معاريف: حين تبحث دول عن فرص استثمارية في بطون الغزاويين الخاوية 

حجم الخط
1

وجد الرئيس الأمريكي بايدن صعوبة في كبح جماح غضبه. ففي فجر الأربعاء انضم هو أيضاً إلى قائمة الزعماء الذين شدوا على أسنانهم في ضوء الكارثة في دير البلح. طائرة من الجيش الإسرائيلي أطلقت النار بالخطأ نحو قافلة إغاثة دولية فقتلت سبعة عاملين. “أشعر بالغضب”، قال بايدن، وليس صعباً أن نفهم إلى أي اتجاه تسير أقواله. فقد قال إن إسرائيل لم تفعل ما يكفي لحماية العاملين.

المأساة في هذه القصة أكبر مما يمكن وصفها. عاملو منظمة المطبخ المركزي العالمي ساعدوا إسرائيليين دمرت بيوتهم بعد 7 أكتوبر. قدموا لهم الغذاء المجاني وغيره من الاحتياجات، وحظوا بعطف الكثير من سكان الغلاف. في منتصف ليل الإثنين، سافرت القافلة نحو ميناء غزة، حيث كان يفترض أن تصل في الغداة سفينة إغاثة محملة بالأغذية والأدوية. أمسك بهم ملاك الموت وهم في طريقهم.

قضيتم على المهنة، قال لنا أصدقاؤنا بعد قتل عاملي المطبخ. لقد تطور الحدث إلى حجوم عملية مضادة دولية وسرع المطالبة من إسرائيل بوقف الحرب. كشف إحدى المشاكل المركزية لجهاز الأمن في إدارة المعركة – الجانب الإنساني. لقد تعلمت إسرائيل في هذه الأيام بأن بطن الغزيين ليس مشكلتهم وحدهم. كما أن حجوم الخراب في القطاع لن تكون مشكلة سكانه فقط. والحصار الذي فرضناه عليهم حتى 7 أكتوبر لم يضر بهم فقط، بل أصبح سيفاً مرتداً. في القطاع هذه الأيام، مشاكله هي أيضاً مشاكلنا. من سيهرب منها سيكتشف أنها تلاحقه.

تسعى الأسرة الدولية لتعليق إسرائيل على الشجرة الإنسانية هذه الأيام. أصدقاؤنا يتساءلون كيف مرت نصف سنة والجيش الإسرائيلي، بصفته القوة المسيطرة في قطاع غزة، لم يجد بعد الطريق المناسب للسماح بإدخال منتظم للغذاء لسكان القطاع. اليوم يدخل بين 60 إلى 180 شاحنة غذاء في اليوم. الطلب لـ 500 شاحنة، مثلما كان يدخل قبل الحرب. لا تريد إسرائيل أن تسوي المشكلة وتورد الاحتياجات الغذائية للسكان. فهي ترى في هذا وسيلة ضغط لتجويع حماس. وترفض أي تسوية مع السنوار تكشف اتصالاً به، حتى لو وقعت بشكل غير مباشر.

كل اللاعبين في المنطقة ملوا هذه الحرب، ويخشون من اتجاهها. لكن ليس لديهم أدنى فكرة عن موعد انتهائها وما هو هدف إسرائيل النهائي. في الشهرين الأخيرين، بدأت تنشأ في القطاع جيوب جوع. ليس لأغراض الدعاية بل جوع حقيقي. حكومات غربية وعربية بدأت تتصدى للمسألة، أين كنتم عندما جوع الإسرائيليون مواطني غزة. الصبر آخذ بالنفاد.

الرصيف والمال

تقبع بين السطور مسألة اقتصادية كبرى. ليس صدفة أن غضب الأمريكيون، وقبلهم الإماراتيون، على قتل السبعة. غزة التي تكف عن قدرة السداد، بقدر ما يبدو هذا مفاجئاً، تبدو فرصة تجارية هائلة للمستثمرين من العالم كله، إذا ما سمحت إسرائيل بإعمارها. هذان الطرفان يتعاونان في بناء المرفأ الإنساني في غزة. سيقيم الأمريكيون في الأسابيع القادمة رصيفاً مؤقتاً وسيفعلون خط سفن من لارنكا في قبرص. ودور الإمارات تمويل الإرساليات نفسها. سفينة أمريكية تشق طريقها إلى هنا هذه الأيام كي تعالج الجانب اللوجستي. هذا الأسبوع، مع نبأ الكارثة في دير البلح، أعلنت أبو ظبي عن تجميد المشروع. التجميد مؤقت، ويستهدف رفع علم، بمعنى توجيه التهمة لإسرائيل، وهكذا ممارسة ضغط إضافي عليها لإنهاء الحرب.

تأتي إقامة الرصيف البحري الإنساني للسماح للإماراتيين والأمريكيين بدق وتد تجاري في قطاع غزة. فهم يراهنون على إعمار غزة في السنوات القادمة، وباتوا يضعون في باب الخروج المركزي لها – الميناء المستقبلي. والمصريون أيضاً يعولون على امتيازات مستقبلية، وكذا الفرنسيون. الكل سيرغب في جلب شركاته الحكومية للاستثمار في القطاع. 90 مليار دولار، قال الرئيس المصري السيسي، المطلوب لإعمار القطاع. وأقواله سببت قلقاً، لكنها أخفت الطاقة الكامنة.

أما إسرائيل فترى أن هذه الكارثة جاءت في الوقت الأكثر حساسية. بعد بضعة أيام من التدمير الهائل الذي خلفه الجيش الإسرائيلي في مستشفى الشفاء (العالم قلق من الصور وبقدر أقل من الحقيقة الصادمة بأن المؤسسة الطبية كانت قاعدة عسكرية لحماس)، وبعد بضعة أسابيع من قتل جنود الجيش بالخطأ، مدنيين معدمين انقضوا على قافلة قمح في ظلمة الليل في غزة، وقبل الحملة في رفح التي يسعى الجيش الإسرائيلي لخوضها في مدينة مزروعة بالخيام، التي أغلبية سكانها نازحون… من سيصدق الآن بأننا سنعمل بشكل جراحي في رفح.

“لا يمكن حشر 50 في المئة من سكان قطاع غزة في 10 في المئة من المساحة، والتوجه إلى هناك ومهاجمتهم”، قال أول أمس رئيس حكومة قطر محمد بن جاسم آل ثاني. “هذا غير ممكن دون ارتكاب إبادة جماعية واسعة، إلى جانب الإبادة الجماعية التي سبق أن ارتكبت قبل ذلك في غزة”، هذه هي اللغة.

نصف سنة منذ نشوب الحرب، ووضع إسرائيل، على أقل تقدير، ليس لامعاً. في هذا الأسبوع، فقدنا المزيد من الائتمان السياسي. ثمة حكومات في المنطقة تتحدث عن إبادة جماعية في القطاع، والشوارع تدعو لإحضارنا إلى لاهاي. الجيش الإسرائيلي، الذي فقد 600 مقاتل حتى الآن، يبدو مستنزفاً ومحرجاً حرجاً لا مثيل له بعد إصابة المنظمة الإنسانية. “إسرائيل لا تقاتل، إسرائيل تقتل”، قال هذا الأسبوع دبلوماسي أوروبي لأصدقائه في أحاديث مغلقة. وإذا لم يكن هذا بكاف، فقد تسلل توتر حاد إلى علاقات إسرائيل وقطر بالذات في ذروة المفاوضات لتحرير المخطوفين. حزب الليكود أجاز في الكنيست “قانون الجزيرة” بتأييد وعلم نتنياهو. رداً على ذلك، هاجم رئيس وزراء قطر نتنياهو بلغة غير مسبوقة، دون ذكر اسمه. “لا يمكننا ترك مصير المنطقة في أيدي بضعة سياسيين مغامرين، يحاولون تعريض مصيرها للخطر باسم مصالحهم فقط”. قال محمد بن جاسم. “لهؤلاء السياسيين آلية الاتهام الذاتي. بدلاً من التعاون بشكل بناء، اقتراح الحلول وعدم وضع العراقيل، يلعبون بالاتهامات”.

بعد كل هذا، لا غرو أن المفاوضات حول وقف النار قد انهارت للمرة الثالثة هذا الأسبوع. “المحادثات عالقة حيثما كانت في قمة باريس في شباط”، قال رئيس وزراء قطر.

جاكي خوجي

معاريف 5/4/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية