كتاب ألدوس هكسلي، في 1932 الذي اتخذ عنوان “عالم جديد رائع”، توقع للعالم مستقبلاً تؤدي فيه التكنولوجيات المختلفة إلى تغيير جوهري ومقلق في المجتمع البشري. اليوم في ظل الذكاء الاصطناعي واستنساخ محتمل للمخلوقات الحيوية بما في ذلك البشر، هو كابوس قد يتحقق. لكن لو كتب هذا الكتاب آنف الذكر أو أشباهه اليوم لسمّيت “عالم التشوش والفوضى”.
ونبدأ بالولايات المتحدة التي سيتنافس فيها السنة القادمة مرشحان يحملان شحنة ثقيلة من المشاكل للرئاسة، وكلاهما لا يحظيان بثقة الأغلبية في الجمهور الأمريكي. أما الرئيس بايدن، فهو في سن متقدمة وفي شكوك، ربما مبالغ فيها، حول وضعه المعرفي الذي يجد تعبيره بين الحين والآخر في مجال السياسة الخارجية أيضاً. صحيح أن مكافحة التضخم المالي، بعد محاولات عابثة، حققت نجاحاً، لكن الأشهر التالية سترينا إذا كان الاقتصاد الأمريكي سيعود إلى قوته وما هو تأثيره على فرص جهد بايدن لانتخابه لولاية أخرى.
الإشكالي الأكثر هو ترشيح خصمه دونالد ترامب، الذي اتهم في المحكمة الفيدرالية بسلسلة مخالفات خطيرة، منها مواضيع الأمن القومي، وهي اتهامات حسب كل منطق انتخابي كان يفترض أن تغلق في وجهه طريق العودة إلى البيت الأبيض. لكن هذا لا يغير فقط تصميم ترامب على السباق، بل إن التأييد له ازداد بعد أن عُلمت تفاصيل التهم، ويواصل ترامب طريقه كالمرشح المفضل لدى الجناح المحافظ والمسيحي لدى الجمهور الأمريكي رغم أنه لم يتخذ صورة المسيحي المتمسك على نحو خاص، على أقل تقدير. ليس كل الجانب المحافظ والجمهوري يسلمون بهذا، لكن الفجوة بينه وبين المرشحين المعلنين الآخرين: دي سنتس وكريستي وبينس وهيلي، فجوة تتسع.
يمكن لنا أن نتعرف على مدى التشوش والتضارب من استطلاع أجري في حزيران في أوساط الزعامة المحلية للحزب الجمهوري في الخمسين ولاية في الولايات المتحدة، ونبع منه أن ترامب وإن كان تفوقه يزيد في هذه اللحظة، لكن لم يختفِ التأييد المحتمل لمرشحين آخرين تماماً، إذا ما اضطر للانسحاب من السباق.
كما قيل مرات عديدة، السياسة في أمريكا محلية، لكن رغم كونها كذلك فلها تأثير لا بأس به على ما يجري في العالم كله. ليس صدفة أن زعماء الصين وروسيا وإيران والناتو وحكام الدول العربية، يتابعون ما يجري في الولايات المتحدة وسياستها، إذ إن مستقبلهم أيضاً سيتأثر بذلك، وبالطبع مستقبل إسرائيل أيضاً التي تبدو العلاقات الخاصة بينها وبين أمريكا بالفعل أساساً حيوياً في استراتيجيتها الكبرى.
المحلل السياسي في “نيويورك تايمز” توم فريدمان، الذي تلمس تقديراته أحياناً خلفية “الإبداع”، وبخاصة عند الحديث عن إسرائيل، كتب مؤخراً بأن واشنطن تجري “إعادة تقويم” للعلاقات مع القدس، لكن الناطق بلسان الخارجية الأمريكية سارع لنفي هذا. والدليل، نفذ مجلس النواب الخطوات المهمة لإقرار المساعدة الأمنية بمبلغ 3.4 مليار دولار. كما بدأت مناورة عسكرية مشتركة أخرى بين الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي في المنطقة هذه الأيام مع النظرة إلى إيران. لو كانت الإدارة تفكر بـ “إعادة التقويم” مثلما كان في عهد الرئيس فورد عندما كان الراحل إسحاق رابين هو رئيس وزراء إسرائيل، لترتبت الأمور في غضون وقت غير بعيد مثلما في حينه، وفقاً للمصالح المتبادلة للطرفين.
لكن نعود إلى السياسة الأمريكية: تبقت سنة وأربعة أشهر حتى الانتخابات، وهي فترة طويلة في السياسة، وأمور كثيرة قد تتغير. ليس واضحاً مثلاً كيف ومتى ستنتهي الحرب في أوكرانيا وماذا ستكون آثار هذا سواء على أمريكا أم على خصومها. وهناك الموضوع الإيراني المتفجر. وفي ضوء السلاسل الشخصية والسياسية التي على أقدام بايدن وترامب، لا يقين تاماً بأنهما سيكونان المرشحين في تشرين الثاني 2024.
نشأ في هذه الأثناء وضع انشقاق متزايد للسياسة الأمريكية يمنع اتخاذ قرارات في الكونغرس تحظى بتأييد الكتلتين. لكن القرارات في المواضيع السياسية والأمنية هي من صلاحية البيت الأبيض، وهذا الواقع يصعّب على الإدارة بلورة سياسة واضحة، وعلى الآخرين تشخيص وجهة الولايات المتحدة. إن تناول ألدوس هكسلي في كتابه التهديد بعالم جديد رائع، مزعوم، لكنه لم يأخذ بالحسبان أن يسود في العالم وضع فوضى وتشويش يخيم على مستقبله بين الحين والآخر، وإن كان بمفهوم آخر.
زلمان شوفال
معاريف 18/7/2023