ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
فكرة الترحيل التي طرحها ترامب أصابت العالم العربي بالذهول، مع التشديد على مصر والأردن المرشحتين الأساسيتين، من ناحيته، لاستيعاب الفلسطينيين من غزة. فضلاً عن التصريحات العربية التي ردت أقوال الرئيس الأمريكي وأعربت عن معارضة مطلقة لنقل الفلسطينيين من القطاع، بدأ تراكض دبلوماسي متفرع، غايته بلورة موقف عربي موحد، كمنحى بديل لا يتضمن الترحيل. ومؤخراً، انعقدت في الرياض قمة عربية ضيقة، وتقررت بعدها قمة طوارئ عربية في 4 آذار في القاهرة.
إحساس الضغط في الدولتين المركزيتين اللتين ذكرتا صراحة في واشنطن، كان قاسياً على نحو خاص. فقد أجل الرئيس السيسي زيارته المخطط لها في واشنطن (ربما يفضل الوصول إلى البيت الأبيض مزوداً بموقف عربي موحد)، ونزعت وسائل الإعلام المصرية القفازات وانتقدت ترامب، وإن كان بنبرة منضبطة. كان النقد المصري تجاه نتنياهو أكثر حدة. فوجئت القاهرة على ما يبدو بتصريحات السفير لايتر، التي جاء فيها أن مصر تنفذ “خروقات جدية” في اتفاق السلام، وثمة تقارير بهذه الروح في وسائل الإعلام الإسرائيلية أيضاً.
من الشائق والشاذ الإيضاح الذي نشره جهاز الأمن في إسرائيل، بأن منشورات في الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام التي تدعي استعداد الجيش المصري بقوات معززة في سيناء بشكل يخرق اتفاق السلام، هي منشورات ليست صحيحة. فالمنشورات التي تشير إلى استخدام واشنطن المساعدات الاقتصادية لمصر وسيلة ضغط عليها تعتبر أمراً قد يضعضع الاستقرار في الدولة وحكم السيسي ويخدم الإخوان المسلمين.
أما في الأردن فالإحساس قاس، خصوصاً بعد زيارة الملك إلى واشنطن وتكرار ترامب علناً لأفكار “الريفييرا الأمريكية” في غزة. عمان تشعر بالإهانة، ولا سيما حين أبقى الملك في واشنطن على نبرة منضبطة ودبلوماسية أفضل ما يستطيع. من ناحية المملكة الهاشمية، فإن أفكاراً من هذا القبيل تشكل تهديداً وجودياً على الدولة. مروان معشر، وزير الخارجية الأردني سابقاً، وصف هذا جيداً في مقال بعنوان “على ترامب أن يعرف بأن أي تهديدات وجودية لن تؤدي إلى صفقة”.
أقوال ترامب في “فوكس نيوز” التي جاء فيها أنه يعتقد بأن هذه “خطة جيدة”، ولكن “لن أفرض هذا. ببساطة سأنتظر، وأوصي بهذا”، فهي كفيلة بأن تبث رسالة مهدئة، لكنها لم تخفف مخاوف الدولتين.
كما أسلفنا، ليس واضحاً بعد كيف سيصاغ الجواب العربي. من جملة تقارير وتقديرات، يبدو أن خطة شاملة لإعمار غزة سوف تعرض، دون الحاجة لإخلاء مسبق للسكان، في ظل إيجاد صيغة لا تتضمن بقاء حماس في الحكم. هذه النقطة تخلق صعوبة لا بأس بها في ضوء بقاء حماس في المنطقة مع سيطرة، وإن كان نطاقها ليس واضحاً لكنها بالتأكيد موجودة، لذا ثمة حاجة لموافقتها. من جهة أخرى، لا تزال معارضة إسرائيل لإدراج السلطة الفلسطينية في الحكم في غزة، على حالها.
السعودية دولة أساسية في عملية بلورة الموقف العربي. السؤال هو: كيف ستناور السعودية بين معارضتها للترحيل وواجبها تجاه “التضامن العربي والفلسطيني”، بخاصة حين يتركز هذا في مصالح حيوية لدولتين عربيتين مركزيتين، هما مصر والأردن، وبين منظومة علاقاتها مع إدارة ترامب. تحظى الرياض بمكانة مركزية في واشنطن، جسدت جيداً في اختيار الرياض استضافة المحادثات الأمريكية الروسية في موضوع الحرب في أوكرانيا.
أفكار ترامب حول الترحيل استقبلتها إسرائيل بحماسة، وبموافقة من معظم محافل المعارضة. فضلاً عن الإخفاق الأخلاقي الواضح، إسرائيل ملزمة بأخذ التداعيات الخطيرة على مصر والأردن بالحسبان. تعد الخطوات تهديداً لمصالح حيوية أولى في درجتها، نهايتها خلق صدوع في الثقة وفي مدى ذخر اتفاقات السلام مع إسرائيل.
ميخائيل هراري
معاريف 3/3/2025