياط وبدء الاستعدادات للتحدي التالي الرابض على أعتابنا في لبنان. هناك، بعد نحو ثلاثة أشهر من القتال، تعلمت إسرائيل الكثير عن “حزب الله” الذي لم نحتك به منذ سنوات، كما تعلم “حزب الله” أيضاً الكثير عن نفسه. إذا ما أجملنا أشهر الحرب الثلاثة الأولى، يمكن القول إنه مثلما عانينا من تقدير ناقص لحماس وقدراتها، فربما منحنا “حزب الله” أيضاً تقديراً زائداً.
دون التقليل من قدرات “حزب الله” الاستراتيجية، كشفت الأشهر الأخيرة الكثير من مواضع ضعفه. قدرات مضادات الدروع لديه أقل تأثيراً مما قدرت إسرائيل، وكذا ناره الصاروخية الدقيقة، وكذا قدرات مضادات الطائرات تنكشف كمصدر تنغيص يتصدى له سلاح الجو جيداً.
يمكن الافتراض بأن نصر الله هو الآخر فوجئ من مواضع الضعف التي انكشفت في قدراته، وهذا يدخل في منظومة اعتباراته العملياتية. تلقى ضربات أليمة هذا الأسبوع: تصفية الجنرال الإيراني في دمشق، وهجوم إسرائيلي في بنت جبيل أيضاً، لأول مرة منذ 17 سنة. كان رده، حتى الآن، إطلاق مسيرات إلى كريوت وخليج حيفا.
لعل إشارة إلى الاتجاه الذي سيأخذه “حزب الله” حين تحل لحظات الحسم في غزة: فهل سيتوجه إلى التصعيد مع إسرائيل أم سيسعى إلى الاتفاق؟ فوجئ الجيش الإسرائيلي بعدم استغلال “حزب الله” أيام الهدنة في تشرين الثاني للعودة إلى المواقع المجاورة للحدود، وبقائه مع قوات الرضوان في سفح خلفي وعلى مسافة آمنة.
لقد استغلت إسرائيل أشهر الحرب وحقيقة أن عشرات الآلاف من رجال شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” مجندون، لتعميق جمع المعلومات في كل الجبهات. لم توجه كل مقدرات الاستخبارات إلى غزة. خبراء لبنان من شعبة الاستخبارات واصلوا الانشغال بلبنان، وخبراء إيران بإيران، وحتى حيال اليمن بدأ انشغال ذو مغزى. لقد تبين بأن اللغة الأقرب للحوثية هي العربية البدوية، والبدء حيالهم أيضاً باختصاص يتطور. ألمح وزير الدفاع هذا الأسبوع بأن إسرائيل تعمل أيضاً في إيران والعراق.
لكن يجب الحذر من الركون والاعتداد بالنفس جراء نتائج المواجهة مع “حزب الله”. من المهم أن نتذكر بأن “حزب الله” منظمة تتعلم، تستخلص الدروس وتتحسن من الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي. عندما ننهي المناورة في غزة ونبدأ ببناء القوة قبيل مواجهة محتملة في الشمال، يجب الافتراض بأننا سنلتقي “حزب الله” وقد استغل الزمن لتعزيز قوته حيال الجيش الإسرائيلي والعثور على نقاط الضعف لدينا.
المشكلة الأساس في الشمال هي أن الطرفين، إسرائيل و”حزب الله”، مقتنعان بأن الطرف الآخر لا يريد الحرب. هذه وصفة ربما تؤدي إلى أخطاء في تقدير رد فعل الطرف الآخر. ربما حرب في لبنان تبدو أمراً محتماً، لن نتمكن بدونها من إعادة السكان، لكن يجدر بنا إذا ما دخلنا إلى مثل هذه المعركة، أن يكون هذا انطلاقاً من اختيار واع للتوقيت وللطريق، وليس نتيجة لحساب مغلوط لنوايا الخصم.
ألون بن دافيد
معاريف 29/12/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية